|
"لبنان ؟ ليت غزة
مثل لبنان . اتضح أن غزة مثل لبنان توربو (نسحة) محسنة ، معدلة ، أخطر
وأسوأ بكثير من لبنان . ففي لبنان كانت هناك قواعد للعبة . كانت هناك
تفاهمات . ومن انحرف عنها تلقى الضربة . مرة نحن ومرة هم . في لبنان سقط
25 جندياً بالمعدل في السنة . أما غزة ، هذا الاسبوع ، فإننا نعد 11 جثة
؛ منتشرة (أشلاءها) على مئات الأمتار المربعة خلال 24 ساعة . إنها حالة
من الجنون ، غير معروفة ، غير واضحة "
العميد شموئيل
زكاي : قائد القوات "الإسرائيلية" في غزة
الديك الرومي
المغشوش "يعلون" ينتفخ ويهدر بفقاعات صوتية في معبر "كيرم شالوم" على
أطراف غزة على إثر خسارته العسكرية الكبيرة في حي الزيتون ورفح ، وكأنه
يود أن يملأ فراغ فضاء معركته الخاسرة بضجيج صوتي فهم منه "أن غزة ليست
لبنان" وأنه "يرفض التفاوض بشأن جثث الجنود القتلى" .
يعلون يعلم أكثر
من غيره أن هذه المعركة مع المقاومة خاسرة ؛ بل أكثر من ذلك يدرك أن
الحرب برمتها لصالح المقاومة في نهاية المطاف ؛ لأسباب استراتيجية وأخرى
تكتيكية في ظل التطور التكتيكي للمقاومة الفلسطينية الذي اعترف بإنجازه
ضمنياً رئيسه موفاز حينما قال "يحظر علينا الإشادة بالمخربين على النتائج
التي حققوها ، إن النتائج للأسف مؤلمة بالنسبة لأسر الجنود أولاً ، كما
أنها مؤلمة بالنسبة للجيش الإسرائيلي ولشعب إسرائيل" . بل إن يعلون
يستوعب تماماً أن هذا السحق الوحشي للبنية المدنية الفلسطينية بشرياً
ومادياً – كنموذج مكثف في حي الزيتون ورفح – ليس إلا وقوداً سيكلوجياً
شعبياً للمقاومة ومحفزاً لها ، وزيادة في سماكة جدار الكراهية .
أما أن غزة ليست
لبنان ، فهذا صحيح ، فهي ليست لبنان تماثلاً ولكنها تشكل معضلة
استراتيجية له ولقيادته أعظم من لبنان . لكونها المستنقع العسكري الذي
يغوص به جنوده حتى الركب وربما في حالات حتى التراقي . ناهيك عن الكثافة
الديمغرافية وضيق الرقعة الجغرافية التي تعزز المأزق الأول وتزيد من حدته
.
تأثيرات هذا
المستنقع – الذي لا يعترف به يعلون – عكستها استطلاعات الرأي في الصحف
العبرية ، إذا أشارت معاريف في استطلاعها ليوم الجمعة 14/5/2004م أن 79%
يؤيدون الانسحاب من غزة (40% منهم يؤيدون الانسحاب الفوري و39% يؤيدونه
بموجب اتفاق مع الفلسطينيين) . كما أن أحزاب العمل وياحد وعام أحاد وحركة
السلام الآن وحركة الكيبوتسات ومجموعة جنيف يخططون لتظاهرة ويوم حداد في
ساحة رابين بتل أبيب يوم السبت 15/5/2004م تعبيراً عن حدادهم على مقتل
الجنود في غزة وتأييدهم الصارخ للهروب من منها . وكذلك فقد انهار موقع
رئيس الحكومة - القاتل شارون - على شبكة الانترنت جراء موجة من آلاف
الرسائل الالكترونية الاحتجاجية الموجهة من أمهات يهوديات تطالبه
بالانسحاب من غزة . وقد انطلقت هذه المبادرة من قبل حركة نسائية سمّت
نفسها "شوبي" برئاسة د. دالية مجيدو .
