الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أراء حرة

عودة

 

ماذا لو فازت "فتح" في الانتخابات؟

 

أحمد أبوزينة

 

لو فازت حركة فتح بأغلبية المقاعد في انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، أو لو فازت بعدد من المقاعد أكثر من أي كتلة أخرى دون حصولها على الأغلبية، ومن ثم شكلت الحكومة بالتحالف مع الكتل الأخرى الأصغر حجماً في المجلس التشريعي، فما هو السيناريو الذي كان لينتظر الشعب الفلسطيني على الصعد السياسية والأمنية والإدارية؟

يدفعنا إلى هذا التساؤل كثافة، وفي كثير من الأحيان غرابة، الضغوط التي تمارس على حركة حماس حتى تقوم بالثالوث السيئ، والمتمثل بالاعتراف بـ (إسرائيل)، والقبول باتفاقات التسوية، وإلقاء السلاح. وهي الضغوط التي تبدأ محلياً بمطالبات واشتراطات الرئيس أبو مازن وحركة فتح، وتمتد عربياً وإقليمياً لتشمل معظم الدول العربية، وتنتهي بالموقف الدولي الظالم والمنافق، والذي قلبته نتيجة الانتخابات على أعقابه، فبانت عوراته للعيان أكثر من أي وقت مضى، خاصة مع التهديدات ـ بل والخطوات ـ الدولية بقطع المعونات والمساعدات الدولية عن حكومة ترأسها حماس.

لو فازت حركة فتح في الانتخابات لأدّى ذلك إلى ترحيب أمريكي وأوروبي وإقليمي وعربي، ولداعا الجميع إلى اغتنام الفرصة التي أتاحتها نتيجة الانتخابات لاستئناف مسيرة التسوية. (إسرائيل) بدورها سترحب ـ على الأرجح ـ  بذلك الفوز، وستطلق العديد من العبارات المطّاطة التي تتحدث عن السلام وعن الدولة الفلسطينية دون أن تنسى اشتراط ذلك بوقف "الإرهاب وتفكيك منظماته".

أمّا على أرض الواقع، فالمؤكد أن المساعدات الدولية كانت ستستمر بالتدفق على الفلسطينيين، دون أن ينسى مانحوها ـ بدورهم ـ تذكير الفلسطينيين بواجباتهم حيال "عملية السلام" ووقف "العنف والإرهاب" والعودة للجلوس إلى مائدة التفاوض مع (الإسرائيليين)، مع أن هذا التفاوض لم يكن طيلة خمسة عشر عاماً إلا عملية عبثية، لم يجنِ الفلسطينيون ـ في واقع الأمر ـ من خلالها إلا استيطاناً مكثفاً، ومصادرات واسعة للأراضي، وتهويداً للقدس لا مثيل له، وقمع وتحكم (إسرائيليين) في منتهى الوحشية.

كذلك من المؤكد أيضاً أن فوز فتح  ـ لو حصل ـ لن يمنع حكومة الاحتلال من المضي قدماً في مخططها الرامي للانفصال من جانب واحد عن الفلسطينيين، على النحو الذي يوفر لها نهب وسرقة أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، بالترافق مع تهويد وعزل غير مسبوقين للقدس. ذلك أن الجميع يعلم أن هذا المخطط لم يكن ينتظر فوز حماس لينفذ على الأرض، فهو بدأ قبل ذلك بكثير عندما أماتت حكومة الاحتلال عملية التسوية وعزلت الرئيس الراحل عرفات في المقاطعة، الأمر الذي يؤكد، بما لا يدع مجالاً للشك، عبثية المشهد الذي تحاول حكومة الاحتلال تصويره للعالم، بأن فوز حماس قضى على آمال التسوية، وبالتالي فهي مضطرة للمضي في مخطط الانفصال وصولاً إلى ترسيم حدود الكيان (الإسرائيلي) بذريعة عدم وجود "شريك فلسطيني" بفوز حماس "الإرهابية"! ففوز فتح في الانتخابات لم يكن ليمنع (إسرائيل) من الاستمرار في ذلك المخطط الذي اتخذ بعداً استراتيجياً في السنوات الأخيرة، وبالتأكيد فإن (إسرائيل) لن تعدم خلق المبررات والذرائع في سبيل ذلك.

إذن القدر المتيقن فقط من فوز فتح، أنه كان سيؤدي إلى استمرار المساعدات والمعونات الدولية، دون أي إنجاز سياسي على الأرض، ودعك هنا من أي حديث عن الإصلاح الإداري والمالي والأمني، فكل الحديث والضجيج الذي أثير حول هذا الموضوع في السنوات الأخيرة لم ينتج عنه إلا تدهور وبؤس متزايدان على أرض الواقع.

ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني، بكل بساطة، أن قضية الشعب الفلسطيني تحولت من قضية شعب يقاوم ويكافح في سبيل استرداد أرضه وحقوقه، إلى عملية تسول لمساعدات ومعونات دولية، تقديمها مشروط بالاعتراف بدولة الاحتلال والامتناع الطوعي عن مقاومتها دون أي مقابل سوى تلك المعونات.  من يتحمل المسؤولية عن ذلك؟ هل حماس بفوزها الجارف في الانتخابات؟ أم من ساهم في تحويل القضية الفلسطينية إلى هذا الوضع المأساوي؟ بالتأكيد أن الإجابة لا تخفى على أحد، لكن المستهجن في الأمر أن المسؤولين عن هذا التمييع والمسخ لقضيتنا يُلحّون على حماس بأن ترتكب ـ عن سابق إصرار وترصد ـ كافة الأخطاء التي ارتكبوها بدءاً بالاعتراف بالدولة المحتلة المغتصبة لحقوقنا دون أي مقابل، مروراً بالقبول باتفاقات في غاية الإجحاف، وانتهاءً ـ عملياً على الأقل ـ بإلقاء السلاح. ما هو مبرر هذه المطالب؟ إنه ما يسميه هؤلاء الحفاظ على المكتسبات والمنجزات الوطنية، رغم أننا لا نرى في الأفق أية إنجازات أو مكتسبات تذكر، إلا إذا كانت المصالح الشخصية للبعض هي المكتسبات والمنجزات المقصودة، أو إذا كانت تلك المكتسبات هي تحويل الشعب الفلسطيني من شعب مقاوم حر إلى شعب متوسل يعيش على الصدقات، وينتظر الآلاف من أبنائه نهاية الشهر للحصول على ما يسدون به رمقهم!

إن أية محاولة لتحميل حماس مسؤولية توقف المساعدات هي هروب للأمام من قبل من حول القضية إلى عملية تسول، هذه الأطراف هي التي تتحمل مسؤولية أية أزمة مالية أو معيشية تحدث مستقبلاً، ولا يجوز أن تغيب هذه المسألة عن المشهد في ظل الحديث المكثف عمّا هو مطلوب من حماس لضمان تدفق المساعدات. والسؤال هنا هل يستحق استمرار تدفق هذه المساعدات الثمن الباهظ وغير العادل المطلوب من حماس؟ والجواب هو بالتأكيد لا، ومن الواضح أن حماس واعية جداً لهذا الأمر، وهو ما عبر عنه الأستاذ خالد مشعل بالقول أن دفع حماس لذلك الثمن دون مقابل هو انتحار سياسي، لا يمكن لها أن تقدم عليه.