الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات الاستاذ عزت الرشق

عودة

المقاومة والوحدة الوطنية

 في حوار حماس وفتح

بقلم: عزت الرشق

الحوار الذي جرى بين حركة حماس وحركة فتح في الفترة 10-12 /11/2002 في القاهرة ذات دلالات هامة للغاية على صعيد موضوعة المقاومة و الوحدة الوطنية .

فهذه المقاومة الفلسطينية الباسلة التي أوجدت بعض التوازن بين الشعب الفلسطيني وبين العدو الصهيوني، وأعادت الأمل للشعب الفلسطيني الذي يتعرض وبشكل يومي للقمع والتنكيل، وأوجدت ما يشبه حرب الاستنزاف لهذا العدو، وكبدته أضعاف ما خسره في كل حروبه السابقة مع الدول العربية، وجعلت شارون وحكومته وجيشه ومستوطنيه في وضع مأزوم، وأفقدتهم الأمن الذي هو عصب الحياة بالنسبة لكيان هش كالكيان الصهيوني،هذه المقاومة تطالب السلطة، كما طالب وفد الأخوة في حركة فتح  بوقفها جملة وتفصيلا، وليس وقف شكل معين من أشكال المقاومة ، كوقف العمليات الاستشهادية أو وقف إطلاق الهاونات أو وقف المقاومة في حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948كما  كانوا يطالبون سابقا.

ويبدو أن الأطراف المختلفة قد قرأت الوضع الفلسطيني على الأرض بأنه لا يمكن فرض أي مشروع على الشعب الفلسطيني  سواء خارطة الطرق أو غيرها من المشاريع إذا لم يتم التفاهم مع حركة حماس لما تمثله من وزن في الشارع الفلسطيني ولما يمثله برنامج المقاومة الذي تتبناه من عقبة يمكن أن تفشل أية مشاريع يرفضها الشعب الفلسطيني، خاصة في ظل   ضعف السلطة   إن بسبب ما تعرضت له أجهزتها وبنيتها التحتية من تدمير على يد العدو ، أو بسبب الخلافات الشديدة التي برزت على السطح بين أقطابها حول خلافة السيد عرفات والتعاطي مع المطلب الصهيوني والأمريكي بإيجاد قيادة بديلة

وقد أحيط هذا الحوار قبل أن يبدأ – وما زال - بسحابة كثيفة من التصريحات والتسريبات الإعلامية لرموز في السلطة بأن هذا الحوار جاء للتفاوض مع حماس على وقف المقاومة، كما نشطت وسائل الإعلام العبرية في هذا المجال أيضا، وسربت أخبارا كثيرا ومعلومات ملفقة بأن من نتائج الحوار الاتفاق على وقف المقاومة لمدة محددة لإعطاء الفرصة لإعادة المفاوضات بين الطرفين.

السلطة كان موقفها واضح بالمطالبة بوقف المقاومة سواء في ال48 أو في ال67،  فهي تبنت نهج التفاوض وما زالت مصرة عليه رغم كل ما أصابها ورغم كل ما جلبه هذا النهج من دمار على شعبنا وقضيتنا، ورغم هذا الصلف الشاروني والعدوان الهمجي المستمر على شعبنا، رغم كل ذلك فالسلطة لا ترى أفقا تسير به أو أملا يعيد لها دورها إلا بعودة التفاوض ، وبقبول أي مشروع يعرض على الشعب الفلسطيني مهما كان مجحفا، فهي ترى أن شارون يريد شطبها ، والإدارة الأمريكية تتبنى مواقفه وليس واردا لديها فكرة الضغط عليه ، لذا فالسلطة تريد جلب حماس لهذا المربع  ووقف المقاومة لإثبات أنها تستطيع أن تحقق الأمن للكيان الصهيوني، وهي الآن تلجأ لأسلوب التفاوض مع حركة حماس- لعل وعسى - بعد أن فشلت سابقا في  فرض وقف المقاومة بالقوة.

حركة حماس أكدت موقفها قبل وخلال الاجتماع برفض وضع عناوين منحازة على جدول الأعمال  كبند وقف العمليات الاستشهادية أو المقاومة ، وأصرت على أن يحمل جدول الأعمال عناوين محايدة، ويمكن لكل طرف تحتها أن يعبر عن رؤيته أو يطرح مطالبه، وهو ما حصل فعلا..حيث اقتصر جدول الأعمال على الرؤية السياسية  وتقدير الموقف السياسي كما يقرأه كل طرف ، والعلاقة الثنائية.

فحركة حماس كانت ذاهبة للحوار وهي تحمل الهم الوطني العام والرغبة في مناقشة مجمل الوضع الفلسطيني وكيفية تعزيز صموده وتحصين مقاومته وتفعيلها في وجه الصلف الصهيوني، والحرص على إقفال ملف الخلاف في غزة، وليس واردا لديها أن تجعل قضية المقاومة محل تفاوض أو مساومة.

