الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

 (وقفات مع الحدث)

 

سقوط بغداد وذهنية الانتظار

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

لماذا سقطت بغداد ؟

 

سؤال كبير ربما استنفد آلاف الصفحات وجالونات من الحبر الحائر للإجابة عليه باعتباره اللغز المحير الذي تستتر في مضامين إجاباته مسببات سقوط هذه العاصمة الشامخة وما يستتبع ذلك من تداعيات تتهدد المنطقة بأسرها  .

 

الصمود العراقي المفاجئ في بداية العدوان الأمريكي رفع منسوب التوقعات إلى درجات مرتفعة ، وتعضد ذلك بإنجازات حقيقة على الميدان سجلتها الآلة الإعلامية العربية كإنجاز لها أولاً لكونها فضحت أكاذيب الآلة الإعلامية الأمريكية في المرحلة الأولى . ومن جهة ثانية رسمت هذه الآلة صورة الانتصارات التكتيكية العراقية للمشاهد العربي بزخم غير مسبوق أدى في محصلته إلى تعزيز الثقة بالشخصية العربية مما حدا بأحد كتاب الأعمدة اليومية في صحيفة عربية لتدبيج مقاله اليومي بعنوان (سجل أنا عربي كامل الدسم) . وكل ذلك لأن الأمة تشتاق لنسائم الكرامة ولأنها لم تذق طعم الانتصار منذ أمدٍ بعيد ، سوى بعض محطات الأمل التي أنتجها الجهاد الفلسطيني في الأرض المباركة وفي غيرها من الساحات الجهادية المشتعلة على امتداد جغرافية الوطن الإسلامي الكبير . . ولكن فجأة سقطت بغداد ..!!

 

من المسئول عن سقوط العاصمة العباسية .. ؟

 

جواباً على السؤال الكبير المطروح ، أقول وبتلقائية مباشرة : بغداد لم تسقط بالبارود الأمريكي !! أبدأًً .. إنما سقطت بسبب الخذلان العربي والإسلامي ، وفي هذا السياق لا أتحدث عن السبب المباشر المتعلق بالظروف الفنية في الميدان ، لأنها أجزاء تفصيلية من مظاهر الحدث . وبكلمات أخرى .. كلنا شارك في سقوط عاصمة الرشيد.

 

وفي مجال التفصيل اختلفت درجات المشاركة  من كافة القوى المختلفة على اتساع جغرافية العالمين العربي والإسلامي :

 

-القوى الرسمية : ومعظم القوى الإقليمية الفاعلة كانت مشاركة وداعمة للعدوان الأمريكي بالباطن رغم تشدقها بخطاب شعبوي لغرض التخدير فقط . وبعضها الآخر شارك في السر والعلن دون خجل ، وآخرون لم يكونوا سوى مجرد ظاهرة صوتية لا أكثر .

 

-مستوى النخب المختلفة : شرائح من هذا المستوى تحركت بأقصى إمكانياتها ولكن في إطار محدود وفق خطاب عاطفي مؤقت يفتقر للبرامج ، سرعان ما تلاشى فعلها أثناء الحرب أو بعدها . والشريحة الأكثر اتساعاً ظلت شبه صامتة أو صامتة بالكلية تعيش حالة الانتظار القاتل .. تلك الحالة المزمنة التي تتعايش معها هذه الشرائح منذ قرن من الزمان .

 

-المستوى الشعبي : وهؤلاء هم المجني عليهم بسبب تآمر المستوى الرسمي وتخاذل بعض النخب وتواطؤ بعضها الآخر .. لكنهم رغم القيادة الغائبة تحركوا مندفعين إلى الشوارع في العواصم العربية والإسلامية وقالوا كلمة الرفض وكانت مسيراتهم تمرداً على الواقع البائس . ورغم ذلك فهم مشاركون في سقوط بغداد لأنهم لم يحاسبوا .. النخب الصامتة وكذلك رؤوس الهرم المتآمرة . أما أنماط المحاسبة فقد مارستها شعوب كثيرة ونجحت في تجربتها.. فهل تجرب شعوبنا؟

 

ذهنية الانتظار ... !!

 

 ظلت السماء العراقية تمطر باروداً أمريكياً طوال عشرين يوماً .. ونحن في مدائن العروبة والإسلام نطلب منها أن تصمد دون أن نقدم لها شيئا سوى الدعاء . كانت الجماهير تعيش حالة انتظار قاتلة .. تنتظر الغيب أن يولد لنا  .. انتصاراً .. هكذا بالمجان . و الأدهى أن البعض بدأ يتعاطى مع التفكير الأسطوري وتخدّر ببعض النبوءات محاولاً إسقاطها على الواقع المعاش لكي يمني نفسه بالنهاية السعيدة التي تبشر بها تلك النبوءات . وتناسوا أن الفهم الصحيح للنبوءة هو أننا لا نقر بها وبصحتها إلا بعد حدوثها ، ومن الخطأ والخطيئة معاً أن نحاول رجم الغيب لتكييف الواقع مع معطيات النبوءة لإجبار العقل على تصديقها . وهي على كل حال وفق الفهم الشرعي الصحيح ما هي إلا بشارة لإيناس النفوس الفاعلة والعقول الآخذة بمنظومة السببية اللازمة لإنتاج الفعل الراشد المؤدي لإنجاز الهدف .. ومن صوره الانتصار .

