الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الإمبراطورية المنفلتة وولايتها الشرق أوسطية والعبث بالمقدّس

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

   

تدنيس المصحف في معتقل "غوانتانامو" ليس عملاً معزولاً في سياق السياسة الأمرييكيّة الحالية؛ بل هو جزءٌ من الحرب التي تستهدف الشخصية الحضارية للأمة؛ وهي برغم النفي المعلن "حربٌ ضدّ كلّ ما هو عربي مسلم، وإذا شئنا فهي ضدّ كلّ ما هو غير يهوديّ مسيحي" وفق مقولة عالم المستقبليات المغربي المهدي المنجرة في كتابه الذي أصدره في أيار 2004م بعنوان "الإهانة في عهد الميغا إمبريالية".

 

المتتبّع لممارسات السياسة الأمرييكيّة بالمنطقة كترجمةٍ ميدانية؛ وما يصدر من تقارير من المراكز البحثية المتنفّذة لدى الإدارة الأمريكيّة حول المشرق العربي والإسلامي، يصل إلى قناعةٍ أنّ الاستراتيجية الأمريكيّة في مضمونها المستبطن تستهدف أنظمة القيم؛ وما يدور في فلكها من نظام أفكارٍ يخصّ الشخصية الحضارية للمنطقة، بغية خلق نطاقٍ جيوسياسي جديد مائع الهوية بهدف شرعنة وجود ولايتها الشرق أوسطية "إسرائيل".

 

السياسة الأمريكية في سابق عهدها؛ كانت في ميدان المواجهة مع المنطقة تفرّق بين الإسلام؛ وما بين ما تسمّيه الإسلام السياسيّ؛ في استراتيجيةٍ تبتغي من ورائها عزل الإسلام الحيويّ ورموزه عن الإسلام التقليديّ ورجالاته، لكنّها في اللحظة الراهنة تستهدف الإسلام ذاته تحت ستار ما تسمّيه مكافحة الإرهاب، بل إنّ الحملة الأمريكية في ذروتها تجرّأت ومسّت النص الديني بشكلٍ مباشر. وتمثّل ذلك في وصف القرآن الكريم بأنّه "مَنافِستو الإرهاب" من قِبَل رموزٍ هامة في الوسطين السياسي والأكاديمي وحتى ممّن همْ في نطاق دائرة القرار؛ وحدثت تعدّياتٌ مباشرة على شخصية الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، بل وصل مداها حدّ إعلان بعض الجهات الأمريكيّة عن تأليفها لـ"قرآنٍ جديد" وفق التفسير الأمريكي للإسلام أسمته "الفرقان الجديد".

 

ما يُدْرَك بدهياً؛ أنّ الحملة الأمريكيّة ليست جديدة على المنطقة؛ إذ إنها في بؤرة الاهتمام الأمريكي منذ عقود عديدة، لكن الانقلاب الاستراتيجيّ في مضمونها هو اللافت؛ والمحفّز في ذات الوقت لمخاوف عميقة تتّسع لتشمل كلّ من ينظر للإسلام على أنّه هويته؛ بمعنى أنّ الخطاب الأمريكي الجديد استفز حتى طيف الإسلام التقليديّ وفضاءاته التي كانت محيّدة.

 

المشهد الإمبراطوريّ الأمريكي المنفلت –بحسب المصطلح الذي صكّه بول كنيدي- وصل حدّاً غير مسبوقٍ في السياق التاريخيّ؛ إذ لم يشهدْ التاريخ أية محاولة إمبراطورية لإعادة إنتاج الهوية بالقسر بحسب النموذج الأمريكي الراهن، مع أنّ الفارق شاسعٌ بين البنية الذهنية القديمة المبسّطة قياساً مع الذهنية المعاصرة المعقّدة؛ وبالتالي هذا يشير للطفولة السياسيّة وإنْ شئت الحضارية لمن يمارس هذا الدور؛ مهما بلغت قوّته المجرّدة.

 

وكنموذجٍ على غياب الرشادة الحضارية عن ظاهرة القوة الأمريكية؛ في سياق الجدل الاستراتيجيّ حول السؤال النمطي الذي ساد بعد أحداث 11 سبتمبر "لماذا يكرهونا؟"؛ يقول صاحب كتاب "ترّهاتٌ إمبريالية" والمسؤول الرفيع في وكالة المخابرات المركزية الذي مُنِع من إدراج اسمه على كتابه؛ إنّه وبسبب الترّهات والعجرفة الأمريكيّة؛ عوضاً عن طرح السؤال "لماذا" قام المهاجمون بما قاموا وعن أيّ مناخٍ يصدرون؛ سيطر سؤال "كيف" ننتقم". وهذا مؤشّرٌ على الانغلاق المحكَم التي ستدفع ممارساته الانتقامية إلى زيادة حدّة الاستقطاب والعداء بدلاً من تفكيك ظاهرة العنف.

