|
( إن أقوى الجيوش
وأفضلها تدريباً وعتاداً ، تعجز عن قهر شعب يحارب فوق أراضيه)
نابليون
الأوساط الغربية
وعلى وجه الخصوص الأميركية تنظر للحالة الراهنة بالمنطقة العربية على أن
الفضاء يعيش حالة فراغ أمني وسياسي . وهي لحظة سانحة في نظرهم لا بد من
اقتناصها لاستثمار هذا الفراغ لإعادة هيكلة المنطقة وفق خارطة مصالح
المثلث الاستعماري بثوبه الجديد : الأنجلو أمريكي – صهيوني . وقد سرع في
هذا الاتجاه توحد الأجندة الأمريكية الصهيونية بشكل لم يسبق له مثيل في
العلاقات الأميريكة الصهيونية وبخاصة اليمين المتطرف في كلا الجانبين .
وعبر عن هذه الذهنية لدى الإدارة الأمريكية خاصة وبالذات في أروقة وزارة
الدفاع الأكاديمي الصهيوني أيهود شبرينتساك عند عودته من اجتماعات له مع
مسؤولي البنتاغون إذ قال :( يستطيع المرء إيجاز نهجهم بجملة واحدة : إنهم
يظنون أن العالم العربي عالم معاقين لا يفقهون سوى لغة القوة) .
هذه الذهنية
وحسابات استراتيجية أخرى دفعت جلاوزة البنتاغون لرفع الملف العراقي قفزاً
على الملف الفلسطيني واختياره كمدخل للولوج للمنطقة باعتباره يضم أعقد
التناقضات العربية وبالتالي يشكل الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها
تنفيذ عمل عسكري تحقيقاً للاستراتيجية الأمريكية الجديدة وعلى رأس
مفرداتها الضربة الاستباقية المتحررة من شورى الحلفاء أو قيود الأمم
المتحدة . ويستهدف ذلك كله تحقيق نصر استعراضي سريع على نسق حرب الخليج
الثانية لتعزيز الهيمنة الأمريكية التي تآكلت بعد منتصف عقد التسعينات من
القرن الماضي لاعتبارات وأسباب عديدة ، تمهيداً لهيكلة المنطقة وفق
الأجندة الصهيونية وليس ذلك فحسب بل وفق المقاس الشاروني ، إضافة لما
سيحققه زهو الانتصار من دفع تلقائي لترسيم النظام العالمي بترتيبات جديدة
أهمها تهميش الأمم المتحدة وفقاً لما ذكره رئيس مجلس سياسات الدفاع
ريتشارد بيرل في مقال له في صحيفة كندية قبل أيام وهو الذي استقال مؤخراً
بسبب الانتصارات التكتيكية التي أحرزتها المقاومة العراقية , وما يستتبع
هذا النصر الاستعراضي من خضوع دولي للإرادة الأميركية .
لكن الرياح لم
تهب كما تشتهي أشرعة البنتاغون .. !!
ويبدو أن أحلام
البنتاغون قد غاصت في رمال البصرة وربما تدفن لاحقاً على مشارف بغداد ،
إذ هز صمود المقاومة العراقية - المدربة تدريباً مكثفاً وبقياداتها
الميدانية المؤهلة ومرونة تحركاتها وفق استراتيجية العنف والمرونة التي
اتبعتها - هيبة القوة العسكرية الأمريكية المدججة بتفوقها التكنولوجي .
وأفاق جلاوزة البنتاغون من سكرتهم لدرجة أن التداعيات حملت أحد أكبر
رؤوسهم وهو ريتشارد بيرل على تقديم استقالته . وتعبيراً عن هذا المأزق
الكبير أطلق الخبراء الأميريكيون على الحرب الجارية في العراق تسمية
(الأزمة) . ورغم أنهم عملوا على انتهاج أقسى درجات القوة تناغماً مع
الذهنية والسيكولوجية الاميريكية إذ أطقلت القوات الغازية أكثر من 1000
صاروخ من طراز توماهوك وما ما يزيد عن الـ 5000 مقذوفة ذكية وغيرها إلا
أن القوات الأمريكية ما زالت تراوح مكانها ولم تنجز أية مهام حقيقية سوى
المطاردة في صحراء العراق .
