الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

في المسافة بين "العزّين" لم و لن يسجد لهم كبرياء المقاومة

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

 

عزّ الدين الأول شاميٌ ارتقى شهيداً فوق التراب المقدسيّ ..

و عزّ الدين الثاني مقدسيٌ عانق الشهادة ً فوق التراب الشاميّ ..

كلاهما من مدرسة المقاومة المستمرة ، طويلة النفس التي لا يسجد كبرياؤها على تراب الانكسار برغم تقرّح الجراح و احتراقها . متمرّدان على "نظرية الأقلمة" و التشطير "السايكسبيكي" . يؤمنان أن الثغر الفلسطيني ، وقفٌ إسلامي لا يباع و لا يشترى في سوق النخاسة الدولي .

 

و كلاهما قرأ في مصحفه أن الأقصى لنا ، و فقِهَ من سورة الأنفال أن المقاومة هي سبيلنا إليه ، و أدرك أن الشهادة هي دفتر العزة ، و قِبلة الرجال الرجال .

 

تمرّدا على وهن الإرادة و شهوة الطين ، و هاجرا من أجل المقاومة و تبادل أحدهما موطن الآخر ، و كانت فلسطين تسكن قلبيهما كعروسٍ شامية يداعبها "المتوسط" ، أحبّاها ليس لترابها و زرقة بحرها و اخضرار زيتونها ، و لكن لأن نفحات المسرى و سجدات الصحابة على ثراها استقطبت مهجتي قلبيهما .

 

في المسافة الزمنية بين "العزّين" ، و الجغرافية بين يعبد و دمشق لم يفرغ الفضاء من طعم المقاومة أبداً ، و لم تخْلُ الرياح الشامية من نكهة البارود ، و لم يخْبُ وهج العزة في صدور الرجال . و سيظلّ الشفق المقدسيّ مخضّباً بحنّاء الشهداء حتى ترحل بساطير الغزاة .

 

شارون و جوقة القتلة لن يكسِروا شوكة المقاومة ، و في صراع الإرادات بين الغزاة و الأحرار يحدّثنا التاريخ أن الغلبة لأهل الأرض ، أما الغزاة فعابرون مثلما تعبر السحابة الصيفية فضاء العزلة في سماء الصيف الصافية . و ربما يتبقّى لهم بقايا فخّار متهشّم تحفظه لهم الكهوف المعتمة .

 

و حتى على المدى القريب ، لن ينقِذ شارون قفزته نحو دمشق ممتطياً صهوة تهوّره الجموح هارباً من أزمة استراتيجية يغرق فيها حتى التراقي ، مستغلاً مناخ الهيمنة الأمريكية المشبّع بانكسار الموقف العربي الرسمي .

 

و لكن شارون يدرك و مؤسسته العسكرية أن استراتيجية الجيش الصهيوني العليا هي :

حماية وجود "إسرائيل"

الحفاظ على سيادتها و وحدتها الإقليمية

تأمين حماية سكان الدولة

إحباط محاولة جهود العدو لتشويش الحياة فيها

 

و يدرك أيضاً أن "جيشه الذي لا يقهر" قد فشل في تحقيق مفردتين أساسيتين من استراتيجيته العليا ، لأن المقاومة أوجدت معادلةً للصراع رغم اختلال ميزان القوى استطاعت من خلالها أن تدمّر نصف مفردات استراتيجية الجيش الصهيوني ، و هي ضرورة تأمين حماية سكان الدولة و إحباط محاولة العدو للتشويش على استقرار حياتهم . و لهذا تتردّد في الكيان الصهيوني مقولة شهيرة و بالذات على ألسنة ضباط المؤسسة العسكرية و هي "إنها الحرب الأشدّ التي شهدها الجيش (الإسرائيلي) ، الحرب على البيت" . في إشارة للمأزق الاستراتيجي الذي يعيشه الكيان الصهيوني جرّاء الانتفاضة الجارية . و قد اعترف اللواء احتياط عوزي ديان بهذا الفشل بشكلٍ غير مباشر حينما كان رئيساً لمجلس الأمن القومي الصهيوني قائلاً : "لم يُجرَ أبداً بحثٌ لسيناريو يرسم مثل هذا المسار ، إذ أن معناه اعترافٌ بالفشل ، مثل هذا الوضع يتناقض مع المفهوم الأمني المعلن و النظرية القتالية للجيش (الإسرائيلي)" . و ها هي المستوطنة "إيلانة زهافي" من مستوطنة سديروت التي تتعرّض لقصف صواريخ القسّام بشكلٍ دائم تقول و تؤكّد الفشل العسكري في تأمين الحماية : "نحن ندرس بمنتهى الجدّية فكرة هجر هذه البلدة ، و كنا في السابق نقول هذا بيتنا و لن نتركه . أما الآن فإننا نفكّر بالأولاد و التعليم و العمل ، لقد تغيّر مجرى حياتنا ، فنحن نعيش في رعبٍ دائم ، لا ندري متى سيسقط الصاروخ الثاني و أين" . إنها معادلة توازن الرعب التي نحتتها المقاومة و فشلت المؤسسة العسكرية الصهيونية في تفكيك شفرتها ، و يعجز العقل السياسي العربي الرسمي الراهن عن استكناه قوّتها ، نظراً لعفونة طحالب الهزيمة التي تتغشّاه .

 

و حقيقةٌ ينبغي أن تستقرّ في ذهن شارون و زمرته و هي أنه حتى و لو غيّر قواعد اللعبة و عمل على توسيع المساحة الجغرافية للصراع مع المقاومة ، لن تتغيّر الأشياء كثيراً مهما أضمر من أهداف ظاهرة و باطنة ، لأن المقاومة كانت قائمة قبل عزّ الدين الأول في يعبد و استمرت في فترة ما بين "العزّين" ، و ستستمرّ بمشيئة الله بعد استشهاد عزّ الدين الغزّي في دمسق ، لأنها عنوان العزّة الذي تتشوّق له قلوب الأحرار من أبناء الأمة ، و لأنها آياتٌ تتلى في قرآن ربّنا لن تستدبرها أمة وصفها ربها بأنها خير أمة أخرجت للناس .

 

رحم الله "العزّين" ، رحمة واسعة ، و رزقنا مثلما رزقهما ، و إنا على دربهما إن شاء الله لسائرون .