الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

انماط من ذهنية الهزيمة

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

يلمس المراقب العادي البون الشاسع بين توجهات الطبقة السياسية والمزاج الشعبي العام سواء في الساحة المحلية الفلسطينية أو في الساحتين العربية والإسلامية . مما يعني سيادة التناقض بين تطلعات الجماهير وتوجهات القرار السياسي الرسمي .

في أوائل حزيران الماضي أصدر معهد القدس للإعلام بإدارة غسان الخطيب وزير العمل الفلسطيني الجديد استطلاعاً للرأي يفيد أن 80% من الشعب الفلسطيني يؤيدون استمرار الانتفاضة وأكثر من 70% يرون أن العمليات المسلحة هي الرد المناسب على أفعال سلطات الاحتلال و68% أيدوا العمليات الاستشهادية .  وهي أرقام تحمل مؤشراً يعني ببساطة متناهية أن الشعب الفلسطيني ملتف بغالبيته حول برنامج المقاومة لاعتبارات سيكلوجية وسياسية ووطنية .

لكن قيادة السلطة تتناقض مع هذا التوجه بشكل حاد ، وأحد مؤشرات هذا التناقض ما يقوله وزير الداخلية الفلسطيني الجديد بصراحة لا يحسد عليها.. إذ يقول ( إن العمليات "الانتحارية" لا تحقق أي مكاسب للشعب الفلسطيني .. وما يسمى بتوازن الرعب كلام مخادع وتسمية لا مضمون لها على أرض الواقع .. ويضيف : .. أنا لا أقبل أن يلوث اسم الشعب الفلسطيني بصفة الإرهاب .. ويشير إلى : .. أهمية الانتهاء من صيغة المليشيات العسكرية في المجتمع الفلسطيني والتحول إلى العمل السياسي .. ويضيف .. يجب على كل القوى السياسية والفصائل المختلفة أن تتحول إلى العمل السياسي مع السلطة الفلسطينية بغض النظر عما كانت مؤيدة أو معارضة للسلطة … ويضيف أيضاً ... هناك استراتيجية السلام نحن ملتزمون بها والسلطة الفلسطينية أعلنت هذه الاستراتيجية مرات وهي ملتزمة بها رغم كل ما يجري من نشاط عسكري "إسرائيلي" .. ما دام الأمر كذلك فلا بد أن تهيمن هذه الاستراتيجية على النشاط السياسي والنشاط العام لهذه المنظمات أو الأحزاب والقوى السياسية ) .

عندما يقرأ المرء كلمات اليحيى وتختزن ذاكرته في نفس الوقت أرقام استطلاع معهد القدس يحق له أن يتساءل :

-  هل حقاً أن اليحيى يمثل الشعب الفلسطيني وملتصق بمزاجه العام أم أنه وزير فضائي هبط من كوكب آخر .. أم أن البرمجة الأمريكية ولّفت ذهنية الهزيمة لديه بحيث بات لا يفقه لغة التحدي في الشارع الفلسطيني

-  لماذا هذه الأبوية .. بل قل .. لماذا هذه الدكتاتورية في الطرح وبصيغة (يجب) القهرية على طريقة وزارات الداخلية المعتادة ؟

-  ولماذا الإصرار على استراتيجية السلام طالما الشعب مصمم على استراتيجية المقاومة ؟

-  وأخيراً أليس من حق المقاومة أن تأخذ فرصتها الزمنية مثلما أخذت توليفة أوسلو فرصتها التي امتدت قرابة العقد من السنوات ؟

وتأتي الإجابة جاهزة وسريعة ولكن من الطرف الآخر الذي يخضع له اليحيى .. إذ يقول الكاتب الصحفي الصهيوني داني روبنشتاين في هآرتس (تدل التقارير على الاغتراب القائم بين معظم الجمهور الفلسطيني والمؤيد لعمليات "الانتحاريين" وبين أعضاء قيادة السلطة الفلسطينية ) . 

