|
عزّ الدين الأول
شاميٌ ارتقى شهيداً فوق التراب المقدسيّ ..
و عزّ الدين
الثاني مقدسيٌ عانق الشهادة ً فوق التراب الشاميّ ..
كلاهما من مدرسة
المقاومة المستمرة ، طويلة النفس التي لا يسجد كبرياؤها على تراب
الانكسار برغم تقرّح الجراح و احتراقها . متمرّدان على "نظرية الأقلمة" و
التشطير "السايكسبيكي" . يؤمنان أن الثغر الفلسطيني ، وقفٌ إسلامي لا
يباع و لا يشترى في سوق النخاسة الدولي .
و كلاهما قرأ في
مصحفه أن الأقصى لنا ، و فقِهَ من سورة الأنفال أن المقاومة هي سبيلنا
إليه ، و أدرك أن الشهادة هي دفتر العزة ، و قِبلة الرجال الرجال .
تمرّدا على وهن
الإرادة و شهوة الطين ، و هاجرا من أجل المقاومة و تبادل أحدهما موطن
الآخر ، و كانت فلسطين تسكن قلبيهما كعروسٍ شامية يداعبها "المتوسط" ،
أحبّاها ليس لترابها و زرقة بحرها و اخضرار زيتونها ، و لكن لأن نفحات
المسرى و سجدات الصحابة على ثراها استقطبت مهجتي قلبيهما .
في المسافة الزمنية
بين "العزّين" ، و الجغرافية بين يعبد و دمشق لم يفرغ الفضاء من طعم
المقاومة أبداً ، و لم تخْلُ الرياح الشامية من نكهة البارود ، و لم
يخْبُ وهج العزة في صدور الرجال . و سيظلّ الشفق المقدسيّ مخضّباً بحنّاء
الشهداء حتى ترحل بساطير الغزاة .
شارون و جوقة القتلة
لن يكسِروا شوكة المقاومة ، و في صراع الإرادات بين الغزاة و الأحرار
يحدّثنا التاريخ أن الغلبة لأهل الأرض ، أما الغزاة فعابرون مثلما تعبر
السحابة الصيفية فضاء العزلة في سماء الصيف الصافية . و ربما يتبقّى لهم
بقايا فخّار متهشّم تحفظه لهم الكهوف المعتمة .
و حتى على المدى
القريب ، لن ينقِذ شارون قفزته نحو دمشق ممتطياً صهوة تهوّره الجموح
هارباً من أزمة استراتيجية يغرق فيها حتى التراقي ، مستغلاً مناخ الهيمنة
الأمريكية المشبّع بانكسار الموقف العربي الرسمي .
و لكن شارون يدرك و
مؤسسته العسكرية أن استراتيجية الجيش الصهيوني العليا هي :
حماية وجود
"إسرائيل"
الحفاظ على سيادتها
و وحدتها الإقليمية
تأمين حماية سكان
الدولة
إحباط محاولة جهود
العدو لتشويش الحياة فيها
و يدرك أيضاً أن
"جيشه الذي لا يقهر" قد فشل في تحقيق مفردتين أساسيتين من استراتيجيته
العليا ، لأن المقاومة أوجدت معادلةً للصراع رغم اختلال ميزان القوى
استطاعت من خلالها أن تدمّر نصف مفردات استراتيجية الجيش الصهيوني ، و هي
ضرورة تأمين حماية سكان الدولة و إحباط محاولة العدو للتشويش على استقرار
حياتهم . و لهذا تتردّد في الكيان الصهيوني مقولة شهيرة و بالذات على
ألسنة ضباط المؤسسة العسكرية و هي "إنها الحرب الأشدّ التي شهدها الجيش
(الإسرائيلي) ، الحرب على البيت" . في إشارة للمأزق الاستراتيجي الذي
يعيشه الكيان الصهيوني جرّاء الانتفاضة الجارية . و قد اعترف اللواء
احتياط عوزي ديان بهذا الفشل بشكلٍ غير مباشر حينما كان رئيساً لمجلس
الأمن القومي الصهيوني قائلاً : "لم يُجرَ أبداً بحثٌ لسيناريو يرسم مثل
هذا المسار ، إذ أن معناه اعترافٌ بالفشل ، مثل هذا الوضع يتناقض مع
المفهوم الأمني المعلن و النظرية القتالية للجيش (الإسرائيلي)" . و ها هي
المستوطنة "إيلانة زهافي" من مستوطنة سديروت التي تتعرّض لقصف صواريخ
القسّام بشكلٍ دائم تقول و تؤكّد الفشل العسكري في تأمين الحماية : "نحن
ندرس بمنتهى الجدّية فكرة هجر هذه البلدة ، و كنا في السابق نقول هذا
بيتنا و لن نتركه . أما الآن فإننا نفكّر بالأولاد و التعليم و العمل ،
لقد تغيّر مجرى حياتنا ، فنحن نعيش في رعبٍ دائم ، لا ندري متى سيسقط
الصاروخ الثاني و أين" . إنها معادلة توازن الرعب التي نحتتها المقاومة و
فشلت المؤسسة العسكرية الصهيونية في تفكيك شفرتها ، و يعجز العقل السياسي
العربي الرسمي الراهن عن استكناه قوّتها ، نظراً لعفونة طحالب الهزيمة
التي تتغشّاه .
و حقيقةٌ ينبغي أن
تستقرّ في ذهن شارون و زمرته و هي أنه حتى و لو غيّر قواعد اللعبة و عمل
على توسيع المساحة الجغرافية للصراع مع المقاومة ، لن تتغيّر الأشياء
كثيراً مهما أضمر من أهداف ظاهرة و باطنة ، لأن المقاومة كانت قائمة قبل
عزّ الدين الأول في يعبد و استمرت في فترة ما بين "العزّين" ، و ستستمرّ
بمشيئة الله بعد استشهاد عزّ الدين الغزّي في دمسق ، لأنها عنوان العزّة
الذي تتشوّق له قلوب الأحرار من أبناء الأمة ، و لأنها آياتٌ تتلى في
قرآن ربّنا لن تستدبرها أمة وصفها ربها بأنها خير أمة أخرجت للناس .
رحم الله "العزّين"
، رحمة واسعة ، و رزقنا مثلما رزقهما ، و إنا على دربهما إن شاء الله
لسائرون .
|