الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

القنبلة الديمغرافية الفلسطينية

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

   

("إسرائيل" هذه الدولة الصغيرة .. الجميلة .. الموهوبة و الصعبة .. هي لنا .. لنا .. لنا) .. كلمات قالها شارون باللغة الروسية أمام حشد في مدينة عفولا الروسية في إحدى زياراته لروسيا الاتحادية . و الكلمات الثلاثة الأخيرة المكرّرة في عبارته تنبّىء عن مدى القلق الوجودي الذي يستوطن أعماق رأس الهرم في الكيان الصهيوني الطارىء ، و تؤكّد  هشاشة شرعية الوجود حتى لدى الذهنية الصهيونية ذاتها ، و إلا فما حاجة رئيس دولة لكي يتحدّث بهذا الأسلوب عن وجود دولته و عن أحقيّة شعبه بها أمام حشد شعبي في مدينة روسية فقيرة ، إنه المنطق المهزوز رغم الثقة الظاهرية التي حاولت الكلمات أن ترسمها .

 

الخط البياني لمسيرة الوجود اليهودي على أرض فلسطين ابتدأت بشكلٍ لافت بنقطة تاريخية عند عام 1882م إذ هاجر إلى فلسطين ما بين عامي 1882 – 1884م حوالي 3000 يهودي ، و من ثم قفز عددهم إلى 650 ألف يهودي في العام 1948م حينما استولت العصابات الصهيونية عقب حرب عام 1948م على 79 % من أرض فلسطين التاريخية و طردت أكثر من 800 ألف فلسطيني تشرّدوا و ما زالوا يعيشون شتات المنفى هم و ذراريهم الذين بلغوا في الوقت الراهن ما يزيد عن الـ (5) ملايين فلسطيني ، معظمهم يعيشون على الحدود الجغرافية المجاورة لفلسطين .

 

و لكن قصة النجاح الديمغرافي الصهيوني لم تكن تصاعدية إذ اعترى مسارها عدة إخفاقات ، و لعلّ الإنذارات المتعدّدة الأخيرة التي تقرع جرس الإنذار و بشدة حول تحوّل المعادلة الديمغرافية داخل فلسطين لصالح الشعب الفلسطيني تشكّل بداية النهاية لقصة النجاح هذه .

 

أحدث هذه الإنذارات بحث "صهيوني – أمريكي" نشره الإعلام العبري في الأسبوع الفائت يتحدّث عن مستقبل المشهد الديمغرافي في فلسطين ما بين المتوسط و نهر الأردن ، إذ يشير البحث الصادر عن جامعتي ييل و هارفارد الأمريكيتين إلى أنه سيكون في النطاق الجغرافي المذكور آنفاً عام 2020م حوالي 6.6 مليون يهودي و 8 ملايين عربي منهم حوالي 3.3 مليون عربي في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948م ، علماً أن الوسط العربي داخل الخط الأخضر قد ازداد منذ عام 1948م و حتى عام 1998م بنسبة تصل لحد 700 % بينما توقّفت نسبة التكاثر اليهودي للفترة ذاتها عند حد 28 % ، و يتوقّع البحث أن يعيش في القدس في حينه قرابة الـ 400 ألف عربي .

 

في عام 2000م انعقد مؤتمر هرتسليا تحت عنوان "ميزان المناعة و الأمن القومي لدولة (إسرائيل)" ، و كان من أهمّ نتائجه أن خطراً ديمغرافياً يتهدّد الأمن القومي "الإسرائيلي" بسبب الزيادة الصاروخية في عدد السكان العرب و تباطؤ الزيادة في الوسط اليهودي نظراً لانخفاض معدلات الزيادة الطبيعية للسكان (التوالد) من جهة و انخفاض أعداد الهجرة القادمة و تزايد الهجرة العكسية من جهة أخرى . و تشير الدراسات الديمغرافية الصهيونية إلى ميزان الزيادة الطبيعية بين العرب و اليهود هو 4.4 % إلى 1.6 % . أما الهجرة القادمة و التي تعتبر الرافد الأساسي للخزان البشري الصهيوني بفلسطين فقد انحسرت عام 2002م إلى 33600 مهاجر فقط بنسبة تراجع تقدّر بحوالي 23 % عما كانت عليه في العام 2001م ، و هو الرقم الأقل للمهاجرين اليهود القادمين منذ عام 1990م . و مما يفاقم الأمر ازدياد معدلات الهجرة العكسية التي تتراوح مابين 20.000 إلى 25.000 مهاجر يغادرون أرض فلسطين سنوياً دون عودة . و في نفس الإطار ذكرت معطيات استطلاع عام 2000م تحت إشراف جامعة تل أبيب بأن الشرائح الشابة مابين 18 - 29 عاماً يفكّر 25 منهم بالهجرة خارج فلسطين .

