|
حين كانت المعارك في
أوجها في صحراء العلمين في الحرب الكونية الثانية، والقتال يدور بوحشية
للاستيلاء على كثيب هنا وتلة هناك، وجه قائد الجيش الثامن البريطاني نداء
إلى قواته قال فيه جملة واحدة، قصيرة وقاطعة وموحية: لا تتروملوا!!
ومعنى النداء: لا
تقعوا ضحايا الخوف من "الماريشال رومل" –قائد قوات المحور الذي كان يتقدم
في أرض العلمين كما تتقدم السكين الحامية في قالب الزبدة- .
قائد الجيش الثامن
البريطاني أراد أن يقول لعسكره: لا تستسلموا للشعور بأن "رومل" يستطيع أن
يفي إذا وعد، ويفعل أي شيء، وكل شيء.. لا تنسوا أنه عدو لا يجوز أن تحملوا
له أي نوع من مشاعر الإعجاب، وتبرروا هزيمتكم أمامه.. لا تتروملوا!!
وبصرف النظر عن دواعي
انكفاء قوات المحور في جبهة العلمين بعد غياب أو تغييب "الماريشال رومل"
الذي كان قد وعد جنوده بأكل السباجيتي على أصولها في مطاعم القاهرة..
فإن "أرئيل شارون"
يوشك أن يصدر أمراُ لعساكره في قطاع غزة يقول فيه:لا "تتحومسوا"..
أي لا تجعلوا "حركة
حماس" تخيفكم كل هذا الخوف، كما لو كان "الماريشال رومل" هو الذي يخطط لها
ويقودها، فتتقدم تحت الأرض وفوق الأرض، وحتى فوق الجدران والحيطان..
وسواء فعل شارون ذلك
أم يفعل، فإن العسكر الصهيوني الذي يمتلك تجهيزات ومعدات ووسائط تجعله يحتل
المرتبة الخامسة أو السادسة بين جيوش العالم..
هذا العسكر بات متيقنا
أن الأسوار والجدران الأسمنتية والأسلاك الشائكة والإلكترونية والمناظير
والطائرات التي بطيار أو من دون طيار، والعيون والآذان المبثوثة... عاجزة
عن منع "كتائب القسام" من الوفاء بالوعد الذي قطعته على نفسها.
أطلقت هذا "الوعد"
وأخذت على نفسها "العهد" في الثاني والعشرين من آذار "مارس" الماضي، عندما
قصفت الطائرات الصهيونية شيخ المجاهدين الفلسطينيين الشهيد أحمد ياسين عند
باب المسجد بعد صلاة الفجر.
وأكدت على وعدها
وتعهدها في السابع عشر من نيسان "أبريل" حين طالت الصواريخ الصهيونية شخص
القائد "الدكتور عبد العزيز الرنتيسي" وكواكب الشهداء الذين اغتيلوا من
الجو في غزة ورفح وخانيونس ونابلس..
أقسمت كتائب القسام
أنها سوف تزلزل الأرض تحت أقدام الصهاينة.. وسارع جهاز الأمن الصهيوني إلى
دق جرس الإنذار لأن إعلان حماس بأن"العين بالعين" معناه ضرب نظراء الشيخ
أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي من المسؤولين الصهاينة، وربما حاخامات أو
شخصيات "إسرائيلية" سياسية وذات مناصب رسمية ... –ونسجل ملاحظة هنا بأن كل
القيادات السياسية الصهيونية وفوقهم الحاخامات لا تصل قاماتهم إلى كعب قدم
الشيخ ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وأي شهيد فلسطيني آخر-.
جهاز الأمن الصهيوني
كان يعرف بأن "حركة حماس" إذا وعدت فإنها تفي بالوعد، ولذلك سارع إلى تعزيز
الحراسة حول الشخصيات الصهيونية، وعلى رأسها "أرئيل شارون"، فأحاطته بعدد
كبير من الحراس المتنكرين في زي موحد، كما وضعت الحراسة على ثلاثة نواب لم
تكن حولهم حراسات وهم: ايهود ياتوم –من الليكود- وبنيامين بن إليعيزر –من
العمل- وييغال شتاينتس –من الليكود أيضا-.
وبادر زيفلين إلى
مضاعفة عدد رجال الدورية المسؤولة عن حراسة أعضاء الكنيست من -غير العرب
طبعا- وجعلها فوق 13 حارسا .