  موقف حماس واضح ولا لبس فيه لجهة اعتبار المقاومة حقا مشروعا للشعب  الفلسطيني وهي مكسب لا يجوز التفريط به، وأنها السبيل الوحيد القادر على انتزاع حقوق شعبنا ودحر العدو الصهيوني، تماما كما اندحر الاحتلال في جنوب لبنان تحت وقع ضربات المقاومة اللبنانية الباسلة. وحماس تشعر بكثير من الاطمئنان على سلامة برنامج المقاومة الذي أثبت جدواه وجدارته في مواجهة العدوان الصهيوني،مقابل فشل برنامج التسوية بكل صوره واشكاله، وما قلناه منذ الأيام الأولى لأوسلو من أنه مشروع يحمل بذور فشله ولا يمكن أن يصمد،أدركته السلطة ورموزها أخيرا ، وهو الأمر الذي هيأ لدخول الأخوة في كتائب شهداء الأقصى على خط المقاومة حيث أبلو بلاءً  حسنا مع إخوانهم في كتائب القسام وسرايا القدس كتائب أبو علي مصطفى وغيرهم.. وهو ما يكتب انتصارا لنهج المقاومة الذي التف حوله شعبنا الفلسطيني بكل اتجاهاته وقواه.. وتعتبر حماس أن هذه الحالة تستدعي تعزيز المقاومة وتنسيق جهودها وتحصينها كأداة واحدة ووحيدة في مواجهة العدوان والدفاع عن الشعب الفلسطيني الأعزل، وليس ورادا التفريط بها أو التفاوض عليها.  وقد عكس البيان الختامي تمسك كل طرف بموقفه تجاه هذا الموضوع، بالإشارة إلى( المقاومة والنضال السياسي) وهي عبارة توفيقية ترضي الطرفين ويفسرها كل طرف بما لا يخالف برنامجه.

لكن عدم الاتفاق بين الطرفين على موضوع المقاومة وتمسك حماس بمواصلتها ، لا يعني أن الحوار لم يتوصل إلى نتائج هامة على صعيد الشعب الفلسطيني وعلى صعيد العلاقة الثنائية بين الحركتين ، فما تم التوصل له من تشكيل لجنة عليا  دائمة للحوار بين الطرفين يعتبر مكسبا   لصالح الشعب الفلسطيني الذي يرى في وجود لغة حوار بين الحركتين ضمانة لحماية الساحة الفلسطينية  في مواجهة العدوان ونزع فتيل أية خلافات أو أزمات طارئة قد تحدث في الميدان وتعرض الوحدة الوطنية للخطر، وتشغل الشعب الفلسطيني بنفسه  وتشوش على المقاومة . 

كما أن نجاح الطرفين في التوصل لحل ملف اغتيال أبو لحية، يعد في غاية الأهمية ، بل أن ذلك كان من أهداف الحوار وأحد أهم الدوافع  التي عجلت به ،حيث جاء مباشرة بعد أحداث مؤسفة شهدها قطاع غزة بين  السلطة الفلسطينية وحركة حماس إثر اغتيال الضابط أبو لحية ، بعد أن حاول مسؤولون أمنيون في السلطة على رأسهم محمد دحلان استغلال هذا الحادث وتضخيمه لخدمة مصالح وأهداف معروفة بإقحام كلا من  حركة حماس وحركة فتح بالمشكلة، إقحام حماس باتهامها أنها وراء عملية الاغتيال والمسؤولة عنها ومطالبتها بتسليم عماد عقل رغم تأكيدها أن لا علاقة لها بالأمر، وإقحام فتح في محاولة للاستقواء بها أمام حركة حماس بسبب ضعف السلطة وتضعضع أجهزتها الأمنية، فالحدث كان فتنة حقيقية كادت تعصف بقطاع غزة  هذا القطاع الصامد الذي استعصى على الاحتلال الصهيوني، الذي يحسب ألف حساب قبل اقتحامه، بدأ ينشغل بفتنة داخلية يتم دفع أكبر حركتين فلسطينيتين فيها، الأمر الذي كان ينذر بمخاطر كبيرة أهمها انشغال الناس بهذه الفتنة عن العدو الحقيقي الذي كان يفرك يديه فرحا، لأن ما يحدث يسهل مهمته في اقتحام غزة فالحصون – كما يقولون – لا تسقط إلا من داخلها، وليس غريبا أنه خلال أيام الفتنة خفف العدو من عملياته داخل القطاع لإتاحة الفرصة وتهيئة الساحة تماما أمام الصدام والاقتتال الداخلي حتى يأخذ مداه، وحتى لا يدفع أي عدوان بالطرفين للتهدئة أو تناسي الخلافات الداخلية أمام الخطر الأعظم.

هذه هي الأجواء والظروف المحلية التي جاء فيها الحوار الذي اعتبرته حركة حماس مهما وضروريا ويأتي في وقته لنزع فتيل الفتنة وشبح الاقتتال الداخلي، ولحقن الدماء والتفرغ لمواجهة العدوان الصهيوني المستمر.