الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

المشروع الصهيوني في خطر

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

  

عبارة تبدو ساذجة في مناخ الهيمنة الأمريكية السائدة والعصر اليهودي المزدهر كما يظهر من القراءة السريعة للمشهد الإقليمي وحتى الدولي الذي يحرم حتى المس اللفظي بالذات اليهودية "المقدسة"  . لكن العبارة ليست من صناعتي بل هي من نحت نائب سابق لرئيس الشاباك الصهيوني وقد قالها في إذاعة الجيش "جالي تساهال" إذ قال يسرائيل حسون : ( يمكننا أن نجد أنفسنا في وضع يفتقد إلى الحل ويمكنه أن يشكل خطراً على المشروع الصهيوني) . وفي نظره أن المعالجة الأمنية منذ 30 عاماً ما هي إلا ممارسة للعبة "ورقة التوت" ، ويعترف أن سياسة الحصار والاغتيالات والقتل والتدمير والعقاب الجماعي لم تنجح في إخماد المقاومة الفلسطينية ، ويرى بأن الشاباك نجح في "محاربة الإرهاب" على الصعيد التكتيكي ولكن المعادلة القائمة فشلت في إخماد محفزات المقاومة بل وربما عززتها. 

 

التخبط الصهيوني في مواجهة المقاومة وصل لرأس الهرم وبلغ النواة الصلبة في الدائرة المتطرفة التي تتشدد في انتهاج أساليب قاسية لكسر شوكة المقاومة . موشي يعلون رئيس الاركان وهو أحد صقور المؤسسة الأمنية الصهيونية ينتقد سياسة شارون التي تعتمد بشكل مفرط على مبدأ الإغلاق والحصار تجاه التجمعات الفلسطينية التي تستهدف تعظيم ثمن المقاومة لدى الطرف الفلسطيني بغية كسر إرادتة ، واعترف يعلون أن هذه السياسة ستزيد من المقاومة باعتبارها محفزاً لشهوة الإنتقام ، لأن "إسرائيل" لم تنجح في شراء "أفئدة وعقول" الفلسطينيين ولم تقنعهم بعدم جدوى المقاومة بل على العكس من ذلك تماما، ويقرر بأنها أيضاً منيت بهزيمة نكراء في مجال "لسع الوعي" الفلسطيني . وسواء أعترف يعلون أم لم يعترف فهذه هي الحقيقة لأن ما يجري في الميدان الفلسطيني من ممارسات صهيونية بشعة ضد الشعب الفلسطيني ما هي إلا وقود يحترق و يعمل على تسخين مرجل الانفجار . وهو السيناريو المفزع الذي تخشاه كافة الدوائر الصهيونية ، بل إن الأجهزة الأمنية وضعت عدة سيناريوهات دفاعية لمواجهته .

 

ومما يزيد في حجم الحراك السياسي الذي ستنتجه تصريحات يعلون أنها حظيت بتأييد مفاجىء من قبل وزير الخارجية سليفان شالوم وكذلك القائم بأعمال رئيس الوزراء ووزير التجارة أيهود اولمرت أحد أعمدة الليكود وقد وصف اولمرت يعلون بأنه "شخص مسؤول جداً جداً جداً ومتزن جدا" .

 

وكذلك تنبع أهميتها نظراً لأن لها صدى داخل مؤسسة الجيش إذ أن كبار الضباط وفي جلسة تقدير موقف في مكتب رئيس الأركان يعلون سبقت تصريحاته شددوا على ضرورة منح تسهيلات للفلسطينيين تحسباً من "أن ينفجر برميل البارود في وجوهنا" .

 

تصريحات يعلون المفاجئة أثارت غضب شارون باعتبارها تعبير ورسالة توحي باهتزاز القاعدة التي تقف عليها حكومتة نظراً لأن يعلون وموفاز وشارون هم الآباء الروحيين للسياسة الأمنية المطبقة راهنا .  وبالتالي فأقوال يعلون شهادة من عقر بيت الحكومة على فشل هذه السياسة . وقد لاقى يعلون توبيخاً جراء ذلك واستدعاه موفاز وزير الحرب على خلفية هذه التصريحات .

