الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

الفرق بين الجنازات : مؤشر لمحصلة الصراع بين إرادتين

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

يرفع المسن ظهره شامخاً للحظة و يقول :

-(أنا لن أتحرك من هنا)

خمس كلمات تختزل نتيجة المواجهة الدامية في مخيم جنين لتؤكد أن الصمود حكاية فلسطينية بكل فصولها و ممتدةٌ حتى انحناءة ظهر شيخ مسن ، العبارة الآنفة لم تصدر عن أحد قادة المقاومة المشحونين بطاقة التحدي بل نطق بها شيخ طاعن في السن نقلها عنه الكاتب الصهيوني ناحوم برنياع أثناء زيارة ميدانية لمخيم جنين المدمر . ونتيجة المعادلة هذه التي نطق بها هذا المسن .. لا أفهم لماذا لا يُدرك مغزاها عربياً .. بينما يلتقطها كاتب صهيوني رغم أنه قادر على تجاهلها في مناخ انتفاش القوة الذي يعيشه .. بل قل (ورم القوة) التي يعيشها الكيان الصهيوني برمته .

ولست متعسفاً حينما استخدم مصطلح (ورم القوة) ذلك لأن الصورة الخلفية للمشهد الظاهري المزيف للكيان الصهيوني مهترئة و تعبر عن حالة أشبه ما تكون بالهزيمة . فاستقراء الوضع الداخلي الصهيوني يظهر برغم اختلال ميزان القوى بين الطرفين الفلسطيني و الصهيوني أن حجم الوجع ممتدٌ بمساحةٍ أوسع و بعمق أكبر في المجتمع الصهيوني عنه في المجتمع الفلسطيني برغم حجم الدمار الذي لحق بالأخير جراء حملة الدرع الواقي الهمجية . فصلابة الإرادة الفلسطينية جعلت كاتباً صحافياً صهيونياً يصور المواجهة قائلاً إن الفلسطينيين أنتجوا كما سماها "معادلة انسحاق" تميل لصالحهم ، و كما يصورها صحافي آخر : "إن كان لدينا قنبلة نووية فإن للجانب الفلسطيني سلاحاً مقابلاً هو صاروخ غير تقليدي يعبر عنه (الاستشهادي) . و لكن السلاح الصهيوني معطوب و محيّد في القبو بينما السلاح الفلسطيني يعمل بكفاءة .

ومصداقية المقولة الآنفة تؤكدها نماذج شرائحية كثيرة تستعصي على الإحصاء لكثرتها و هي بمنظار صهيوني بحت يمكن التقاطها من الإعلام العبري .. إحدى هذه الشرائح المعبرة ما يقوله الخبير الاستراتيجي و المؤرخ العسكري الصهيوني مارتن فان كرفيلد أستاذ الدراسات العسكرية في كلية التاريخ بالجامعة العبرية .. يقول كرفيلد واصفاً الحالة المجتمعية و الروح المعنوية لدى الصهاينة (الرجال يرفضون الخدمة العسكرية و الجنود يبكون على القبور .. و في الجهة المقابلة أنت ترى رغبة شديدة في الانتقام و معنويات عالية ، و ما عليك إلا أن تقارن بين الجنازات حتى تفهم لمن توجد همة عالية أكثر ، و معنويات أعلى : عندنا ينوحون ، و عندهم يطلبون الانتقام ) .. و هكذا برغم فائض القوة لصالح الصهاينة فإن الفرق بين مشاهد الجنازات في الطرفين يعبر عن صلابة الإرادة و ارتفاع منسوب الثقة و الروح المعنوية لصالح الطرف الفلسطيني ، وفي حالة التشخيص الدقيقة لحالة النصر فهذا الفارق يرسم صورة في الأفق الفلسطيني لجنين النصر المتخلق و الذي يحتاج لرعاية و حضانة . و في الطرف المقابل تقترب الحالة كما يعترف كرفيلد من حافة الانهيار و التحلل و الاندثار .. إذ يؤكد كرفيلد نفسه هذه الحقيقة في معرض إجابته عن سؤال طرح عليه في نفس المقابلة الصحافية التي اقتبست منها آنفاً و رداً على سؤال يقول بالتحديد : (إذاً نحن في طريقنا إلى البحر ؟) .. و يرد كرفيلد بكلمات محبطة (نعم إذا استمر الوضع على ما نحن عليه فإننا سنصل إلى تفكيك (دولة "إسرائيل") ، ليس عندي شك في ذلك ، و الدلائل موجودة ) .

شريحة أخرى يلفت إليها زئيف شيف الخبير الأمني الصهيوني و المعلق الصحافي في جريدة هآرتس العبرية .. إذ يقارن الروح المعنوية للطرفين من خلال اختزاله للمشهد القائم في صورتين :

-الأولى للأم اليهودية و هي ترفض أن يذهب ولدها مع جنود الاحتياط و تبكي و تنوح عندما يعود قتيلاً .

-والصورة الأخرى للأم الفلسطينية و هي تدفع بولدها للقتال و تزغرد عندما يزف إليها ولدها شهيداً .. بل و تأمر ولدها الآخر للالتحاق بالأول .

وهي مقارنة من خبير صهيوني مختص ترصد جنين الهزيمة في تلافيف العقل اليهودي و في عمق الوجدان الصهيوني و بعين صهيونية أيضاً .

وفي المشهد السياسي فإن حملة شارون الحالية تستهدف :

-كسر شوكة الشعب الفلسطيني و تغريمه ثمناً باهظاً للمقاومة .

-وتفكيك البنية التحتية للمقاومة و شل حركة المقاومين .

-وتركيع السلطة كي تستجيب لأجندة شارون .

وكل المؤشرات الميدانية تؤكد أن الشعب و فصائل المقاومة ما زالا عنصرين ثابتين في معادلة الصمود دون تزحزح ، و حتى تكتمل عناصر المعادلة لا بد من ثبات السلطة على موقفها الرافض للخضوع للأجندة الشارونية .. و بصراحة أكثر ، ينبغي على عرفات أن لا يدخل في مقايضة بأي حال من الأحوال وفق الطروحات التي تخيره بين البقاء في الحصار أو التراجع عن موقفه السياسي الذي التف الشعب حوله بسببه ، لأن موقف القيادة النزيهة لا يطرح للبيع و المقايضة مقابل مصلحتها الذاتية، فالقيادة أصلاً تفرز لتحقيق مصالح الشعب ، و المعادلة الصحيحة التي يجب الالتصاق بها هي : المصالح الحيوية للشعب ومصالح القيادة ينبغي أن تتكتل في إطار واحد كأهداف عليا للشعب و التفريط في إحداهما إخلال و نسف للمعادلة كاملة . وفي ضوء ذلك فالتراجع في هذه اللحظة التاريخية من قبل السلطة لا يمكن في أي حال من الأحوال أن يسمى تكتيكاً كما يمكن أن يبرر لاحقاً إنما هو طوفان مدمر و هدر مجاني لتضحيات الشعب و كسر لصموده و إجهاضٍ لجنين النصر الذي تخلّق في أزقة مخيم جنين .