الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الأستاذ عبد الرحمن فرحانه

عودة

 

عندما تكون القيادة عبأ على الشعب

سلطة أوسلو نموذجاً

 

بقلم / الأستاذ عبد الرحمن فرحانة

فلسطين المحتلة

 

يشكل التجذر الديمغرافي الفلسطيني على امتداد خارطة فلسطين التاريخية معضلة أساسية للمشروع الصهيوني ، وبرغم البعثرة الجغرافية لخارطة الوجود الديمغرافي الفلسطيني إلا أن التوزيع السكاني ممتد ليغطي معظم أجزاء الخارطة وعلى شكل تكتلات تشكل قلقاً بالغاً للمخططين الصهاينة في ظل النمو الديمغرافي السريع للفلسطينيين . ولعل من أشهر أجراس الإنذار في هذا الشأن الدراسة التي طرحها الخبير الصهيوني أرنون سافير وأشار فيها الى أن عام 2002م هو بداية رجحان كفة الزيادة لصالح الفلسطينيين في الميزان الديمغرافي بين الطرفين ، وفي هذا الاطار تندرج مناقشة الكنيست ولأول مرة في تاريخها لأفكار عضوها الليكودي ايتان حول عملية الترانسفير للفلسطينيين .

ومما يزيد في خطورة التكتلات الديمغرافية الفلسطينية على المشروع الصهيوني أنها تتصف :

-  بالتمدد الجغرافي واستغراق أبعاد الخارطة ، إذ يمتد التكتل السكاني الفلسطيني من الجليل شمالاً حيث يشكل الفلسطينيين في هذا النطاق الجغرافي أكثر من 60% ، ومن ثم مدن الساحل المختلطة (عرب ويهود) غرباً وكذلك مدن المثلث العربية في الوسط الغربي بالإضافة لقطاع غزة الذي يتسم بالكثافة الفلسطينية العالية جنوباً ، وكذلك التمدد السكاني المتمثل بالضفة الغربية وسط الخارطة الفلسطينية باتجاه الشرق ، بينما تتمركز عقدة المشكلة للمشروع الصهيوني بالتكتل السكاني الفلسطيني في القلب المتمثل بالقدس

-  التمسك بالأرض لدرجة نشوء علاقة شبه صوفية بين الفلسطيني وأرضه تجسيداً للمقولة السائدة ... لكل شعب وطن يسكنه إلا الفلسطينيين فإن الوطن يسكنهم

-  تبلور الهوية ومتانتها ببعديها العربي والإسلامي حتى في قلب الكيان الصهيوني (أراضي الـ 48م) برغم محاولات الصهاينة تفكيك مضامينها

-  استمرار التناقض مع المشروع الصهيوني وتصاعد وتيرته والالتصاق بخيار المقاومة بأشكالها المختلفة وذروة هذه الحالة الانتفاضة الحالية

وفي مواجهة هذه المعضلة المستعصية طرح الفكر السياسي الصهيوني أكثر من 25 خطة ومبادرة معلنة لحلها منذ أفكار بن غوريون للحكم الذاتي التي طرحها بعد أسبوعين من انتهاء حرب 67م مروراً بخطة آلون وحتى محطة أوسلو .

 

أوسلو المنعطف الاستراتيجي :

 

شكلت الانتفاضة الأولى المعنى الحقيقي والصلب للرفض الفلسطيني للوجود الصهيوني وهيمنته ، وعلى امتداد سنواتها الثماني المنتفضة والرافضة أنضجت تحولاً في الفكر السياسي الصهيوني تجاه المسألة الفلسطينية ، وفي خضم هذا التحول الاستراتيجي تفتق العقل الصهيوني عن الوصفة السياسية – أوسلو- للقفز عن الاستحقاقات التي كانت ستفرضها تحولات الانتفاضة الأولى على الأجندة السياسية الصهيونية ، وهي ترجمة لنظرية الخبير الأمني الصهيوني هاركابي الداعية للهروب من المواجهة والالتفاف عبر نافذة الاختراق .

وقد عملت الذهنية اليهودية الماكرة لإنتاج أوسلو على شكل مقاولة أمنية في وعاء اتفاق سياسي هلامي متحرر من أسر المرجعيات الدولية ولا يحظى بغطاء إقليمي . وحرص دهاقنة الصهاينة على أن يكون الطرف المقابل في الاتفاق مجموعة من الرموز الفلسطينية التي تجمع بين التاريخ الثوري والقابلية الراهنة للانحناء لمتطلبات المشروع الصهيوني المرحلية حينذاك لإنتاج سلطة ذات بنية أمنية ينتظم في إطارها (11) جهازا أمنياً لتصفية المقاومة ، إضافة إلى الهياكل المدنية التي ستوكل لها إدارة التكتلين السكانيين في كل من الضفة والقطاع .