وبعث ضابط الكنيست
"اسحق شادار" برسالة إلى كل أعضاء الكنيست –الصهاينة- طالبهم فيها بالتبليغ
مسبقا عن كل سفرية إلى الخارج، سواء كانت مهمة عامة أم خاصة، منعاُ
لإمكانية الاختطاف أو الهبوط في "دولة معادية".
ووجه مفتش عام الشرطة
"الفريق شلومو أهرونشكي" بتشديد الحراسة حول عدد من الوزراء الذين تحيط بهم
حراسات مكثفة أصلا، هي مزيج أو خليط من أفراد المخابرات والشرطة .
وأقام كل ضابط كبير
وحدة حراسة خاصة تتشكل من خريجي وحدات قتالية ووحدات حراسة الشخصيات في
المخابرات المسؤولين عن حراسة الوزراء.
ووزعت الشرطة
الصهيونية كراسا يشتمل على نصائح "للإسرائيليين" من أجل التعرف على
الاستشهاديين، وكذلك على تعليمات ينبغي تطبيقها عند حصول هجوم استشهادي ...
وإليكم بعض ما جاء في
هذا الكراس:
" أن من يرتدي ثيابا
كثيفة في هذا الفصل من السنة –أواخر الربيع وفي فصل الصيف الحار- قد يكون
"انتحاريا"..."
نسي خبراء الشرطة
الصهيونية أن طلبة المدارس "الدينية اليهودية" أو ما يعرف باسم "المدارس
التلمودية"، يرتدون الملابس السميكة صيفا وشتاء، ربيعا وخريفا.. يرتدون
المعاطف الطويلة السوداء، ومن تحتها السترة والبنطال الصوفي، ويعتمرون
القبعات السوداء، فتفوح من رائحة عفونة ونتانة أجسادهم حتى ليظن المرء أنه
في حظيرة...خنازير!!
بل إن الكثيرين من
"المتدينين الإسرائيليين" يرتدون هذه الملابس السميكة التي تزعمها الشرطة
"الإسرائيلية" علامة فارقة للاستشهادي الفلسطيني، وهم عشرات الألوف...
يرتدون هذه الملابس في فصل الصيف هذا فضلا عن بقية الفصول.
والأمر لا يتوقف عند
الملابس السميكة إذ إن سكان "حي مشيرم" الصهاينة في الشطر "المهّود" من
مدينة القدس خارج الأسوار، لا يعتمرون القبعات السوداء السمكية وحسب، بل
يعتمرون أيضا قبعات الفراء حتى في فصل الصيف...!!
كذلك فإن الشرطة
"الإسرائيلية" اصطنعت الذكاء فحذرت مما وصفته بـ"انتفاخ غير طبيعي تحت
الملابس" ، ناسية أن "أرئيل شارون" وثلاثة أرباع جنرالاته، لديهم هذا
الانتفاخ في بطونهم وأقفيتهم الأمر الذي يدخلهم في دائرة الاشتباه –حسب
الكراس-ّ!!
أما التوجيه "الشرطوي"
الذي لا يقل إضحاكا بل تهريجا عن أي نكتة من نكات الحشاشين، والذي تعتبره
الشرطة "الإسرائيلية" علامة فارقة للاستشهادي فإنه.. "التصبب عرقا"؟!
هل هناك إنسان واحد
يسير في شوارع المدن الواقعة على ساحل البحر المتوسط من حيفا إلى جبل طارق
في أقصى غربي المتوسط، ومن أثينا إلى الإسكندرية، ومن روما إلى إيطاليا...
هل هناك إنسان واحد يسير في هذه المدن صيفاً وتحت شمس البحر المتوسط .. ولا
يتصبب عرقا؟!
وبعد ذلك تتحدث الشرطة
"الإسرائيلية" عن علامات فارقة للاستشهادي لا تقل استجلابا للسخرية عما
تقدم، فهي ترى السير في الشوارع ببطء ..علامة على الاستشهادي. وهذا يجعل
جميع المتسوقين أو المتسكعين أمام المحلات التجارية والفضوليين وأولئك الذي
يمضون إجازة أسبوعية أو سنوية.. يجعلهم من المشبوهين أيضا؟!..