وتعبيراً عن
المأزق يشير تقرير عسكري روسي إلى أن القيادة الأمريكية ينتابها القلق
بسبب ارتفاع معدل استخدام صواريخ كروز دون تحقيق فوائد ميدانية ملموسة بل
أضاف التقرير أن هذا الاستخدام وعلى نفس الوتيرة ولمدة ثلاثة أسابيع
لاحقة من شأنه أن يترك أضراراً بالغة على الوضع الاستراتيجي العسكري
للقوات . أكثر من ذلك اعترف مايرز رئيس الأركان في البنتاغون بقوله :(
نحن كمن يرمي الذهب في الطين) في إشارة لصواريخ كروز عالية الكلفة .
هذه النتيجة
المفاجئة تعيدنا الى مقولة الخبير الاستراتيجي الألماني القديم كلاوزفتز
القائلة بأن لكل حرب مركز ثقل (سواء كان مادياً أو معنوياً) يستلزم من
الجهة الراغبة بالحسم أن توجه بؤرة قوتها نحو هذا المركز للإسراع بحسم
الحرب . وقراءة سريعة لنتائج الحملة الأمريكية العدوانية على العراق تشير
إلى أن القيادة العسكرية الأمريكية لم تنجح في تحديد مركز ثقل هذه الحرب
. وإشارة لهذا التخبط الأميريكي تذكر الباحثة اليهودية المرافقة للحملة
الأمريكية عوفرا بنجو وهي باحثة في مركز ديان بجامعة تل أبيب إلا أن
بدايات الحملة أخفقت بسبب عدم صحة الافتراضات التي أقيمت على أساسها
وبرأيها هي :
- الافتراض
القائم على أن الشعب العراقي سيقابل القوات الغازية بالورود بسبب شعار
الحملة الزائف – حرية العراق –
-افتراض أن الجيش
العراقي لن يقاوم وسينهار سريعاً
-افتراض أن حزب
البعث والجهات اللصيقة بالنظام ستنهار أيضا بمجرد أن يتهدد مصير صدام
وفي المحصلة فقد
قدم الصمود العراقي نموذجاً جديداً للمقاومة معززاً أطروحة المقاومة
ومضيفاً شكلاً آخر من أشكالها بعد النموذجين اللبناني والفلسطيني إضافة
للنموذج الطالباني في أفغانستان . وقد أعطى النموذج الجديد زخماً كبيراً
لأطروحة المقاومة باعتبار أن الجهة المقاومة يمكن أن تتجسد في دولة
وليست بالضرورة أن تكون فصائل مقاومة ، وهي تجربة أسقطت المقولة السائدة
التي ترى بأن منطق الدولة لا يتواءم مع مستلزمات المقاومة .
وحقيقة ينبغي
للإعلام المقاوم أن يضع الدرس العراقي تحت المجهر ووضعه في بؤرة الاهتمام
الجماهيري لتخصيب إنجازاته وتثميرها لما في ذلك من تعزيز لسيكولوجية
المقاومة وثقافتها في الشارع العربي والإسلامي .
وفيما يلي وقفات مع الدرس العراقي في قراءة موجزة :
- الحالة
العراقية تشكل مأزقاً للقوة الأمريكية المتفوقة ، ذلك أن مركز ثقل الحرب
في الساحة العراقية وفق – نظرية كلاوزفتز – لبست مادية يمكن تحطيمها
بالقوة المجردة . إنما هي الروح المعنوية العالية للشعب العراقي متضافرة
مع الوحدة الوطنية مضافاً إليها الإرادة السياسية المتمثلة بقرار سياسي
يعتمد خيار المقاومة ، وبالتالي فمركز ثقل الحرب ليست نقطة منظورة يمكن
تركيز بؤرة القوة عليها لتحطيمها وإخضاع المقاومة العراقية
- مقاومة الدولة
(النموذج العراقي) أثبتت أن المقاومة العسكرية ممكنة في مواجهة غطرسة
القوة الأمريكية إذا توافرت الإرادة السياسية لذلك . وفي الميدان عسكرياً
تمكن النموذج العراقي المقاوم من تحطيم قوة الردع للقوات الأميريكية
وتحويل شعار حملتها الصدمة والرعب للاتجاه المعاكس . وفي سياق الحديث عن
تفكيك مكوّن قوة الردع يعترف الجنرال تانلي مككريستال في البنتاغون
الأميركي قائلاً : ( العدو يستخدم ببراعة أسلحة أرخص ويصل إلى نفس
النتائج التي تكلفنا البلايين بناء على الخرافات التكنولوجية من الصناعة
الدفاعية .. ويضيف : يكفي العدو أن يبدي القليل من المقاومة والقليل من
التفكير المبتكر في حين أن تفوقنا التكنولوجي يفقد كل معانيه ، مصاريفنا
ليست مبررة إذا أخذنا النتائج بعين الاعتبار) .
