الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

ارشيف مقالات محمد ابو عزة

عودة

"الاستشهادي" و"الإرهابي"

حرب "المصطلحات" الصهيونية...؟!

 

بقلم : الاستاذ محمد أبو عزة

  

علينا أن نعترف أن أبرز الحروب التي انتصر علينا الكيان الصهيوني فيها هي حرب المصطلحات بكل دلالاتها اللغوية والثقافية والإعلامية والدبلوماسية.

 

فمنذ أن قام هذا الكيان على أرض فلسطين وهو يرفع شعار السلام، فيما تاريخه الحقيقي هو سلسلة متصلة من الحروب العدوانية والمجازر الجماعية.. ومع ذلك فقد نجح في استدراج أجيال كاملة من الفلسطينيين والعرب والمسلمين إلى التعامل بسلبية مع شعار "السلام" كمرادف للاعتراف بالاغتصاب الصهيوني لفلسطين، وإظهار المجاهدين المقاومين بمظهر أعداء السلام ، ليجري تأليب الرأي العام الدولي ضد الحق العربي، بل ليبرز ارتباك داخل الأمة، فيتصاعد الانقسام بين المتمسكين بالثوابت والحقوق من جهة، وبين ذوي النفس القصير والمصالح الصغيرة والنظرة الضيقة من المتعبين أو المتخاذلين أو المتواطئين.

 

ووصل النجاح الصهيوني، المدعوم أمريكيا وغربيا في هذا المجال إلى الذروة حين طرح شعار "السلام مقابل الأرض".. وكأن السلام بيد العرب، فيما الأرض –المقصود تلك التي احتلت في الخامس من حزيران/يونيو 1967- بيد الكيان الصهيوني، وأن المطلوب فقط هو تبادل متكافيء بينهما، بينما الحقيقة الساطعة تشير إلى أن هذا الكيان يريد الأرض السلام أو الاستسلام في فلسطين كلها ودول الجوار أيضا.

 

وكما نجح الصهاينة بالتلاعب بشعار "السلام"، نجح العقل الصهيوني ومعه حلفاؤه في تسويق شعارات باتت رائجة في كل مكان من العالم، مثل "الإرهاب"، إن الممارسات الصهيونية القائمة على حملات الإبادة الجماعية والاغتيالات الفردية هي التي تنطبق عليها مواصفات "الإرهاب" بامتياز، أو لنقل "إرهاب الدولة" الذي تقوم به حكومة تل أبيب وجيشها وأجهزة مخابراتها.. ومع ذلك فإن الكيان الصهيوني مستندا إلى الدعم الأمريكي الغربي السياسي والإعلامي، والعجز العربي.. نجح في قلب الحقائق، موحيا بعلاقة ما قائمة بين الإسلام والعروبة من جهة، و بين "الإرهاب" من جهة أخرى، مبررا "حملة صليبية" جديدة بقيادة بوش الثاني.

 

وعود على بدء إلى "حرب المصطلحات" نأخذ مفهوم "الشرق الأوسط" الذي طرح بادئ الأمر كتعبير جغرافي قدمته الحكومة الصهيونية عام 1967 كتصور متكامل لدور بلدان المنطقة بما فيها الكيان الصهيوني، وذلك عبر مجلد ضخم صدر في تل أبيب وجرى توزيعه على الدوائر الدبلوماسية والإعلامية في العالم إثر هزيمة حزيران /يونيو 1967، وتحول مع أوائل التسعينيات إلى مشروع اقتصادي سياسي بشر به "شمعون بيريز" في أحد كتبه، وأخذت واشنطن على عاتقها تسويقه في قمم اقتصادية وغير اقتصادية تستهدف نزع الهوية العربية والإسلامية عن المنطقة وتكريس الهيمنة الصهيونية والاستعمارية على مواردها الاقتصادية، ثم عادت ووسعته في عام 2004 ليصبح العنوان هو:"الشرق الوسط الكبير"، من الباكستان وافغانستان إلى المغرب الأقصى.