وتختتم الشرطة
"الإسرائيلية" هذا الهذر فتقول: إننا لا نستطيع وقف "الإرهاب" –حسب
تعبيرها- أي وقف العمليات الاستشهادية، إلا إذا عملنا معا، أي إلا إذا عملت
الشرطة مع المجتمع...
وبطبيعة الحال كانت
هناك تعليمات أخرى منفصلة،لحراسة المطارات والمواصلات العامة والمباني
الحكومية والفنادق والملاهي، من أقصى خط وقف إطلاق النار مع لبنان، وإلى
خطوط المواجهة مع سورية والأردن ومصر.
وسفارات "إسرائيل"
وقنصلياتها وممثلياتها في عواصم ومدن العالم خضعت للحراسة المشددة، حتى إن
وحدة شرطة مع سترات واقية وكلاب حراسة... لا تزال ترابط في سفارة "إسرائيل"
في عاصمة أوروبية، داخل وخارج المبنى، إلى جانب إغلاق بعض الممثليات
بذريعة ضغط للنفقات..!؟
ودعوني أنقل لكم فقرة
من مقالة طويلة نٌشرت في صحيفة "إسرائيلية" عشية قيام كتائب القسام بإطلاق
وعيدها..
قال الكاتب:" أمة
كاملة تنكمش الآن في الزاوية كجروٍ بالَ على البساط، تنتظر باستسلام الضربة
"الوحشية" التي ستأتي حتما..
لا أحد يشك أنها
ستأتي، فقط لا يعرف بعد، أين ستأتي؟
نسوا إخبارهم –الجنود-
مقدما، أو طلب موافقتهم قبل أن يتم تطويعهم لتقديم حياتهم على مذبح تسليات
حرب شارون وموفاز، لتكون أيامهم الأخيرة هنيئة قبل أن يهنّأهم التراب"
وأضاف الكاتب:" إن
شارون هو شارون، وموفاز هو موفاز، وتغيير طبعهم يشبه محاولة إقناع تمساح أن
يصبح نباتيا...
كما لا يجوز لنا أن
نتخيل ما الذي مر بخاطر قناص السحاب عندما أرسل بصاروخه نحو كرسي العجلات؟
هل فكر في كل الأشخاص
الذي يحكم عليهم هذا الصاروخ بالموت؟ هل ارتاب في حكمة الفعل قبل أن يضغط
على الزناد ويشعل المنطقة؟ هل أغلق مخه تماما كعادة الرجال الآليين أم
ابتاع بسذاجة كل التسويغات السخيفة التي تسوّغ كل فعل أحمق كهذا بوعود
جوفاء بالقضاء على "الإرهاب" ...
إن أوج السخرية كامن
في تلك الإجراءات والتعليمات التي تلت.. لقد عززت الحراسة على وزراء
الحكومة ورجال الكنيست، ولكننا سنتابع المشي في الشارع، والجلوس في المقهى
والسفر في الحافلات، والابتياع في الأسواق والحوانيت.. أما الرفقة
المتعجرفة التي قررت وضعنا في مركز الهدف، فستعمق تحصنها داخل السيارات
المدرعة والستر الواقية، والرفقة المخلصة والمعززة من الغوريلات التي
يفعمها التفاني...
ولو كان شارون زعيما
حقيقياً، ولو كان موفاز رجلا حقيقياً .. لكانا يعلنان إنهما أيضا سيسافران
في الحافلات فقط، ويأكلان في المطاعم، ويتنزهان في الحدائق العامة بلا
حراس، ويجلسان يوميا لاحتساء القهوة على رصيف في المدينة الكبيرة.. إن
دمهما ليس أكثر حمرة من دم أي "مواطن"، وموتهما لن يكون أكثر مأساوية،
وأعضاؤهما ليست أكثر قداسة من أعضاء البشر، ولا يوجد أي سبب في العالم كي
لا يشاركوا سائر سكان "إسرائيل" عبء المخاطرة والدم اللذين جلباهما علينا"
طيلة أسابيع ظلت أسواق
تل أبيب مقفرة، وباصاتها فارغة، وحوانيتها تنتظر وصول المشترين.. لأن
"حماس" وعدت أن تزلزل الأرض تحت أقدامهم ..
وحدهم "جماعتنا" رفعوا
حواجبهم، ومطوا شفاههم، وتجشّأوا كلاما صفيقا جارحا.؟!