ويعلون نفسه كان
على رأس الفريق الأمني والعسكري الذي تقدم لشارون قبل فترة ليست بعيدة
بتقدير موقف مفاده أن الصراع مع الفلسطينيين لن تحسم بالأدوات العسكرية
فقط ، وبالتالي على المستوى السياسي أن يفكر بخيار سياسي من نوع ما .
وكان هذا التقدير المذكور بداية الضغوط التي أرغمت شارون على سلوك الخيار
السياسي الذي ولد جنينه المشوه بمسمى "خطة فك الارتباط" .
سيد يعلون ورئيس
فريقه الإجرامي – شارون – يعاني من هزيمتين الآن :
-
فشل سياسي ذريع تمثل في عدم قدرته على تمرير خطته
التي شغل الناس بها ، وإخفاقه في تنفيذها ؛ برغم تسويقها باعتبارها
الخيار المنقذ للمأزق الصهيوني وفق رؤية شارون
-
إخفاق عسكري كبير في معركة غزة تجسد بسقوط عدد كبير
نسبياً من الجنود ، وهو فشل عسكري متميز ، بل هو نموذج لعبقرية الفشل
الذي أخترعها الجيش الصهيوني خلال الانتفاضة الجارية
هذان الفشلان هما
عنوان المرحلة في المشهد الصهيوني ، بل يمكن اعتبارهما صورة مصغرة
للنتيجة النهائية للصراع الدائر بين الطرفين . وهي حالة لو نظر لها المرء
دون أن يلبس نظارة الانكسار العربي لقرأها على أنها انتصار فلسطيني
ميداني يحتاج لاستثمار من الغلاف العربي المتخاذل ، وربما المتواطىء .
السؤال المتكرر
والموجع أيضا ، أين العرب من هذا المشهد الفلسطيني المثمر برغم تقرّح
الجراح ، وأين هم من صوت "وفاء" المرأة الفلسطينية المحاصرة في رفح وهي
تنادي عبر فضائية الجزيرة الضمائر العربية المعلبة ، وحدثّتهم عبر الأثير
كيف أنها سقت أطفالها من بولهم بسبب شدة الحصار وانقطاع الماء والكهرباء
.
والسؤال المحير
الآخر ، إذا لم يقتنع العقل السياسي العربي بجدوى المقاومة وثمارها
السياسية ، فأين الضمير العربي (إنسانياً) من صوت هذه المرأة الفلسطينية
المحاصرة .
المقاومة
الفلسطينية قامت بتمزيق النمر الورقي – الجيش الصهيوني – في حي الزيتون
ورفح ، بينما انحصر الدور العربي بوظيفة الوسيط المحايد من أجل استرجاع
أشلاء قتلى الجنود الصهاينة . ولاحظوا يا أولي الألباب العرب هذه
المفارقة السريالية : دور عربي وسيط ومحايد بين الفلسطينيين المعتدى
عليهم واليهود القتلة .
خلاصة المشهد
الموجع ، معادلة فلسطينية متمردة لا تخضع لمؤثرات الانكسار رغم ضخامتها ،
ومعادلة أخرى عربية سريالية لا يمكن تفكيكها بأية لغة إنسانية . والأدهى
من ذلك الضمير العربي الشعبي الانتقائي الذي يتحرك وفق معايير غير
مفهومة - ربما تفهمهما الجامعة العربية - ، فهو قد تحرك أثناء حصار
الفلوجة وأقام الدنيا من أجلها ، وهي حركة واجبة ولازمة وتستحق الفلوجة
أكثر من ذلك .
ولكن ، أليست رفح
أختاً للفلوجة في
العقيدة والعروبة ؟ أليس الدم واحدا ؟ والعدو ذاته ! أليست هذه حالة من
عجائب الضمير العربي المعاصر الذي لا يمكن تشخيص حالته : أهو نائم أم يقظ
، أم أن هناك حالة لا أفهمها أتركها لأهل الاختصاص .
|