الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

عفواً "سولانا": الديمقراطية ليست مقاولة سياسية

 

مقال/ عبد الرحمن فرحانة-

 19/12/2005

   

عندما هدّد مجلس النواب الأمريكي السلطة الفلسطينية وبلغة ابتزازية بوقف المساعدات الأمريكية إذا دخلت "حماس" الانتخابات التشريعية الفلسطينية لم يصبْ المرء بالدهشة؛ لأنّ "مشرّعي روما الجديدة" يليق بهم أنْ يتحدثوا بلغة إمبراطورية، "ويحق لهم" أنْ يفرضوا ما يشاءون من قوانين ومعايير سياسية للأقنان الهائمين في ولاياتهم البعيدة ما وراء البحار.

 

قيصر روما الجديدة يباح له ما لا يباح لغيره؛ ورغبته "المقدسة" فوق حقّ الشعوب المستضعفة؛ ولا مانع من أنْ تذبح حرية الشعوب قرباناً على عتبة قصره الأبيض طلباً لرضاه الإمبراطوري؛ وليته يرضى.

 

ولكن سولانا عندما يتحدث بنفس اللهجة الإمبراطورية؛ ما يريد أنْ يقول؟

هل يريد أنْ يفهمنا بأنّه نائب للإمبراطور مثلاً؛ أم لعله لم يغادر ذهنية المستعمر بعد؛ ويودّ أنْ يذكّرنا بأننا ما زلنا عمّال حراثة في حديقة أوروبا الجنوبية؛ وبالتالي علينا أنْ نحرث الحديقة وأنْ نزرعها بالديمقراطية الغربية وفق معايير مختبر الجودة والنوعية الأوروبي.

 

نقول لسولانا ؛ إنّ هذا الأداء "الإمبريالي" الفجّ لا يصلح لتسويق المفاهيم في عصر العولمة؛ خاصةً في فضاء أمّةٍ لم يُجْدِ معها الإكراه الكولونيالي الفظ؛ وفشلت معها كل محاولات التذويب الحضاري الناعمة.

 

وعلى المنسق الأعلى للسياسة الخارجية في الإتحاد الأوروبي أنْ يدرك أنّ الشعب الذي صنع ظاهرة الاستشهاد وحوّل الموت إلى لعبة شعبية؛ وجعل من أعضاء أجساد أبنائه أداة مقاومة حينما عزّت عليهم أدوات القوة؛ ليس لديه قابلية الخنوع والانكسار؛ فالإرادة التي مزجت رائحة البارود بمسك الجسد لا يكسرها ابتزاز المال السياسي.

 

لا يدرك سولانا أنّ الثقافة السياسية لهذا الشعب طوال قرن من الصراع جعلت من التمرّد جزءاً من شخصيته؛ لأنّه في الوعي الجمعي الفلسطيني أسُّ البقاء؛ وعليه فليس من الحكمة أنْ يتحدث بهذه النبرة الابتزازية؛ وليدع عنه نصائح "كهان" التسوية؛ الذين يمسخون أشواق الشعب الوطنية ويختزلونها في مزارع فلفل ويهدون "رايس" جزءاً من إنتاجها في علب فاخرة ويتوسّلونها كي تتوسط لهم ليسمح "السيد الصهيوني" بفتح معابر التصدير لهذا الإنتاج الاقتصادي العظيم.

 

وبلغة السياسية؛ ماذا يريد سولانا؟

هل يريد أنْ يضغط على "حماس" كي تلقي بندقية المقاومة، لتصبح حزباً أو فصيلاً منزوع الشوكة يتبادل أوراق التفاوض مع الصهاينة في ظل معادلة قاهرة تفرض أجندة القوي على الضعيف. وهذا مطلب بالنسبة لحركة مقاومة يعني الانتحار؛ ولا أعتقد أنّ حركةً جعلت المقاومة العمود الفقري لبرنامجها مضطرة لهذا الانتحار السياسي. لأنّ من اختار المقاومة وحولها لخيار مثمر ويلتف الشعب من حوله راهناً غير مضطر لهذا الخيار العدمي.

 

وإذا كان مقصود سولانا هو الضغط على السلطة كي يدفعها لنزع سلاح المقاومة؛ فهو يدرك أنها غير قادرة على ذلك؛ لأنّ المقاومة غدت خياراً شعبياً؛ وفي المحصلة فإنّ السلطة في ظرفها الراهن لا تمتلك أدوات الإقناع في غياب الأفق السياسي؛ وليس بيدها أدوات الإكراه الأمنية اللازمة لفرض أجندة التسوية كما حدث في مرحلة أوسلو. فالواقع الفلسطيني جديد بتضاريسه وثقافته السياسية؛ ولم تعدْ تصلح معه الخيارات القديمة.

 

أما إنْ كان هدف سولانا هو زرع الألغام في طريق الانتخابات التشريعية الفلسطينية تمهيداً لنسفها؛ فأظنه يفقه مآلات هذا الخيار، ويعلم علم اليقين بأنّ نسف هذه الانتخابات يعني تفجير المشهد الفلسطيني برمته، ومع هذا الانفجار ستحترق مراهنات اتحاده الأوروبي وما شاكلها من حسابات سياسية.

 

وربما نتائج الانتخابات المحلية في مرحلتها الرابعة التي أظهرت تفوّق "حماس" أعادت إثارة الفزع الغربي التقليدي تجاه الظاهرة الإسلامية؛ وإذا كان هذا التشخيص دقيقاً؛ فعلى سولانا أنْ يخرج من إسار التخبّط السياسي الغربي تجاه هذه الظاهرة، وليحزموا أمرهم في الغرب الأوروبي وليعدوا خياراتهم جيداً وبكل وضوح؛ فالمشروع الإسلامي يملأ الأفق السياسي في كلّ الجغرافيا الإسلامية؛ فإمّا الحوار وإمّا الصدام؛ وعلى أوروبا أنْ نختار أحدهما بعيداً عن الأجندة الأمريكية والصهيونية؛ لأنّ ضفة المتوسط الجنوبية تقع في جغرافيا مجالها الحيوي.

 

وأخيراً برقية للمنسق الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي: عفواً سيد سولانا وأنت من بلاد الديمقراطية؛ ألسنا نستحق ديمقراطية كديمقراطيتكم وبنفس مقاساتكم؛ لأننا بشرٌ أمثالكم؛ وقد أهديناكم حضارتنا يوماً ما بكلّ تفاصيلها... بلى نستحق... فلا تشترط علينا... لأنّ الديمقراطية ليست مقاولة سياسية.