بل وتطوع أكثر من
سبعين "مثقفا" عربيا وفلسطينيا "لامعا"، لوضع تواقيعهم على عريضة تطالب
بوقف العمليات الاستشهادية، وانتهاج طريق "اللاعنف" ، على غرار ما فعل
فيلسوف الهند "غاندي" وشعبه في النصف الأول من القرن الفارط، أي الانبطاح
على الأرض أمام أرتال الدبابات والجرافات وطائرات الأباتشي الصهيونية،
والامتناع عن رمي حصاة واحدة حتى لو كانت بحجم حبة الحمص.. في وجوه
القناصين الذين يمضون أوقاتهم في التدريب على صيد الأطفال والنسوة الحوامل.
وقد قيل إن مسؤولا
رفيعا في "المقاطعة" المحاصرة أجرى مؤخرا اتصالا مع زعيمة حزب المؤتمر
الهندي "سونيا غاندي" ورئيس الوزراء "مان موهان سنغ" يطلب كل الوثائق
والدراسات التي توثق لفلسفة غاندي وشروط "الانبطاح" وطقوسه!!
وحين تأخر الرد الذي
وعدت به "حركة حماس" وذراعها العسكري، استل الشامتون أقلامهم، وتعربشوا على
أعمدة الصحف والفضائيات والإذاعات ليٌطمِئنٌوا الصهاينة:" ألم نقل لكم أن
"المقاومة الإسلامية" أصيبت بالذبول بل والشلل، لقد وعدت بزلزلة الأرض تحت
أقدامكم، لكنها لم تعد قادرة على زلزلة أي شيء..
وفي الحقيقة أراد
الفاسدون أن يضربوا هدفين –ولا نقول عصفورين- بحجر واحد..
الهدف الأول هو
"الفكرة الملهمة" أو "الديناميكية المجتمعية" التي تشكل روح نظرية "التحدي
والاستجابة" المعروفة..
والهدف الثاني هو
إحراج حركة المقاومة الإسلامية –بخاصة- والمقاومة الفلسطينية –بصورة عامة-
لإخراجها، أي لجعلها تتحرك حتى قبل أن تستكمل الدرس والمراجعة والإعداد
والتهيؤ، الأمر الذي يجعلها مكشوفة، وبالتالي يتمكن العدو الصهيوني من
متابعتها وتصفية بنيتها التحتية في مسلسل الاغتيالات الطويل الذي بدأ حتى
قبل قيام هذا الكيان الصهيوني السافل..
وقائمة الشهداء الذين
جرى اغتيالهم في السبعين سنة الأخيرة طويلة جدا، بدأت في العشرينيات، ولم
تنته مع آخر الشهداء الذين يسقطون اليوم أو في الغد أو بعد الغد في المدن
والبلدات التي يتم اجتياحها، ورشق أهلها بالرصاص..
لقد اعتصمت قيادة حركة
المقاومة الإسلامية بالصمت أسبوعا بعد أسبوع، وشهرا بعد شهر، كانت خلالها
تخطط وتتأهب.
انتظرت ما يقرب من مئة
يوم على استشهاد الإمام الشيخ أحمد ياسين قبل أن تزلزل الأرض تحت أقدام
الصهاينة، تلك الزلزلة التي جعلت شارون يرغي ويزبد كالثور الهائج وهو يعلن:
لن أسمح لهم، محظور أن تتكلموا، أنا وحدي الذي يتكلم عن نفق "أورحان"
وصواريخ القسام..!!
قال ذلك ملوّحا بقبضته
في وجه وزير الحرب ورئيس الأركان، ورئيس شعبة الاستخبارات، ورئيس
المخابرات، ولكل الشياطين والأبالسة والقردة الذين كانوا حوله في تلك
الجلسة .
لكن الصهاينة يعرفون
أن شارون لم يٌجرح تحت أنقاض الموقع الذي خالوه حصينا، ولا يزال ابناه
يلعبان بالدولارات التي قبضاها من صفقة التوسط لشراء الجزيرة اليونانية،
على عكس الأولاد الذين تم تجنيدهم ليموتوا في أرض ليست لهم .
لقد قالت "حماس" إن
هذا أحد الردود، أي أن هناك المزيد من العمليات والمزيد من القتلى والجرحى
الصهاينة ..
ولعلنا نعود إلى حديث
النفق وصورايخ القسام وخيمة الاعتصام في المقالات التالية .
|