الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

رسالة إلى "الصلاحيّين الجدد" في بيت المقدس

 

مقال/ عبد الرحمن فرحانة

   

أيها "الصلاحيّون الجدد" في مدائن بيت المقدس

 

لقد خرقتم كلّ سقوف الهيمنة الأمريكية من بين جدران الحصار العالية، وحطّمتم كلّ أغلال الاحتلال القرظيّ رغم صمت مدائن العروبة الغافية في صحاري الجدب السياسيّ، وقلتم بصوتٍ مَلأَ الأفق المقدسي المبارك: نعم لإكسير الكرامة التي حقنته المقاومة في شرايين الرجولة التي حرّرت رمال غزة من دنس بني النضير، وقلتم نعم لرياح العز التي نفخت أشرعة المجد الكنعاني على جبال الضفة التي ترنو سامقة لزرقة المتوسط غرباً.

قلتم نعم؛ للإصلاح والتغيير، ولا للفساد السياسي والمالي والإداري الذي أوهن العزيمة الفلسطينية، ورفضتم رشوة القيصر في واشنطن ولم تُخِفْكم عصاه الغليظة، وتحديتم عواصم الفرنجة الجديدة.

 

أيها المقدسيون الأحرار

كل خيارٍ حرٌ له ثمن غالٍ؛ وها هو صوت التاريخ يهمس في آذانكم، أثبتوا لأنّكم بشرعية الحقّ. أنتم أقوى من حديد غزاتكم، فَََوَرم قوة الغزاة وهم طارئ وفقاعة كاذبة تطفئها الإرادة الصلبة للشعوب التي تقاتل من أجل الحياة الكريمة؛ ورمال غزة المحررة دليلٌ حيٌ صنعته دماء الشهداء النبلاء.

لا تلتفتوا لترهيب القيصر الأمريكي بالجوع؛ فجغرافية الوطن أوسع وأقدس من "جغرافية الرغيف". لا تستكينوا لأمراء الفرنجة الجدد وابتزازاتهم الدنيئة، لأنّ أجندة الوطن أثمن من كلّ "يوروهات" أوروبا المتلونة.

 

أيها "الصلاحيّون الجدد"

كما صوّتم لخياركم الحر بأنفة وإباء، لم تنكسروا لمشيئة الكبار. عليكم أنْ تصبروا على هذا الخيار، ولن تندموا في نهاية المطاف، لأنّ معركة السياسة كمعركة البارود، لكن ثمرة الانتصار فيها زوال الاحتلال.

إذ إنّ نجاح حكومة المقاومة في جوف الاحتلال كما نجحت بندقية المقاومة رغم ميزان القوى المختلّ مثالٌ سيحرج كلّ العواصم التي تخنع للهيمنة. وسيكون مثالاً حيّاً يجسّده الواقع وستحاكيه كلّ جغرافية الوطن الكبير؛ من طنجة حتى جاكرتا.

ومثلما كانت بلادكم "جغرافية النصر" تاريخياً؛ في محطاته الكبرى في حطين وعين جالوت وغيرها، ستكون حكومتكم المقاومة قارب النصر الذي سينقذ غرقى الهزيمة وسينزع فقهها المعشعش في عقول رجالات الانكسار.

اصبروا يا أهل بيت المقدس، ولا تهنوا، ولا تنكسروا، فمثلكم كمثل أهل الشِّعب يوم الحصار في مكة، وكمثل أهل الخندق في المدينة، إذ كان ليل المسلمين فيها قصير ولكن نهارهم من بعده طويل أشرقت شمسه في كلّ أرجاء الدّنا. 

 

يا أهل بيت المقدس

كما اخترتم "حماس" رباناً جديداً للسفينة، فألزموا "فتح" وغيرها على المشاركة في قيادة السفينة الفلسطينية، وليس في الفقه الوطني حردٌ سياسيّ، ولا هنالك كعكة سلطة تتقاسموها، إذْ الجميع تحت ثقل الاحتلال البغيض، إنما هي أعباء وطنية ينبغي أنْ يشترك الجميع في تحمّلها.

لا ترضوا بالتمنّع والحرد السياسي واضغطوا على كلّ الأطراف للمشاركة لتكسروا عهد احتكار القرار السياسي ولتعيشوا زمن الشراكة السياسية، وافتحوا أعينكم على أداء حماس، واصبروا معها واصبروا عليها، ولكن لا تجاملوها، فالوطن وأجندته أمانة في عنق كلّ مقدسيّ تمتلئ رئتاه برياح المتوسط.

 

أيها المجاهدون..

ولكلّ المجاهدين من كلّ لونٍ سياسيّ، وحّدوا بنادقكم، صوّبوها إلى صدور العدو المغتصب، وتجمّعوا في إطارٍ عسكري يقبل التعددية المرنة، ولكن تحت أجندة الوطن، فكل رصاصةٍ تنطلق ينبغي أنْ تخدم الأجندة الوطنية، لا أنْ تتلاشى في الفضاء دون أثمان سياسية يرجى قطافها.

 

أيها الأسود في عتمة السجون..

يستضيء الشعب بوهج  الصمود الذي تشعّه عيونكم في عتمة أقبية السجون كي يقرأوا أجندة الوطن، وبعزمكم يستمسك كلّ أحرار السياسة بثوابتها، وليلكم وإنْ طال فإنّ شمسه لا بدّ أنْ تتسلق أفق المشرق يوماً ما؛ وهو قريب بإذن الله تعالى.

 

إنّ إرادتكم أقوى من أغلال الغزاة، وأعماركم أطول من تاريخهم.

إنكم مع الشهداء.. ياسين وعرفات وأبو علي مصطفى والشقاقي والرنتيسي وغيرهم تمنحون للوطن نكهته، وللنصر طعمه، وللمجد لونه المتمرد، ولكبرياء الوطن أنفتها، ورغم عتمة سجونكم، فقيدكم ومسك الشهداء أغلى من حريتنا، وأبهج من تلألؤ الندى على برتقالات الساحل، وأصدق من صبح المنهزمين بين شواهد القبور.

بكم بعد الله تعالى كانت عزتنا، وبصمود الشعب كلّه بمشيئة الجبار سيتحقق الانتصار الكبير.

 

وختاماً أيها "الصلاحيّون الجدد" جميعاً، فإنْ كانت ظاهرة صلاح الدين في التاريخ فردية فهي اليوم حالةٌ "صلاحيّة" جماعية؛ تعيشها كلّ مدائن بيت المقدس، وترمقها الأمة بانتظار المتلهف. فإنْ صبرتم؛ وستصبروا لأنّ الأمل بعد الله تعالى في عزيمتكم التي عهدناها، حينئذٍ ستقترب حطين الجديدة ولن تكون بعيدة عن الأفق العربي والإسلامي.