والحقيقة الأخرى المنعزل عنها اليحيى وفريقه هي أن المجتمع الصهيوني نفسه يميل بحدة نحو التطرف اليميني وتشير تقديرات المصادر العبرية أنه لو نظمت انتخابات جديدة في الظروف الراهنة فسيحصل اللكيود على قرابة الـ 40 مقعداً ولن يتمكن حزب العمل من الحصول على أكثر من 15 مقعداً ، وبالتالي فخيار التسوية ومقولة التعايش السلمي يقف في وجهها جدار سميك من الكراهية ومن الصعوبة البالغة تجاوزه وهذا باعتراف حتى ما يسمونهم بمعسكر السلام في الوسط الصهيوني .

على صعيد إقليمي بدأت بعض الأقلام - التي انكفأت أثناء شهور الانتفاضة الماضية – تسوّد أوراق الصحف العربية بمقالات تلوم وتجلد الضحية (الفلسطينيين) وتتحدث بإسهاب عن أخطاء هذه الضحية بينما لا تكتب حرفاً في مواجهة الجلاد الصهيوني . وكتّاب هذا الخطاب الإعلامي المهزوم مبدعون في تشخيص حالة الهزيمة وتوصيف دقائقها ومتفوقون في إنتاج صيغ التكيّف المذلة مع الواقع المتردي وتبرير الخضوع لسقفه الواطئ . وهم صوت ثقافي مدجن يرفض أن يلتقط أي مؤشر من مؤشرات النصر التي أفرزتها المقاومة الحالية بحجة الموضوعية مع أن وظيفتهم الأساسية هي التقاط هذه المؤشرات و مراكمتها وتكثيفها إعلامياً لإنعاش روح الأمة في هذه اللحظة التاريخية الطارئة، بل على العكس يتجه هذا الطابور للتقنين لحالة الهزيمة ويبدع في إنتاج صيغ التعايش معها لتكريسها وهم على فئتين :

  • (الواقعيون) : و أصحاب هذا التيار من المنهزمين التقليديين الخاضعين للنزعة الاستهلاكية ومفاهيم الإنتاج المزدحمة أجندتهم بالأرقام الإحصائية والمصالح ولا يفقهون مفردات مثل : كرامة الأمة وهويتها واستقلالها ، وخطابهم يتركز لتبرير الخضوع لحالة الهزيمة على مقولات مكررة كاختلال ميزان القوى وثقل الهيمنة الأمريكية ونحوها

  • دعاة التناغم مع الإطار المعرفي المعاصر التي تطرحه ثقافة العولمة المتناقضة أصلاً مع مفهوم المقاومة والجهاد

  • والفئة الأخيرة أكثر خطراً وابتعاداً عن المزاج الشعبي العام بل وعن هوية الأمة بسبب تماديها وإيغالها في ثقافة التغريب لدرجة اضطراب مكونات الهوية الأساسية وتشوش موجه البوصلة لديها.

والأنماط الآنفة من ذهنية الهزيمة في الوسطين السياسي والثقافي تحتاج الأمة حيالهما وبوجه خاص القائمين على برنامج المقاومة أن يبدعوا الآليات الكفيلة بتحجيم دورها وتحييدها لاقترابها من قاعدة القرار وقدرتها على التلاعب بالقرار السياسي على وجه الخصوص وصياغة مستقبل الأمة وفق أجندتها .

وفي هذا الإطار على المعنييين بمستقبل الأمة أن :

  • ينتجوا قاعدة تلاحم بين كافة أطياف وتيارات المقاومة المختلفة والعمل على إنتاج ثقافة مقاومة متماسكة وإبداع برامج شعبية فاعلة لنشرها جماهيرياً وتكريسها

  • تفعيل المرجعيات الدينية لإنتاج خطاب ديني معاصر متوافق مع أطروحات النخب الثقافية الجادة والمتوافقة مع المقاومة ليتعاضد المقدس مع الثقافي في مواجهة القوى الداعية لخضوع الأمة