الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الجرح الفلسطيني : مسؤولية عربية و إسلامية دعوة للنصرة

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

 

 

{لا أستطيع تحمّل مسئولية أي إنسان من سكان مدينتي يمكن أن يصاب في أي هجوم عراقي على (إسرائيل) ، لا يمكنني الحديث عن بطولات وهمية ، هنا يدور الحديث حول مسئوليتي عن سلامة الجمهور ؛ لذا سأواصل تنفيذ الخطة لترحيل سكان المدينة إلى الجنوب (النقب)}

 

رئيس بلدية "كريات أونو" الصهيوني – حيفا

 

الهلع الكامن في الذهنية الصهيونية لا يحتاج إلى عميق نظر لاستكشافه لأنه أصلاً العامل الأساسي في حركة تاريخ المجموعات اليهودية أينما كانت ، و النموذج أعلاه يجسّد هذه الحالة اللصيقة بالشخصية اليهودية . و مع تحليل صورة المشهد الحالي يدرك المرء حجم أزمة الخوف التي تتملّك المجتمع الصهيوني ، فعناصر المشهد الظاهرية للكيان الصهيوني تبدي أدوات القوة بشكلٍ بارز : عدة مئات من القنابل النووية و مئات من الطائرات المتطورة جداً و آلاف الدبابات الفائقة القدرة و عشرات بطاريات الباتريوت المنصوبة داخل و خارج هذا الكيان لحمايته بالإضافة إلى جدار راداريّ متطور تم تفعيله مؤخراً على طول الحدود مع الأردن ، و فوق هذه المنظومة الأداتية من القوة حليف دولي يرفع عصاه الغليظة مهدّداً كلّ من يقترب من المدللة (إسرائيل) ، بل و يعمل جاهداً لهيكلة كافة المنطقة من أجل عينيها ، برغم ذلك كلّه إلا أن أكثر كتلة بشرية خوفاً في المنطقة هي التي تعيش في سياق هذا المشهد من القوة .

 

موفاز وزير الحرب الصهيوني يدرِك حجم مشهد القوة الأداتي لكنه يتغافل عن طبيعة الخوف التي تسكن أعماق اليهودي أينما كان ، لذلك يقول تعليقاً على خطط العديد من رؤساء بلديات المدن الصهيونية في وسط فلسطين الرامية لترحيل سكان مدنهم إلى الجنوب في صحراء النقب هرباً من الصواريخ العراقية : "إنكم أناس تفتقدون أيّ قدرٍ من المسئولية الوطنية . إنكم تزرعون الهلع و الخوف في أوساط الجمهور . إن (إسرائيل) تخجل من هذا المستوى من المسئولين" . لكن أحد الجنرالات الكبار اعترف أن ممارسات هذا الشعب تدعم نظرية (بيت العنكبوت) و هي الصورة المجازية للوهن .

لكن على الضفة الأخرى من المشهد .. ماذا يجري ؟

 

طفلٌ من كتلة لحم يتحدّى فولاذ الدبابة الغازية وجهاً لوجه و يرجمها بحجر تعبيراً عن حالة التحدّي و تفجّر الإرادة المعبّرة عن القوة الكامنة في أعماق الذات الفلسطينية التي احترفت الموت من أجل صناعة حياة جديدة خالية الذل و الهوان .

 

هذا الطفل المتمرد على الواقع العربي .. يحق له أن يتساءل : من أي شيء يخاف العرب و المسلمون و عدوّهم الذي برغم هيلمان القوة يضطرب خوفاً كالفئران التي تتصادم مع بعضها البعض بين جدران مصيدة من جراء فوبيا صواريخ سكاد العراقية المحتملة .

 

و في صورة أخرى متمرّدة على المشهد العربي المترهل تخترق عناصر المقاومة جدار الأمن الصهيوني لتضرب العمق في حيفا كهديّة ثمينة تهنئة لشارون و حكومته الجديدة على طريقتها الخاصة . و بعنفوان التحدّي أيضاً تتصدّى للعدوان على جباليا و تعطب عشر دبابات للجيش الغازي .