- أظهر النموذج
العراقي إمكانية مقاومة الدولة على الصعيد السياسي وقدرتها على تحقيق
انتصارات دبلوماسية لدرجة عزل الخصم دولياً رغم قوته الفائقة في هذا
المجال ، بل استطاع العراق أن يحقق انتصاراً دبلوماسياً وكذلك نصراً
إعلامياً ساحقاً مترافقاً مع انتصارات عسكرية تكتيكية في الميدان عززت
ذلك
- أكدت الحالة
العراقية على أن الفيصل النهائي في المواجهة ليس ميزان القوى العسكري بل
وضعه في سياقه الطبيعي باعتباره أحد مفردات قياس القدرة على المواجهة مع
الخصم ولفتت الأنظار إلى مفردات أخرى من القوة ينبغي توفرها للمواجهة
وبالتأكيد فإن نماذج المقاومة المحتملة قادرة على استكشاف هذه المفردات
المتوفرة في المخزون الديمعرافي العربي والإسلامي .
- عزز النموذج
العراقي من الاستخلاص التاريخي المنبثق من استقراء التاريخ الإسلامي الذي
يؤكد أن تعادل ميزان القوى ليس بالضرورة من شرائط الانتصار ، وليس عبثاً
أن تكون معظم إن لم تكن كل انتصارات المسلمين حصلت في ظل احتلال ميزان
القوى لصالح الطرف الآخر .
وحول مصير
المقاومة العراقية وما هو شكل النصر الذي من الممكن أن تقترب منه في
تحقيقها لأهداف ميدانية آنية أو استراتيجية متعلقة بمستقبل الأمة ، فيمكن
توقع إحدى حالتين :
الأولى : استمرار المقاومة العراقية في
تحقيق الانتصارات التكتيكية في الميدان العسكري وما يرافقها من انتصارات
إعلامية ودبلوماسية ، وما يستتبع ذلك من إحراج للموقف العربي الرسمي أو
وقوع أخطاء أمريكية ميدانية كبيرة محرجة ربما يتولد عنهما جهد دبلوماسي
دولي يجبر العدوان الأمريكي على التوقف ، وفي ذلك إفشال للحملة الأمريكية
.
الثانية : أن تصل الحرب إلى نهايتها حتى
معركة بغداد أو محاصرتها فقط وما ينتج عن ذلك من خسائر باهظة للطرفين
وخاصة الجانب الأمريكي وهو ما يشكل نموذجاً للأثمان الباهظة التي ستدفعها
الإدارة الأميريكية إذا ما استمرت في السير نحو تحقيق استراتيجيتها
الجديدة . وعلى الأغلب فأن ثمن اجتياح بغداد سيشكم إغراء القوة الذي
يتلاعب حالياً برؤوس جلاوزة البنتاغون . وربما تصل الحالة إلى تحجيم أو
تآكل بعض مكونات الردع للقوة الأميريكية من خلال نشوء عقدة جديدة شبيهة
بعقدة فيتنام . وسيؤدي هذا السيناريو بطبيعة الحال إلى فتح شهية الشعوب
والأنظمة بالمنطقة لمقاومة النفوذ الأميركي بل والجرأة على تحدي هيمنة
الولايات المتحدة ، وبالتالي سيتأثر مستقبل الاستراتيجية الأميريكية
الخطرة نحو المنطقة وربما تتطور الأحداث لتصل إلى مستوى طي ملفها وسقوط
عرابيها في البنتاجون الأميريكي ، ومنذ الآن تتحدث بعض الصحف الأميريكية
عن مستقبل مجموعة البنتاغون المتطرفة ومصيرهم السياسي ، وربما يكون بيرل
هو بداية السقوط.
|