|
تقرير "الصاندي
تايمز" البريطانية حول مزاعم تدعي أن " كتائب القسام" تعمل لاغتيال أبو
مازن يحمل إشارات تستبطن أكثر من معنى . مع العلم أن مصادر التقرير
"إسرائيلية".
النبأ ليس
منعزلاً ، فقد أتى في سياق حزمة من الأخبار. بعضها أشار لنفق في غزة تحت
الطريق التي يسلكها "دحلان" على مقربة من منزل "أبو مازن"، وأخرى تشير
إلى أن "القاعدة" تتهدد شخصيات من فتح والسلطة وتم تداول بعض الأسماء على
موقع رسمي فلسطيني . الأنكى هو الحديث الذي جرى موازياً لذلك ويشير إلى
علاقة ما بين "حماس" والقاعدة" ، ودخلت على نفس الخط أطراف رسمية أمريكية
تشير لذلك.
الحديث المتكرر
عن الاغتيال السياسي تلك المفردة الغريبة التي يراد لها أن تدرج في
المعجم السياسي داخل فلسطين، وكذلك اسطوانة "القاعدة" التي يجري تشغيلها
على مسمع الأذن الفلسطينية وغيرها من قبل بعض الأطراف الفلسطينية ، كل
ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام.
لماذا الآن؟ وما
وراء الأكمة؟
يبدو أن شهوة
السلطة قد أصابت "الحس الوطني" لدى بعض الأطراف الفلسطينية بالخلل الشديد
– وأشدد البعض- ، وبالتالي لم يعد لهم القدرة على التفريق بين سياقات
المناكفة مع حماس وما بين سياق المصلحة الوطنية.
في المحاججات
السياسية وحتى المناكفات الفصائلية دوماً كان هنالك قواعد أساسية متوافق
عليها وتحترم كعرف سياسي راسخ ، بهدف ضبط الساحة الفلسطينية التي تقع تحت
الاحتلال ؛ أبرزها وعلى رأسها أن "الدم الفلسطيني خط أحمر".
هذه الأنباء
وموازياً لها بعض الممارسات الميدانية من بعض العناصر المسلحة تستهدف
نسف هذا العرف السياسي الراسخ بقصد خلق مناخ فوضى يزيد من عجز الحكومة
الفلسطينية بالتوازي مع الحصار الدولي، بل إن توابل أخرى من مثل تهديدات
"القاعدة" "لشيطنة" المشهد الفلسطيني الجديد وفي قلبه الحكومة الفلسطينية
الجديدة تضاف للخلطة لإخراج الطبخة، ويجري طهيها في الفرن الأمريكي
وبنار صهيونية، وللأسف تشارك فيها أطراف فلسطينية مع أنها ليست طبخة
فلسطينية على كل الوجوه.
في الظرف الراهن
لا يتوفر للحالة الفلسطينية ترف لممارسة لعبة المراهنات السياسية، ولا
حتى ما قيل عن معارضة موالية، لأن المسؤولية الوطنية في حالة الاحتلال
ترتفع درجتها وتعلو فوق الحسابات السياسية الحزبية، وأي طرف سيدخل في هذه
المراهنات الخطرة سيحترق بنار المحرقة الوطنية. بمعنى أن من يدخل في مثل
هذه المراهنات مع أطراف دولية سيخسر مصداقيته أمام الشعب، لأن صورة
المشهد واضحة وعين الشعب ثاقبة وذاكرته حادة ، ومن يحاول التخفي أو يظن
أنه وراء ستار فإنه كمن يتخفى خلف ألواح الزجاج.
وحتى لو اعترفنا
بهذه المراهنات كممارسة وطنية شرعية – وهي ليست كذلك- فإن البناء
المنطقي القويم وقواعد المصلحة الوطنية لا تعترف بلغة البارود كأداة حوار
بين أفراد الشعب مهما اختلفت رؤاهم وحتى مصالحهم ، وكما أنه ليس من السهل
أن تتحمل الساحة الفلسطينية مراهنات بحسابات سياسية فئوية، فإن التحاكم
لفوهة "البندقية المنفلتة" أكثر صعوبة، وفي عرف العقلاء جنون سياسي، لأن
دخان "البندقية المنفلتة" سيلوث المناخ الفلسطيني ونارها ستحرق الأجندة
الوطنية برمتها.
من بدهيات العمل
الوطني أن الرصاصة الفلسطينية التي تنطلق إلى صدر فلسطيني آخر لتقتله،
فهي لا تنزع روحه فقط، إنما تقتل معه روح الوطن، لأن الوحدة الوطنية هي
الرأسمال الإستراتيجي للشعب، وأي عنصر فلسطيني يشرع البندقية في صدر أخيه
الفلسطيني فإنه يشرع بندقيته في عيني فلسطين الوطن.
هذه ليست بلاغة
لغوية، إنما هي سطور ترتجف من مخاطر الاحتراب الداخلي، فالفتنة الوطنية
لا تفرق بين "الأخضر" السياسي ولا بين "الأصفر" السياسي الآخر ، إنها
نار ملتهبة لا تنظر في هوية من يدخل المحرقة ؛ وهي نار إذا اشتعلت لا قدر
الله لا تفقه سوى لون الجسد الفلسطيني الذي سيحترق قبالة الصهيوني الذي
سيملأ رئتيه بنشوة الفرح والانتصار.
دعونا نختلف في
إطار قواعد السياسة، ولنتحاجج على ضفافها طولاً وعرضاً، ولندع الدم
الفلسطيني برسم الشهادة مبرءً من لوثة الفتنة الوطنية.
وبقي أن نقول لمن
يهمه الأمر: إن سيناريو الفوضى أكثر من لعبة وممارسة سياسية، ولا يمكن
احتسابه في عرف العمل الوطني الخالص كخيارٍ وطني. إنه مشروع انتحار جماعي
مجاني تحت مسمى حرب أهلية ستطال كل من يقفون على ضفاف السياسة بمن فيهم
الشعب الذي يستحق بصموده مكافئة أقلها الوحدة الوطنية.
|