 

حيمي شليف المحلل السياسي الصهيوني وخبير الاستطلاعات يؤكد هذه الرؤيا بمقال له في صحيفة يديعوت أحرونوت ويصف تصريحات يعلون بأنها مؤشر على فشل استراتيجية الحكومة ودلالة على بداية التصدع في قاعدة القيادة الحالية بعد اليأس من إمكانية إحراز النصر في الحرب ضد الفلسطينيين .

 

جبهة أخرى تهدد حكومة شارون وهي من صناعة المقاومة الفلسطينية يمثلها التراجع الحاد في الاقتصاد الصهيوني إذ يشير تقرير نشرته يديعوت أحرونوت تحت عنوان "أكثر فقراً وفقراء أكثر" إلا أن عدد الأشخاص الذين نزلوا تحت خط الفقر وصل هذا العام إلى  1.300.000 شخصاً نصفهم من الأطفال بارتفاع بنحو 20% عن العام الماضي . وحسب الدكتور اسحق كدمان مدير المجلس الوطني لسلامة الطفل فإن (دولة "إسرائيل" تغدو دولة عالم ثالث بالنسبة لأطفالها ... وهي دولة بسياستها الاقتصادية الفاشلة اللاجتماعية تحطم لأطفالها الحاضر وتصفي لهم وللمجتمع بأسرة المستقبل والأمل) . وفي الإطار ذاته يؤكد وزير الرفاه الاجتماعي الصهيوني زبولون أورليف قائلاً " إن الوضع خطير وهو سيؤدي إلى انفجار اجتماعي ، والشرخ يعرض المجتمع الإسرائيلي للخطر". وعلى إثر التقرير المذكور أعلنت كل من كتلة ميرتس وشاس أنهما ستتقدمان بمشروعٍ لحجب الثقة عن الحكومة وقال رئيس كتلة شاس إيلي يشاي أنه " لا يعقل أن يجوع أطفال "إسرائيل" وتواصل حكومة ملبدة الحس وجودها" .

 

هآرتس في افتتاحية عددها الصادر في 31/10/2003م تحت عنوان "مايقوله رئيس الأركان" تشير إلى أن القادة يبلغون عن تزايد في التململ داخل أوساط الجيش جراء الإخفاقات العسكرية المبدانية المتكررة وآخرها في عين يبرود ونتساريم ، وخلصت بضرورة فتح أفق سياسي بسبب فشل المعالجة الأمنية القائمة وأيدت تحذيرات يعلون . وهذه دعوة صريحة ومخالفة لاستراتيجية الحكومة الليكودية التي تصر على أنه لا ثمن سياسي للإرهاب بمعنى لا مفاوضات تحت ضغط المقاومة وقبل تفكيكها .

 

مشهد مبارزة العض على الأصابع بين طرفي الصراع تشير إلى أن الوجع الصهيوني يتصاعد بوتيرة عالية لدرجة وصلت تأثيراته حد اقتحام ذهنية صقور الليكود والمؤسسة العسكرية عرين التطرف والقسوة . وترجمة لهذا الوجع في سياقه السياسي تذكر بعض المصادر العبرية أن موفاز يجري اتصالات مع قيادات السلطة بمستوى منخفض بناء على طلب قريع خوفاً من اهتزاز مكانته راهناً لاستكشاف مخرج لهذا المأزق ، ويلمح بعضها إلى أن تحرك موفاز رد سياسي سريع على انتقادات يعلون .

 

كل المؤشرات تؤكد أن شارون مأزوم وبدأت شقوق التصدع في قاعدة حكومته تتسع شيئاً فشيئاً ، بل إن استطلاعات الرأي تشير لتراجع حاد في شعبيته ، وكعادة شارون يفضل طوق النجاة بأسلوب الهرب إلى الأمام ، وبين يديه خيارين ، إما زوبعة عسكرية على الحدود الشمالية، أو ركوب قارب وزارة قريع المتوقعة والتعاطي مع الخيار السياسي ولكن بمنطقه الخاص .الحراك السياسي لبعض الرموز الفلسطينية في واشنطن وموسكو وغيرهما واهتمام بعض العواصم الإقليمية بهذا الحراك على رأسها القاهرة ربما يرجح الخيار الثاني .

فهل قريع يقدم لشارون طوق النجاة ؟