 

و في تقرير كارثي "ترجم للروسية" كما يراه خبراء الديمغرافيا الصهاينة يشير هذا التقرير إلى أنه إذا بقيت نسبة التوالد الحالية لدى الطرفين و البالغة 7:3 لصالح العرب فسيصل عدد سكان قطاع غزة عام 2050م  قرابة الـ 10 ملايين نسمة ، في حين سيشكّل عرب الـ 48 50 % من تعداد سكان الكيان الصهيوني ، أي داخل الخط الأخضر .

 

على صعيد آخر يذكر تقرير إحصائي ثانٍ بأن هناك 800 ألف مهاجر من غير اليهود وصلوا ضمن موجات الهجرة الروسية خلال عقد التسعينات من القرن الماضي التي بلغ عدد مهاجريها حوالي مليون و 200 ألف مهاجر ، أي أن معظم الهجرة الروسية من غير اليهود . و وفقاً للإحصاءات الرسمية يعيش في الكيان الصهيوني 84 ألف أسرة فيها أحد الزوجين من غير اليهود بينما ترفعها المصادر غير الرسمية إلى 120 ألف أسرة . إضافة إلى حوالي 50 ألف أسرة لا تضمّ يهوداً على الإطلاق . و جدير بالذكر أن الطفل القاصر لأم غير يهودية يحصل على خدمات الدولة و برامجها التعليمية و الصحيّة إذا كانت أمه مسجّلة بها ، إلا أنه لا يمكنه التزوج من (إسرائيلية) يهودية في "إسرائيل" حيث دار الحاخامية الأرذوثكسية تحرّم ذلك ، و كذلك لا يستطيع العمل في المجال الأمني .

 

و نظراً لخطورة الوضع الديمغرافي فقد أوصى مؤتمر هرتسليا المنعقد عام 2000م بعدة توصيات أبرزها و أخطرها الدعوة لخلق ظروف لطرد الفلسطينيين خارج فلسطين في ظلّ موجات من الترانسفير التي من الممكن أن يسمح بها المناخ الدولي مستقبلاً . و يأتي في السياق ذاته قانون المواطنة الذي أقرّه الكنيست مؤخراً و هذا القانون لا يسمح لأزواج النساء العربيات داخل الخط الأخضر ممن تزوجّن من الضفة الغربية و غزة بالحصول على الهوية و الجنسية (الإسرائيلية) إضافة إلى منعهم من دخول القدس و على وجه الخصوص المسجد الأقصى . و حسب القانون المذكور سيكون بمقدور سلطات الكيان الصهيوني أن تطرد أولاد الأسر المختلطة و أعمارهم فوق الـ 12 سنة - التي تعيش في "إسرائيل" و يكون أحد الزوجين من غزة و الضفة أو العكس - ، و بموجبه لن يحصل هؤلاء الأبناء على المواطنة و سيحرَمون من الدراسة و الخدمات الطبية ، و هو إجراء يمزّق عشرات الآلاف من هذه الأسر ، كما أنه يهدِم جسور التواصل بين الفلسطينيين على ضفتي الخط الأخضر .

 

و برغم كافة الإجراءات الصهيونية فستظلّ العقدة الديمغرافية الشبح الذي يتهدّد الأمن القومي للكيان الصهيوني بسبب الفارق الكبير في نسبة الزيادة السكانية ، و يختزل حجم هذه المعضلة الديمغرافية لدى الصهاينة المعادلة السكانية التالية : احتاجت سلطات الاحتلال الصهيوني لزرع حوالي 80 ألف مستوطن بالضفة و القطاع إلى مدى زمني قدره أكثر من 33 عاماً و بكلفة تقدّر بعشرات المليارات من الدولارات بينما الرقم ذاته يشكّل الزيادة السكانية في عدد الفلسطينيين سنوياً . و هذا يؤكّد مقولة الخبير الديمغرافي الصهيوني أوري سافير : "إن الفلسطينيين سيغلبوننا في غرف النوم و مدرّجات الجامعات . و هي عناصر هامة في منظومة القوة بين الطرفين" .