 

هذا المشهد الفلسطيني المتمرّد على الوهن العربي .. و بأدوات قوته البسيطة جداً استطاع أن يتسلّل من ثقوب الضعف لدى الكيان الصهيوني ليفجّر أحشاء الكيان الصهيوني و ينزع قشرة القوة الزائفة التي يتغلّف بها . و برغم سياج الحصار العربي و غير العربي تمكّن مجاهدوا المقاومة من تطوير أدوات قوتهم حتى من روث الحيوانات و أنتجوا صواريخ مضادة للدبابات و أخرى تضرِب عن بعد عدة كيلومترات بينما يأكل الصدأ أكثر من 19 ألف دبابة عربية و حوالي 3000 طائرة عربية حربية ، أما الصواريخ العربية فتغفو في الأقبية تحلم بكوابيس السلام المزيف .

 

هذا المشهد الفلسطيني المتمرّد .. ماذا يعني و ماذا يستلزم ؟

 

-يعني أولاً أن معين الروح الجهادية لهذا الشعب الذي انفجر منذ قرنٍ من الزمان لا زالت ثرّة لا تنضب بل تزداد غزارة و مضاء مهما طال زمن الاحتلال ، و أن عزيمة شعب الأرض المقدّسة غير قابلة للانكسار برغم تعدّد و تنوّع وسائل البطش الصهيونية و هي غير خاضعة لضغوط موازين القوى الإقليمية و الدولية .

 

-و تعني أيضاً أن الحالة الفلسطينية الراهنة بتفاصيلها الميدانية و تأثيراتها المباشرة على الكيان الصهيوني يمكن أن تسمّى بالدرس الفلسطيني الذي تجدر قراءته و دراسته جيداً لأنه نموذج التمرّد العربي على حالة الانهزام و صورة من صوَر فاعلية المقاومة الممكنة في غياب القدرة على الحرب الشاملة . و بالتالي يمكن محاكاته أو تطويره هو ذاته و اعتباره رأس الحربة في مشروع المقاومة الشامل للأمة . و لأنه في أحد جوانبه يعبّر عن ردّ سافر على أطروحة الانهزام و إحراج لكلّ القوى المضبوعة بالمنطقة على المستويين الشعبي و الرسمي .

 

-و المشهد الفلسطيني الشعبي و الفصائلي المقاوم يبرز تفوّقه و تقدّمه على قيادته السياسية الرسمية المتنفذة . و لعل أبرز إشارات هذه المفارقة الماثلة بين هذه القيادة السياسية المتنفذة و الشعب ، ما يقوم به هاني الحسن من سعيٍ حثيثٍ لإبرام اتفاقٍ أمني مع دوف فايسغلاس مدير ديوان رئيس الوزراء الصهيوني شارون يقضي بتسلّم المدن الفلسطينية بالضفة على مراحل مقابل استئصال المقاومة بينما تخترق هذه المقاومة و في ذات الوقت جدار الأمن الصهيوني لتضرب عمقه في حيفا محبِطة كلّ مخطّطات المؤسسة العسكرية الصهيونية الرامية لكسر شوكة الشعب الفلسطيني . و أي مراقب محايدٍ يحتك بصورة هذه المفارقة يحكم بأن الشعب الفلسطيني يستحق قيادةً تليق بصموده و تضحياته و قادرة على تلبية طموحاته و آماله ، لا أن تتاجر بدماء شهدائه تحت عناوين خادعة مثل اسطوانة وزير الداخلية هاني الحسن التي يعزِف عليها دوماً بما يسمّيه المصلحة الوطنية .

 

-المشهد الفلسطيني بصموده و تضحياته يبرق بدعوة عاجلة للتحرّك المثمر لكلّ القوى السياسية و الشعبية في المحيط العربي و الإسلامي ، و كذلك يبعث الجرح الفلسطيني النازف برسالة عاتبة لكلّ الضمائر الغافلة و للنخوة الغافية في صدور الرجال في عواصم الخلافة و العروبة من طنجة حتى جاكرتا.

 

و هذا ليس خطاباً عاطفياً فحسب ، بل المسرح الفلسطيني و آخر مشاهده دماء المجزرة الأخيرة في جباليا بغزة الصامدة تقول و بملء ضفّتي الجرح الفلسطيني بأن الدماء الفلسطينية مسؤولية عربية و إسلامية ، و الشيوخ و الأطفال تحت أنقاض البيوت التي هدّمتها جرافات و دبابات الصهاينة لا يكفيهم أكياس الطحين و ضمادات الجروح و طرود الإغاثة فقط . إنما يحلمون بأشياء أخرى يدركها العقل العربي و يستشعرها الضمير الإسلامي .