 

وقد ترافق هذا "المشروع" في وقت مبكر من السبعينيات مع عملية تسويق لمفهوم "التطبيع" وهو مفهوم في القانون الدولي يعني "عودة العلاقات إلى طبيعتها بين الدول"..

إلا أن المسوّقين لهذا المشروع قفزوا فوق حقيقة تاريخية وهي أن دولة الكيان الصهيوني لم تكن موجودة قبل سبع وخمسين سنة من الآن حتى تدعى الدول المجاورة إلى إعادة العلاقة إلى "طبيعتها" معها.

ولم يقف الأمر عند هذا  الحد فقط، بل إنهم أعطوا للعلاقات "الطبيعية" هذه مفاعيل محددة تؤدي في النهاية إلى تكريس الهيمنة الكاملة "للدولة الصهيونية الجديدة" على مجمل دول المنطقة، وهي هيمنة لا علاقة لها –كما هو جلي- بالعلاقات الطبيعية ذاتها، بل إنها على العكس من ذلك تنال من حقوق طبيعية للدول ولمجتمعاتها وأفرادها، لإنها تفرض عليها شروطا على المستويات الاقتصادية والأمنية والسياسية والثقافية.. لاتوجد في أية علاقات "طبيعية" بل حتى "جيدة" بين الدول في العالم. فحسب "التطبيع" المشار إليه، على الفلسطينيين مثلا أن يلغوا ميثاقهم الذي اجتمعوا عليه لعشرات السنين، وناضلوا من أجل ثوابته على امتداد قرن كامل، دون أن يكلف هذا "التطبيع" نفسه عناء مطالبة دولة الكيان الصهيوني إجراء التغييرات الضرورية في قوانيها ومواثيقها وممارساتها.. لكي تلاقي الإلغاء الفلسطيني للميثاق في منتصف الطريق!!

 

ولعلها مفارقة ملفتة أن هذا الإلغاء للميثاق الوطني الفلسطيني، أو بتعبير مخفف "التعديل" قد تم ليس فقط في ظل مجازر وحصار تمويني وغذائي وحواجز وتضييق وملاحقات واعتقالات.. وإنما في ظل قوانين التمييز العنصري الفاضحة التي تميز "اليهودي" عن "غير اليهودي" داخل دولة الكيان الصهيوني ذاتها.

 

وفي ظل هذا التطبيع الذي جاء من فعل "طبع الدابة" أي روضها.. يصبح من واجب الدول العربية إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية كاملة مع دولة الكيان الصهيوني، في الوقت الذي يتحتم عليها فيه أن تعيد النظر بمناهجها التربوية، كما تعيد كتابة التاريخ نفسه لأجيالها الجديدة.

بل لقد وصل الأمر بأهل التطبيع إلى درجة المطالبة بحذف آيات من القرآن الكريم واردة في كتب مدرسية، لإنها تتحدث عن اليهود والصهاينة، وتتحدث عن "الجهاد" الذي أصبح معنى مرادفا "للإرهاب" ؟!

وإذن فإن إخضاع الثقافة لمنطق "التطبيع" بات أحد أبرز عناصر هذا المشروع، لأن الكيان الصهيوني يدرك أن العمق الثقافي والحضاري لأمتنا، المستند إلى مخزون روحي ضخم، وإلى رسالة إنسانية خالدة، يبقى العنصر الأقوى في المقاومة الذاتية لهذه الأمة على مر العصور، فالثروات قد تزدهر أو تتبدد، والمعادلات السياسية قد تتغير وتتبدل، وموازين القوى لا يمكن أن تبقى ثابتة في عالمنا المتغير.. وما يبقى هو الثقافة والحضارة. والفكرة الملهمة أو الديناميكية المجتمعية، فإذا زالت هذه زالت الأمة لأنها تكون قد فقدت عنصر وحدتها وتماسكها الأقوى

وفي هذا المجال يمكن الاستشهاد بمقطع صغير من المحاضرة التي ألقاها موشي دايان أمام طلاب مدرسة المظليين الصهاينة عام 1972 –وكان حينها وزيرا للحرب- .