 

في نفس الإطار الإمبراطوري المتعجرف؛ يرفض العقل السياسيّ الأمريكيّ الاعتراف أنْ يكون سبب العداء لأمريكا هو خطأ السياسة الأمريكية؛ وبدلاً من ذلك؛ تركز كافة الأطروحات الأمريكيّة التي تتضمّنها توصيات المراكز البحثية المتصهينة المتنفّذة على إعادة إنتاج ذهنية المنطقة لفهم السياسة الأمريكيّة كما هي، وكأنّ الخطأ هو قصورٌ في العقل العربي والمسلم؛ وليس خطأ السياسة الأمريكية.

 

مردّ هذه العجرفة الإمبراطوريّة من قِبَل واشنطن؛ ربما يكون سببه فائض القوة العسكرية وفقاً للعقيدة الداروينيّة السياسية التي تغلّف العقل الاستراتيجي الأمريكيّ. وبلغة الأرقام فإنّ أمريكا تمتلك 732 منشأة عسكرية في أكثر من 130 دولة، وتعادل ميزانيتها العسكرية 12 إلى 15 من الدول التي تليها في المرتبة، ويبلغ مجمل إنفاقها العسكريّ حوالي 50% من الإنفاق العسكريّ لكافة دول العالم الـ(189).

 

مع ذلك "أطروحة القوة" لا يمكنها تفسير الظاهرة الأمريكية المنفلتة؛ وربما نجدُ منظوراً آخر يقترب منها أكثر؛ من خلال الغوص الفلسفيّ في العقل الأمريكيّ، وفي محاولةٍ بهذا الاتجاه يشير ميشال بوغنون موردان في كتابه "أمريكا التوتاليتارية: الولايات المتحدة والعالم إلى أين؟"، مفسّراً ظاهرة التعجرف الإمبراطوري الأمريكيّ؛ بإرجاعها للعقيدة الكالفينيّة المسيطرة على الذهنية الأمريكية والتي مفادها "لئن كان الله قد سمح بأنْ يجتمع في أرض أمريكا شعبٌ من رجالٍ ونساء مميّزين، فذلك لأنّه منح هذا الشعب رسالة حكم العالم ذات يوم".

 

الترجمة السياسيّة لهذه العقيدة؛ أنّ مصلحة العالم هو ما تراه أمريكا؛ وبالتالي هنالك تساوقٌ بين المصلحة الأمريكية والعالمية، وفرانكلين يشير إلى ذلك بوضوح إذ يقول: "إن الولايات المتحدة ستكون مولّدة لمجتمعٍ عالميّ، المؤسسات والعادات والمبادئ الأمريكية جاهزة للتطبيق في كلّ مكان". وهي نفس الآفة التي تصيب العقل الصهيونيّ المعتمِد على مقولة الاستعلاء اليهوديّ "شعب الله المختار".

 

بريجنسكي بعقليته الاستراتيجية الاستشرافية يدرك خطأ هذا المسار الأمريكي المؤدّي -كما يقول- إلى ذهنيّة وحالة الحصار. ويشير بذكاءٍ إلى تقدّم التواصل العالميّ عبر التقنية المعاصرة التي بأدواتها يمكن استهداف قلب الإمبراطورية؛ وبالتالي ستضطر إلى العيش في مناخٍ مشحون بانعدام الأمن كحالةٍ مزمنة.

 

وبريجنسكي محقّ في ذلك؛ وأقرب إشارةٍ تؤكّد هذا الاستخلاص؛ عندما هرب إمبراطور واشنطن من "ذبابة إلكترونية" جسّدتها طائرةٌ اقتربت من حمى البيت الأبيض. بل إنّ أسطح المباني الشاهقة في الولايات المتحدة ولأوّل مرّة تعجّ الآن بمئات الرجال من حملة الصواريخ التي تطلق من على الكتف في تحسّبٍ لهجومٍ جويّ على مرافق حكومية على نسق أحداث 11سبتمبر.

 

أمريكا بسلوكها الإمبراطوري الفجّ؛ وخاصة في المشرق العربي والإسلاميّ؛ المتمثّل بالتعدّي المباشر على المقدّس كما حصل في غوانتانامو والمحاولات الاعتباطية لإعادة إنتاج الهوية؛ والسماح لاستخباراتها بالتعدّي على أعراض المسلمات في أقبية أبو غريب، وكذلك ولايتها الشرق أوسطية التي دنّس رجالها المصحف الشريف في سجني "مجدو" و"نفحة"؛ إنما تقومان بشحنٍ للبطارية الدينيّة للجسم الإسلاميّ وتدفعه لمواجهة هذا العبث الإمبراطوري المنفلت. وفي لحظةٍ ما لن تجديَ كافة الوصفات الوهمية التي تنتجها صيدلية السياسة الأمريكية، وحينها أيضاً لن تنفع شفرة القوة المتغطرسة التي تحتلّ أدمغة قادة واشنطن وتل أبيب.