|
السلام عليكم
ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله
سبّح العجوزان
الفلسطينيان بُعيد الصلاة ما شاء الله لهما أن يُسبّحا .. ودار بينهما
حوار عجائزي بين جنبات الأقصى الأسير :
- يتقبّلَّ الله
يا بو محمود
-
الله يقبل منا ومنكم
-
يازلمة هوّا الأقصى إلنا لحالنا .. شو مالهم
هالمسلمين ساكتين .. هيّا مآذن الأقصى مش بتكبّر الله مثل مآذن حرم مكة
والمدينة .. ياعمّي بدناش طياراتهم ولا دباباتهم ومش عايزين منهم إشي ..
بس بدنا يحموا هالأقصى .. يازلمة .. هوّا مش مسرى نبيهم .. اللهم صلي
عليه ... صمت ودموعٌ مقهورةٌ تتلألأ في عينيه وتنحدر جنوباً نحو غابة
الشعر في لحيته . فأجابه العجوز المرافق له بثقة بالغة :
-
يابو محمود .. أمة محمد على خير .. ولازم ييجي يوم
تصحا فيه ..!!
هذا الحوار
العجائزي الفلسطيني الذي يحمل في مضامينه مرارة الشكوى وبريق الأمل ليس
مشهداً درامياً للاستمتاع .. وليس حكاية فلكلورية فلسطينية للتسلية .
أبو محمود يتحدث
عن غياب العمق الاستراتيجي للشعب الفلسطيني ويؤلمه هذا الثقب العربي
الاستراتيجي الذي أحدثته الهيمنة الأمريكية تطبيقاً لاستراتيجية الليكود
الداعية للضغط على الغلاف الإقليمي لكي يخضع القلب الفلسطيني . فقد تعلم
هذا العجوز وهو في بيارات يافا عندما كان يطلق النار على الجنود الإنجليز
من بارودته العتيقة أن لب الصراع هو قضية فلسطين ، ويستغرب الآن وهو يجلس
على سجادة الأقصى بعد أداء الصلاة حالة الخذلان العربي .. ويقهره هذا
الصمت الجنائزي الذي يخيم على العواصم العربية .
أبو محمود لا
تهمه تفاصيل المشهد السياسي الإقليمي ولا يقيم وزناً لمشروع بوش لدمقرطة
الشرق الأوسط الكبير . ما يهمه .. مآذن الأقصى وهو يخاف عليها .. وكلما
أفاق صبيحة كل يوم يسرع ويتجه نحوها لينظر إليها .. هل ما زالت تخترق
فضاء القدس متوازية مع معراج الصخرة المشرفة .. وكلما شاهدها توجه للقبلة
داعياً .. اللهم عجّل بصلاح الدين الجديد .
ولكن أبا محمود
رغم بساطته يدرك أن الإدارة الأمريكية تريد أن تزيف ذاكرته وتعمل لمحو
حقول المعرفة الأساسية في الذاكرة العربية . وأحدى أدواتها المستحدثة في
هذا الشأن مشروع الدمقرطة الوهمي الذي يروج له تاجر الحرية وراعي البقر
الأمريكي .
أمريكا في هذا
السياق تريد أن تؤسس لثقافة بمقاس أمريكي ولا بأس من أعتبار بعض المعايير
الأوروبية لضمان تأييد التابع الأوروبي كي تدفع أمثال وزير خارجية
ألمانيا يوشكا فيشر لكي يقول بأن مشروع الدمقرطة غير مرتهن بمصير الصراع
القائم بالمنطقة . وهي الصورة التي تجهد واشنطن لرسمها لطمس تأثيرات
سياستها المنحازة تجاه المشروع الصهيوني ، فهي تطمح لفك ارتباط الأزمة
القائمة بالمنطقة مع جوهر الصراع لتحوّل الأنظار باتجاه هموم محلية
واقليمية لإشغال النخب والشعوب عن القضية الأساسية المتمثلة بالاحتلال
القديم لفلسطين والاحتلال الجديد للعراق .
في الثقافة الشرق
أوسطية الجديدة ستصبح "إسرائيل" دولة إقليمية تتمتع بشرعية الوجود ، ووفق
المقاس الأمريكي المعولم ستغدو المقاومة : إرهاب ، والتديّن الفاعل :
أصولية ، والمناهج التعليمية ستقلب رأساً على عقب من أجل إنتاج أطفال
بدون بوصلة ثقافية وجيل "منزوع الكرامة" .
ولكن أمريكا في
معركتها الديمقراطية مع ذهنية أبي محمود السائدة بالمنطقة ستواجه عقبتين
:
- تناقض مشروع
الدمقرطة مع مصالح الوكلاء الإقليميين حماة المصالح الأمريكية بينما
الطرف المستهدف وهم الشعوب لا يتوافقون مع السياسات الأمريكية
- نافذة
الديمقراطية المقترحة ستكون قناة لنفاذ التيار الإسلامي واقترابه من سلطة
القرار أو على الأقل ستخلق هذه النافذة مناخاً ملائما لنماء هذا التيار
المتناقض مع المصالح الأمريكية
في الحالة الأولى
ربما تقايض واشنطن وكلاء الأقاليم .. ففي مقابل فرصة البقاء .. عليهم أن
يخضعوا أكثر للأجندة الأمريكية وبالتالي سيكتظ الأقليم بجملة من
"القرضايات" .
وفي الحالة
الثانية تنصح بعض الأوساط الأمريكية أن تعمد الإدارة الأمريكية للتقارب
مع التيار الإسلامي ودمجه بالسلطة ولكن على نمط الليبرالية الدينية التي
تجسدها حكومة أردوغان التركية ، مقابل أن يغضوا الطرف عن عملية التسوية
للملف الفلسطيني وفق الأجندة الصهيونية . أو ربما كما يُستنتج من بعض
التلميحات أن تعمد واشنطن لتفجير التيار الإسلامي من داخله كما حدث في
الحالة التركية إذ إنقلب أردوغان على أربكان وتوافق الأول مع مفردات
السياسة الأمريكية وعلى إثر ذلك منحته إحدى المنظمات اليهودية الأمريكية
أعلى وسام يمنحه اليهود لمن يتوافق مع مصالحهم .
ومع هذه الصورة
التي تبدو غير متفائلة إلا أني أهدي أبا محمود وكل من يحمل هم الأقصى
وهموم الأمة هذه الخلاصة التاريخية التي أدركها أحد أعدائنا وهو الجنرال
"وشيه كلاو" أحد أهم أبرز أصدقاء شارون إذ يقول : " لم يعد يغمض لي جفن
بعد أن تعددت قراءاتي لملابسات معركة حطين التي انتصر فيها "العرب" على
الصليبيين، خصوصا بعد أن لاحظت أن أوضاع العرب والمسلمين في المرحلة التي
سبقت المعركة لم تقل سوءا عن وضعهم الآن، ومع ذلك حققو نصراً غيّر من شكل
المنطقة.."
|