الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

رائد صلاح : الشيخ المقدسي الأسير

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

 عندما أمسكتْ أصابعي بالقلم واستذكرتُ ابتسامته الوضيئة ، وحبوه - الطفولي هيئة والواعي موقفاً - في ظلمة الأنفاق تحت ساحات الأقصى أو وهو يكنس ردهات المسجد المرواني بيديه ، أو وهو يخطب على منابر الأرض المباركة بصوته الحنون الذي يستبطن عزة الماضي التليد وعنفوان التحدي الممتد ما دامت أقدام بني قريظة تطأ صدر هذه الأرض المقدسة  .. عندما استذكرتُ ذلك وغيره أشياء أخرى عصية على الإحصاء ... لأنك يا شيخنا الجليل شريحة مكتنزة من عنفوان التاريخ الفلسطيني .. أقول لقلمي : ماذا عساك أن تكتب عن هذا المجاهد الجليل ؟ وقامة صاحبك دون هذا المقام بكثير .

شيخنا الجليل ..

وقمرنا المقدسي الذي استحمت بضيائه غابات الزيتون على السفوح .. وتسرّبت منه حزم ضياء أخرى لتضيء ظلمة أنفاق الأقصى . وعلى مر العلاقة الحميمة بين المقدسي وبيت المقدس تخللت أنفاسه تشققات المسجد المبارك وأسواره ، وغدت صورة الأقصى تتمدد في وجه الشيخ ويتمطى وجه الشيخ في مشهد المسجد ، وألفيا توأم حب وشموخ .

كنت يا شيخنا الجليل تحب الأقصى وكان الأقصى يحبك وما زال الحب موصولاً لا تحجزه جدران السجون وأقفالها .

سجدت َ في المسجد في موضع سجدات الأنبياء وكنست بيديك ردهاته حتى اختلط عرقك بسحب الغبار ، وفي ساحاته فتحت صدرك مشرعاً لرصاص بني النضير ، وشحنت الحافلات بالمصلين ليعمروه .. الحافلة تلو الحافلة والقوافل تترى .. وقفت شامخاً في وجوه علوج بني صهيون الجامحة التي تهاجم الأسوار رغبة في تدنيس الساحات المباركة .. وكم مرة ناديت بأعلى الصوت : الأقصى في خطر .. الأقصى في خطر !! ولكن أسماع العواصم يوقرها الخوف من البيت الأبيض وجلاوزة البنتاغون .

المسافة بين ضفتي الجرح الفلسطيني لو قيست بساعة الزمن العربي المتراخي لبدت طويلة ربما كامتداد المسافة الزمنية بين العصر الفخاري وحتى الانفجار المعلوماتي المعاصر .. لكن الشهداء يحاولون صناعة الجسر ليضعوه فوق وادي الجرح .. وكذلك المجاهدون الأحياء ، وأنت منهم أيها الشيخ الجليل .. فبخطواتك الجريئة محوت "الخط الأخضر" ودرست بالخليل في جامعتها وتضوعت بعبير النبوة في مدينة خليل الله عليه السلام هناك ، وانتقلت زيناً لشباب "المحاجنة" بل قمراً فلسطينياً مشرقاً بالهداية  في "أم النور " وما حولها .

 حفرت بأظافرك بحثاً عن أساسات المساجد المهدمة التي دمرها كفرة بني صهيون وظلّت محاريبها منذ الهجرة تشتاق جباه الساجدين فمسحت غبار زمن القهر العبري عن مآذنها .

نظّمت المهرجانات المحتشدة لنصرة حبيبك الأقصى وجمعت الناس من أجل ذلك من كل فجّ عميق .. وما زال صوتك الشجي القوي يتردد في مسامعنا .. الأقصى في خطر !!

قمت بنسج خيوط التحدي لصناعة "مشروع المجتمع العصامي" مع إخوانك لكي تستقل الذات العربية في فلسطين المحتلة عام 48 عن المحيط العبري .

ولأنك عنوان الهوية التي أبت الذوبان وكنت ومن حولك الشاهد الحي على أن أمة القرآن لا تموت برغم طوفان الكفر وإبداعات المكر اليهودي .. من أجل ذلك اقتادوك ليلقوك في ظلمة السجن ، لأن الباطل أعجز من أن يغلب الحق برغم فرط قوته . ومع أنك تبدو في الصورة الظاهرة أسيراً بين أيديهم إلا أنهم هم الأسرى لديك لأنك قهرتهم بحقك في الوجود والحياة فوق تراب آبائك وأجدادك .. ولأن صمودك أذاب طبقة المكياج الرقيقة التي تُغلّف "ديمقراطيتهم" .

علّمتنا ياشيخنا المقدسي الجليل أن الإرادة في صدور الرجال تقهر قنبلتهم النووية التي تغفو في أقبية المخازن .. وعلمتنا أنه يمكن لجذور النصر أن تنبت في رحم الهزيمة .. وكلّما استذكرت وجهك "الصحابي" الوضيء  أوقن أن الفرق بين الصمود الانكسار طاقة عزيمة تشعّها عيون رجالٍ فوق العادة يستبطون في خلاياهم أشياء أخرى غير الفحولة .

أيها الشيخ المقدسي الأسير ..

كنت نسيج وحدك .. أمة في رجل .. ورجل في أمة .. ولن تنال من عزيمتك ظلمة السجن أو فولاذ القيود .

أما أمة المليار فأعجب لصمتها عندما يغيب أبطالها .. فلا نية لنخوة أو رغبة بانتقام .. لا شيء غير صمت القبور من هدير المحيط إلى هدير المحيط على امتداد الوطن الإسلامي الكبير سوى الضمائر الحية التي تسجنها حدود الولاة وساداتهم .

وأخيراً لستُ ممن يقدس الرجال .. إنما أتحدث عن رجلٍ وهب نفسه للأقصى .. وأتحدث عنه باعتباره رمزاً مكتنزاً بالفعل ومشبعاً بالتحدي .. أما ذاتك أيها الشيخ المقدسي الأسير ... فلا نزكيك على الله .. فالله حسيبك .

وآخر كلماتي إليك .. سلام الله عليك حراً وأسيراً وأينما كنت على أية ثغرة من ثغور الجهاد .