الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

معركة غزة : النمر الورقي يتمزق في حي الزيتون ورفح 

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

 

"لبنان ؟ ليت غزة مثل لبنان . اتضح أن غزة مثل لبنان توربو (نسحة) محسنة ، معدلة ، أخطر وأسوأ بكثير من لبنان . ففي لبنان كانت هناك قواعد للعبة . كانت هناك تفاهمات . ومن انحرف عنها تلقى الضربة . مرة نحن ومرة هم . في لبنان سقط 25 جندياً بالمعدل في السنة . أما غزة ، هذا الاسبوع ، فإننا نعد 11 جثة ؛ منتشرة (أشلاءها) على مئات الأمتار المربعة خلال 24 ساعة . إنها حالة من الجنون ، غير معروفة ، غير واضحة "

العميد شموئيل زكاي : قائد القوات "الإسرائيلية" في غزة

 

الديك الرومي المغشوش "يعلون" ينتفخ ويهدر بفقاعات صوتية في معبر "كيرم شالوم" على أطراف غزة على إثر خسارته العسكرية الكبيرة في حي الزيتون ورفح ، وكأنه يود أن يملأ فراغ فضاء معركته الخاسرة بضجيج صوتي فهم منه "أن غزة ليست لبنان" وأنه "يرفض التفاوض بشأن جثث الجنود القتلى" .

 

يعلون يعلم أكثر من غيره أن هذه المعركة مع المقاومة خاسرة ؛ بل أكثر من ذلك يدرك أن الحرب برمتها لصالح المقاومة في نهاية المطاف ؛ لأسباب استراتيجية وأخرى تكتيكية في ظل التطور التكتيكي للمقاومة الفلسطينية الذي اعترف بإنجازه ضمنياً رئيسه موفاز حينما قال "يحظر علينا الإشادة بالمخربين على النتائج التي حققوها ، إن النتائج للأسف مؤلمة بالنسبة لأسر الجنود أولاً ، كما أنها مؤلمة بالنسبة للجيش الإسرائيلي ولشعب إسرائيل" . بل إن يعلون يستوعب تماماً أن هذا السحق الوحشي للبنية المدنية الفلسطينية بشرياً ومادياً – كنموذج مكثف في حي الزيتون ورفح – ليس إلا وقوداً سيكلوجياً شعبياً للمقاومة ومحفزاً لها ، وزيادة في سماكة جدار الكراهية .

 

أما أن غزة ليست لبنان ، فهذا صحيح ، فهي ليست لبنان تماثلاً ولكنها تشكل معضلة استراتيجية له ولقيادته أعظم من لبنان . لكونها المستنقع العسكري الذي يغوص به جنوده حتى الركب وربما في حالات حتى التراقي . ناهيك عن الكثافة الديمغرافية وضيق الرقعة الجغرافية التي تعزز المأزق الأول وتزيد من حدته .

 

تأثيرات هذا المستنقع – الذي لا يعترف به يعلون – عكستها استطلاعات الرأي في الصحف العبرية ، إذا أشارت معاريف في استطلاعها ليوم الجمعة 14/5/2004م أن 79% يؤيدون الانسحاب من غزة (40% منهم يؤيدون الانسحاب الفوري و39% يؤيدونه بموجب اتفاق مع الفلسطينيين) . كما أن أحزاب العمل وياحد وعام أحاد وحركة السلام الآن وحركة الكيبوتسات ومجموعة جنيف يخططون لتظاهرة ويوم حداد في ساحة رابين بتل أبيب يوم السبت 15/5/2004م تعبيراً عن حدادهم على مقتل الجنود في غزة وتأييدهم الصارخ للهروب من منها . وكذلك فقد انهار موقع رئيس الحكومة - القاتل شارون - على شبكة الانترنت جراء موجة من آلاف الرسائل الالكترونية الاحتجاجية الموجهة من أمهات يهوديات تطالبه بالانسحاب من غزة . وقد انطلقت هذه المبادرة من قبل حركة نسائية سمّت نفسها "شوبي" برئاسة د. دالية مجيدو .