 

قال دايان ما ملخصه :"لو أننا أقمنا دولتنا على شطر من أرض ألمانيا أو فرنسا أو إيطاليا.. لاعترف بنا الألمان والفرنسيون والإيطاليون، فلماذا لا يعترف بنا العرب؟

ويجيب:" إن المشكل يكمن في جذر الثقافة الإسلامية والعربية التي لم تفسح محلا لفلسفة الهزائم. إن التاريخ العربي المكتوب يركز على الانتصارات: "اليرموك، القادسية، حطين، عين جالوت.." ولكي يعترف بنا العرب فإن علينا أن نقطع صلتهم بجذورهم.."

 

وقد لاحظ قادة الكيان الصهيوني أن مقاومة الشعب المصري مثلا للتطبيع بدأت بالدفاع عن الثقافة أولا، لتنتقل إلى باقي مجالات الحياة، فكانت لجنة الدفاع عن الثقافة هي أول هيئات المجتمع المصري التي تصدت لمشروع التطبيع، ومن بعدها كان إغلاق كافة المنافذ أمام التغلغل الصهيوني، فيما حرصت الدولة نفسها على "السلام  البارد" –منطقة من أن معاهدات كامب ديفيد تفرض على مصر إقامة علاقات دبلوماسية مع هذا الكيان، ولكنها لا تفرض عليها طبيعة هذه العلاقات ونوعيتها ودرجة حراراتها.

 

ومن هنا فإن ما يسميه الكيان الصهيوني بـ "التطبيع الثقافي" بات هو الأهم صهيونيا والأكثر إلحاحا فعبره يمكن النفاذ إلى كل المجالات، وفي غيابه يمكن إعادة إنتاج المقاومة الذاتية للأمة.

وما يميز مشروع "التطبيع الثقافي" عن غيره من مشاريع التطبيع الاقتصادي والسياسي والأمني والمائي.. أنه لا يحمل –ظاهريا- مشروع إحلال هيمنة ثقافية صهيوينة على الحياة الثقافية العربية –كما هو الأمر في المشاريع الأخرى- بل هو يقوم على تدمير المقومات الذاتية لثقافة الأمة.

 

إن الحركة الصهيونية تدرك إستحالة تحقيق هيمنة ثقافية صهيونية على العرب والمسلمين لعراقة الهوية الثقافية والحضارية لأمتنا من جهة، وعدم وجود ثقافة صهيونية واحدة بالأساس، لأن الكيان الصهيوني محض تجمع أتى من كل أرجاء العالم وكل جماعة في هذا التجمع تحمل معها ثقافة البلد الذي جاءت منه "روسيا وبولونيا وألمانيا والمجر وتركيا والمغرب إلخ" وما تشهده الساحة "الثقافية" الصهيونية من صراعات حادة وعميقة بين إخلاط اليهود على أرض فلسطين "إبرزها الصراع بين اليهود الغربيين واليهود الشرقيين" هو أبرز مظاهر هذا التعدد.

 

ومع أن الوضع كذلك فإن العقل الصهيوني المخطط يطمع في أن تصبح جامعاته ومراكز أبحاثه.. هي عقل المنطقة بأسرها، وموجه الحياة فيها، أي أنه "مشروع تدمير وتفكيك ثقافي للمنطقة" بكل ما تحمله الكلمة من معاني التناثر والبعثرة والارتباك والضياع

تفكيك الأواصر وتدميرها على كل المستويات، بين الأقطار، وداخل كل قطر، وبين الأديان، وداخل كل دين، وبين المذاهب، وداخل المذهب ذاته، وبين الأقوام وداخل كل قبيلة وعشيرة.. وتفكيك التواصل بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال داخل الحاضر ذاته.

