الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الانتخابات التشريعية: أمانة الاختيار

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

   

يقول حافظ البرغوثي في عموده اليوميّ في صحيفة الحياة الجديدة معلّقاً على تجربة الانتخابات الداخلية "البرايمرز" في حركة فتح: "لا أحد يمكنه أنْ يزعم أنّ "البرايمرز" كانت نزيهة بل كانت تجربة مقزّزة وصفعة لأيّ توجّهٍ ديمقراطي داخلي وطعنة في خاصرة حركة فتح..".

 

وفي معرض حديثه عن الممارسات المخلة بديمقراطية الاختيار يورد ثلاث طرائق للتلاعب بالنتائج:

1. المال ودوره في شراء الذمم للقيام بالتزوير بوسائل مختلفة.

 

2. النفوذ الأمني وتدخّله في العملية الانتخابية بشكلٍ سافر.

 

3. دور العناصر المسلحة من حركة فتح في فرض وإنجاح بعض المرشحين.

 

هذه اللوحة الانتخابية "الفتحاوية" مخيفة بدرجة كبيرة؛ ليس لأنها غير متوقعة؛ ولكن لأنها تنبّئ عن المدى التي وصلت إليه الحالة؛ وما يستتبع ذلك من مخاوف على العملية الانتخابية العامة للمجلس للتشريعي؛ وعلى المشهد السياسي الفلسطيني العام.

القراءة الفاحصة لهذا المشهد الانتخابي داخل حركة "فتح" الذي يشي بمدى الإغراق والتطرف في طلب السلطة يطرح سؤالاً إزاء هذا المشهد "السلطوي" المتكالب: إذا كانت هذه هي الذهنية السائدة داخل أطر الحركة؛ فكيف ستكون الحال خارجها في الفضاء السياسي الفلسطيني العام؟ وإذا كانت هذه هي حالة العلاقة مع أبناء التنظيم؛ فكيف الحال ستكون مع الخصوم السياسيين؟.

 

ذهنية الاستحواذ على السلطة والاستفراد بالقرار الفلسطيني ليست جديدة؛ لكن الظاهرة التي تكشفها العملية الانتخابية الداخلية هذه تجسّد عمق الحالة المرضية التي تصيب الحركة، بمعنى أنّ الحركة غدتْ حتى غير قادرة على التعاطي مع ذاتها. وبطبيعة الحال هنالك أسباب موضوعية وذاتية أدّت لاستفحال المرض حتى وصل إلى نخاع الحركة؛ وليس المجال هنا لمناقشة ذلك وهي معلومة للحركة ولغيرها.

ما يهمّنا هنا المشهد السياسيّ الفلسطيني وما ينتظره من انتخاباتٍ للمجلس التشريعي التي من المفترض أنْ تكون عتبة لنظامٍ سياسيّ جديد قائم على قاعدة الشراكة في صناعة القرار وتحمل المسؤولية، ولأفقٍ سياسيّ متعدّد الأطياف لخدمة الحقوق الوطنية بعيداً عن الأجندة الأحادية.

 

ما تقوله هذه السطور وغيرها في صفحاتٍ أخرى ضمّت مداداً كثيراً سال حول هذه الظاهرة ليس مساً بحركة فتح؛ بقدر ما هو تنبيهٌ حول حالة مرضية ليست متعلقة بمصير الحركة فقط، بل بالحالة الفلسطينية كلها.

وبصراحةٍ أكثر دعوني أقول إنّ المطلوب أنْ تجري عملية تفكيكٍ في اللاوعي "الفتحاوي" لحالة التماهي بين "فلسطين وفتح"، بمعنى أنّه ينبغي أنْ يرسّخ في وعي أطر الحركة أنّ "فتح" جزء من فلسطين؛ وليست كلّ فلسطين؛ وهي معادلة لا تمسّ بمكانة الحركة وتاريخها؛ بل تضع الأمور في نصابها؛ من غير إنقاصٍ لدور الحركة، وهذه المسافة ضرورة من ضرورات البناء السياسي القائم على التعددية اللازمة لمشهدٍ سياسيّ متباين الرؤى، وهذا المتطلّب ليس ترفاً سياسياً إنما هو حاجة وطنية لازمة؛ كي تتمكّن كافة القوى السياسية من قيادة السفينة الوطنية في محيطٍ هائجٍ متلاطم الأمواج.

وبين يدي الناخب الفلسطيني أضع توصية متواضعة؛ مذكّراً بأمانة الاختيار؛ لأنها في الحالة الفلسطينية أضخم من سواها في ساحات أخرى، ذلك أنّ الاختيار هنا متعلّق بفرز نخبة سياسية وقاعدة سياسية يقع على عاتقها ليس حماية الحقوق المدنية كما يجري في البرلمانات العادية؛ وإنما هنالك وظيفة مضافة أهمّ وهي حماية الحقوق الوطنية.

بكلمات مختزلة؛ ينبغي للمجلس التشريعي القادم أنْ يكون قاعدة نضالٍ لإصلاح الحياة المدنية الفلسطينية؛ ولحماية الحقوق الفلسطينية كرقيبٍ فاعل على أيّ جهة تنفيذية ستتولى صناعة القرار الفلسطيني. وحتى يتحقّق ذلك فعلى الناخب الفلسطيني أنْ يحسِن الاختيار؛ وأنْ يدرك مآلات اختياره.

كلمة أخيرة؛ نتمنّى أنْ تتخطّى الانتخابات "عتبة التأجيل" أولاً؛ لنرى من بعدها المشهد الفلسطيني الجديد.