 

ويعلون نفسه كان على رأس الفريق الأمني والعسكري الذي تقدم لشارون قبل فترة ليست بعيدة بتقدير موقف مفاده أن الصراع  مع الفلسطينيين لن تحسم بالأدوات العسكرية فقط ، وبالتالي على المستوى السياسي أن يفكر بخيار سياسي من نوع ما . وكان هذا التقدير المذكور بداية الضغوط التي أرغمت شارون على سلوك الخيار السياسي الذي ولد جنينه المشوه بمسمى "خطة فك الارتباط" .

 

سيد يعلون ورئيس فريقه الإجرامي – شارون – يعاني من هزيمتين الآن :

 

- فشل سياسي ذريع تمثل في عدم قدرته على تمرير خطته التي شغل الناس بها ، وإخفاقه في تنفيذها ؛ برغم تسويقها باعتبارها الخيار المنقذ للمأزق الصهيوني وفق رؤية شارون

- إخفاق عسكري كبير في معركة غزة تجسد بسقوط عدد كبير نسبياً من الجنود ، وهو فشل عسكري متميز ، بل هو نموذج لعبقرية الفشل الذي أخترعها الجيش الصهيوني خلال الانتفاضة الجارية

 

هذان الفشلان هما عنوان المرحلة في المشهد الصهيوني ، بل يمكن اعتبارهما صورة مصغرة للنتيجة النهائية للصراع الدائر بين الطرفين . وهي حالة لو نظر لها المرء دون أن يلبس نظارة الانكسار العربي لقرأها على أنها انتصار فلسطيني ميداني يحتاج لاستثمار من الغلاف العربي المتخاذل ، وربما المتواطىء .

 

السؤال المتكرر والموجع أيضا ، أين العرب من هذا المشهد الفلسطيني المثمر برغم تقرّح الجراح ، وأين هم من صوت "وفاء" المرأة الفلسطينية المحاصرة في رفح وهي تنادي عبر فضائية الجزيرة الضمائر العربية المعلبة ، وحدثّتهم عبر الأثير كيف أنها سقت أطفالها من بولهم بسبب شدة الحصار وانقطاع الماء والكهرباء .

 

والسؤال المحير الآخر ، إذا لم يقتنع العقل السياسي العربي بجدوى المقاومة وثمارها السياسية ، فأين الضمير العربي (إنسانياً) من صوت هذه المرأة الفلسطينية المحاصرة .

 

المقاومة الفلسطينية قامت بتمزيق النمر الورقي – الجيش الصهيوني – في حي الزيتون ورفح ، بينما انحصر الدور العربي بوظيفة الوسيط المحايد من أجل استرجاع أشلاء قتلى الجنود الصهاينة . ولاحظوا يا أولي الألباب العرب هذه المفارقة السريالية : دور عربي وسيط ومحايد بين الفلسطينيين المعتدى عليهم واليهود القتلة .

 

خلاصة المشهد الموجع ، معادلة فلسطينية متمردة لا تخضع لمؤثرات الانكسار رغم ضخامتها ، ومعادلة أخرى عربية سريالية لا يمكن تفكيكها بأية لغة إنسانية . والأدهى من ذلك الضمير العربي الشعبي الانتقائي الذي يتحرك وفق معايير غير مفهومة  - ربما تفهمهما الجامعة العربية - ، فهو قد تحرك أثناء حصار الفلوجة وأقام الدنيا من أجلها ، وهي حركة واجبة ولازمة وتستحق الفلوجة أكثر من ذلك .

 

ولكن ، أليست رفح أختاً للفلوجة في العقيدة والعروبة ؟ أليس الدم واحدا ؟ والعدو ذاته ! أليست هذه حالة من عجائب الضمير العربي المعاصر الذي لا يمكن تشخيص حالته : أهو نائم أم يقظ ، أم أن هناك حالة لا أفهمها أتركها لأهل الاختصاص .