 

أميركا العدو الأول :

 

أميركا الآن غير أميركا قبل 11 سبتمبر .. !! هذه المعادلة ينبغي أن تفهم جيداً . وذلك لأن أميركا تعمل الآن في المنطقة بيدها دون وسطاء وتفعل ما تشاء لتحقيق أجندتها العشرية – خلال العشرة سنوات المقبلة – التي تستهدف :

 

-   تجفيف المنابع المالية (للإرهاب) وترجمتها خنق ومحاصرة الساحات الجهادية وعلى رأسها الساحة الفلسطينية

 

-   محاربة المناهل الفكرية (للإرهاب) ومعناه محاربة العمل الدعوي والخيري الداعم للتعليم الديني الصحيح بما في ذلك مراكز تحفيظ القرآن الكريم

 

تسويق قيم حضارية ونظم سياسية واقتصادية ومناهج تعليمية جديدة وفق الذائقة الغربية بقصد أمركة قيم المنطقة تحت شعار تنمية روح الحرية والديمقراطية في المجتمعات الإسلامية

 

وفي مواجهة هذه الأجندة الأمريكية ينبغي أولا أن نحرر وصفاً واضحاً لمكانة أميركا في الذهنية العربية والإسلامية للخروج من دائرة الالتباس .. ويجب أن يطلق العنان للسؤال الجريء من قبل كافة أطياف النخب على المستويين الديني والثقافي : هل من الجائز شرعياً وسياسياً أن توصف أميركا في الوقت الراهن في خطابنا الديني والسياسي والثقافي على أنها دولة صديقة ؟  ينبغي أن نصل إلى إجابات واضحة حول هذا التساؤل، وعلى ضوئها نعمل على إنتاج خطاب عام متجانس تجاه أميركا بعيداً عن الالتباس .

 

ولا أظن أن أجندة أميركا بمفرداتها المذكورة تؤهلها لأن تكون دولة صديقة ، بل على العكس من ذلك فإنها تؤكد أنها العدو الأول للأمة الذي ينبغي أن يوضع في دائرة الاستهداف على كافة الأصعدة.وهكذا يتوجب أن تركز صورتها في الذهنية العربية والإسلامية .

 

شرفة أمل : المستقبل لهذه الأمة وفق حقائق التاريخ

صورة الجنرال فرانكس في القصر الجمهوري في بغداد وهو يتصل بالرئيس الأميركي بوش التي تتضمن إيحاءات بطر النصر وغرور القوة  .. وهي الصورة التي كررت عرضها شبكات التلفزة العربية بكل بلاهة ولمرات عديدة حملت رسائل ومضامين متعددة ربما من أهمها تكريس حالة الإحباط بعد سقوط بغداد وبث روح الهزيمة لإيقاع الشخصية والنفسية العربية والإسلامية في حالة الانكسار من أجل اغتيال مكامن الرغبة بمقاومة الاحتلال الكولونيالي الأمريكي الجديد للمنطقة .

 

لكن الرسالة لن تصل بهذا المضمون وحتى إن وصلت فإن مفاعيلها ستكون مؤقتة ، فسرعان ما تنتفض الأمة من كبوتها لتقاوم لأنها لم ترضخ لهيمنة الغرباء الغزاة على مدار تاريخها .

 

ومن خلال تناول المشهد العام الحالي للعالمين العربي والإسلامي لتفكيك تفصيلاته لتوصيف الحالة وفهمها ربما لن تسعف الباحث عن المستقبل برؤية تفاؤلية أدوات التحليل السياسي التقليدية ، لأن عناصرها أسيرة المناخ السائد وبالتالي ستخرج نتيجة التحليل قاتمة . لكن أدوات التفسير التاريخي عبر دراسة استقرائية لتاريخ الأمة تثبت أن شخصية الأمة تتصف :

 

·   بديمومة البقاء حتى انتهاء الجنس البشري وبأنها عصية على الموت لأنها الأمة المستخلفة حتى قيام الساعة .والمتتبع للخط البياني لحركة تاريخها يلاحظ حالات الهبوط وكذلك حالات الارتفاع النشطة على مدار عمرها التاريخي. واللافت أن حالات الانكفاء محدودة لمدى الزمني يرافقها سرعة في حركة النهوض من الكبوات ، وذلك بسبب حيوية الهوية التي تحملها وفي جوهرها الدين الرباني الحق . وبطبيعة الحال فإن هذا الاستخلاص ناتج عن مقياس الإيقاع الزمني المتعلق بالتفسير التاريخي ونَفَسِه الخاص .

 

·    الشخصية الإسلامية تمتاز بعنفوان واستقلال بارزين وهي غير قابلة للانضغاط لدرجة الذوبان . وربما تستجيب لحالات من الانكفاء المؤقت إلا أن جهوزية المقاومة الكامنة أصيلة في تكوينها النفسي بسبب قيم الهوية التي تستفز هذه الجهوزية (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)

 

وخلاصة القول فإن مهمة أميركا بالمنطقة صعبة وأهدافها مستحيلة التحقق على المدى البعيد لأن الإطار الجغرافي الذي تتمدد عليه هذه الكتلة البشرية لطالما طُرد منه موجات وموجات من الغزاة . . وليست القوة هي الأداة المؤهلة لإخضاع الأمم ذات الهوية القوية .

 

وختاماً فالمسألة الجديرة بالفهم من قبل أميركا وينبغي لها أن تدركها جيداً .. هي أن القوة ليست الأداة الصالحة والمناسبة للسيطرة والهيمنة على مقدرات هذه الأمة ، بل على العكس فهي الحافز والمخصّب لمناخ استنهاض مكامن قوتها .