 

وبالتالي تجريد الأمة من ثقافتها لكي تصبح شبيهة بثقافة الكيان الصهيوني القائم في قلبها.. أي إن مفهوم "التطبيع الثقافي" مفهوم عدواني هجومي تفنيتي، يلقي الأضواء على الطبيعة العدوانية والهجومية والتقنية لكل جوانب عمليات "التطبيع" الأخرى، أي الجوانب الاقتصادية والسياسية والأمنية والمائية.

 

إن التطبيع السياسي مثلا هو المظلة التي يجري من خلالها الاختراق الصهيوني للنسيج الداخلي للمجتمعات العربية. والتطبيع الاقتصادي هو المدخل لتفكيك الحد الأدنى من الروابط والمصالح الاقتصادية المشتركة بين البلدان العربية، بل وداخل كل بلد، ليربط هذه الكيانات الممزقة بالمركز الصهيوني.

و"التطبيع الأمني" معناه فرض رقابة أمنية صهيونية على كل جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والنقابية والإعلامية داخل البلدان العربية إذ يسهل التذرع بالخطر الأمني لمنع إية حركة أو مؤتمر أو اجتماع أو مقال أو تظاهرة.. من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.

 

و"التطبيع المائي" معناه مشاركة صهيونية في كل ثروة مائية عربية إو إسلامية، بما في ذلك مياه اليرموك والعاصي والليطاني والنيل وتركيا إلخ، ولن يتحقق ذلك إلا عبر إثارة الحروب والنزاعات المائية بين بلدان المنطقة بأسرها.

وفي الحقيقة فإن هذا "التطبيع" أو "التطويع" قد بدأ منذ سنوات، تدل عليه هذه المكاتب التجارية والبعثات "الدبلوماسية"، وتبدل المفردات في الإذاعات ومحطات التلفزة وإجهزة الإعلام.

لقد شطبت كلمات لها مداليلها مثل "الكيان الصهيوني" و"دولة العدو" و"قوات الاحتلال" وحلت محلها كلمات أخرى "مطبعة".

 

وصار الشهيد "قتيلا" والاستشهادي "انتحاريا"، والعمليات الاستشهادية "عمليات انتحارية" والمقاومة "إرهابا"؟!

التطبيع الثقافي –بمعناه الواسع- حالة نعيشها منذ عقود، بل هي الحالة التي مهددت لكل مظاهر الانهيار والتردي التي نعيشها، وبات المطلوب "الخروج من حالة التطويع الثقافي" لا مجرد "منع حصوله".

بات المطلوب تأصيل ما كان مؤصلا، وتقعيد ما كان معقدا..

 

وفي هذا الجال يمكن الإفادة من تجربة أهلنا في الأراضي التي احتلت عام 1948 من فلسطيننا الذين، وعلى الرغم من كل محاولات التذويب والأسرلة والتهويد، حافظوا على جوهر ثقافتهم، وأداموا الجذوة متقده.

وفي هذا المجال أيضا، يمكن أن نسجل لحركة حماس العديد من الانجازات الكبيرة، في مقدمتها إنها أعادت للقضية الفلسطينية وجهها الإسلامي، في مواجهة اليهود الذين يحاربون باسم دينهم، وأعطت الفلسطينيين أكثر من مليار داعم ومساند بعد سنوات من القطيعة مع الأندونيسيين والباكستانيين والأتراك والإيرانيين إلخ وهكذا اتسعت جبهة المواجهة و أمتد العمق الاستراتيجي فلم يعد محصورا في الـ 27 ألف كيلو متر مربع، أو في هذه الأوصال المقطعة إلى كانتونات ومعازل في الضفة وقطاع غزة المحتلين.