وقد استهدفت وصفة أوسلو تجميد الملف الفلسطيني مرحلياً وتحقيق الآتي :
- ضرب نواة التحولات الجارية لأسلمة الصراع لما في ذلك من استفزاز المقدس لكوامن طاقات ومقدرات الشعب في إطار الهوية الحقيقة القادرة على لملمة لحمة الشعب وتفجير طاقاته

-   تقزيم القضية الفلسطينية ومسخها جغرافياً في إطار لا يتعدى الـ 22% من مساحة فلسطين بل جعلت هذه المساحة أراضي متنازع عليها خاضعة للتفاوض في ظل اختلال ميزان القوى

- شرخ وحدة الشعب الفلسطيني وحصر القضية بفلسطينيي الداخل في الضفة والقطاع

- عزل القضية الفلسطينية عن بعديها الاستراتيجيين العربي والإسلامي

-  تكريس الالتحاق السياسي والاقتصادي لفلسطينيي الداخل بالكيان الصهيوني وتشريعه دولياً ونشر (ثقافة السلام) لإنتاج جيل متماهٍ مع المشروع الصهيوني في محاولة لابتلاع الوجود الفلسطيني وتمييعه كطرف متناقض مع المشروع

 

استقراء الميدان في ظل سلطة أوسلو :

 

مثلت سلطة أوسلو نموذجاً فريداً عبر التاريخ السياسي للمنطقة ، فقد جمعت في جوهرها عدة مضامين متناقضة أولاها أنها سلطة وطنية لفئة من الشعب (فلسطينيي الداخل) وثانيها أنها مقاول أمني يعمل لصالح الاحتلال ، إضافة إلى أنها لا تتمتع بشكل الدولة المتعارف عليه كما أنها ليست حركة تحرر بشكل صريح .. ولعل هذا المسخ السياسي والكائن الغريب هو هدف بحد ذاته في الاستراتيجيا الصهيونية . ولأن هذا الكيان الغريب لم يدشن على قاعدة المصالح الوطنية وخرج من أتون الفكر السياسي الصهيوني  فقد كان عبأ ثقيلاً على الشعب وكانت ممارساته عبارة عن مسلسل تدميري للوجود الفلسطيني . وفي ما يلي لوحة سريالية لإنجازات سلطة أوسلو :

- لم تقترب سلطة أوسلو من أي شكل من أشكال الدولة ولم تخطط لإرساء البنى الحقيقة الأزمة لتدشينها مستقبلاً

لم تساهم في صناعة المجتمع المدني الفلسطيني المتوازن بل ساعدت في خلخلته وعملت على إفساد بنيته خاصة على الصعيدين السياسي والأخلاقي

ساهمت بشكل فاعل في ضرب قاعدة المقاومة وعلى إثر ذلك أنتجت مجتمعاً فلسطينياً منقسماً على الصعيد السياسي وبعثرت مفردات الأجندة الفلسطينية بين الداخل والخارج

- رهنت القرار السياسي الفلسطيني في قفص الإملاءات الصهيونية والأمريكية وسلخت عنه حصانة السيادة والاستقلال

- خلقت غطاء غير مباشر لتآكل الأرض الفلسطينية عبر حركة الاستيطان الصهيونية

- ساهمت في تآكل القيم في بنية المجتمع الفلسطيني وأنتجت نخبة سياسية وطبقة اجتماعية من المتنفذيين والمنتفعين

 

فشل أوسلو :

 

رغم التوليفة السحرية لتركيبة أوسلو إلا أنها فشلت في البقاء وفجرتها انتفاضة الأقصى من الداخل ، وبالتالي انقلب السحر على الساحر ، فبدلاً من أن تكون الثلاجة التي سيفرّز فيها الملف الفلسطيني تحولت بقدر حكيم إلى برميل بارود تفجر وزلزل أركان الكيان الصهيوني عبر فاعليات انتفاضة الأقصى الحالية .

ويعود فشل أوسلو إلى الأسباب التالية :

- تجاهلت البعد المقدس للصراع وتعاملت مع المسألة على أساس سياسي بحت

- أجلت الملفات الساخنة للصراع وعجزت عن تفريخ الحلول المناسبة لتفكيك تعقيداتها

ركّزت في التعاطي مع الطرف المحلي (كمقاول أمني) وعلى أساس أمني بحت وتناست أحلام وطموحات الشعب الفلسطيني واستدبرت البعد الإقليمي بشقيه العربي والإسلامي

أنتجت تباعدا وانفراجا كبيرا بين السلطة والشعب على صعيد المصالح والآمال حيث تحولت السلطة إلى عبأ ثقيل على الشعب الفلسطيني بسبب مهمتها الأمنية ورسالتها المتوافقة مع الأجندة الصهيونية وتحول رموزها إلى شلة من المنتفعين

 

انتفاضة الأقصى والزلزال الإقليمي :

 

لم تفلح وصفة أوسلو في لفلفة الملف الفلسطيني وفق الاشتراطات الصهيونية ، وانقلب السحر على الساحر وانفجر الشارع الفلسطيني غضباً بسبب عبثية خيار التسوية بعد محطته الأخيرة في كامب ديفيد الثانية .

حاولت السلطة في بداية الانتفاضة أن تحصر الفعاليات في صيغة احتجاج جماهيري عبر المظاهرات والمسيرات ورمي الحجارة على جنود الاحتلال على نسق الانتفاضة الأولى لاستثمارها كورقة تفاوض معتدلة وحتى لا تخرج عن قواعد اللعبة التي أرستها اتفاقات أوسلو ، إلا أن الفصائل المقاومة استطاعت كسر قواعد اللعبة وتمكنت من تطوير الوسائل للوصول إلى حالة العسكرة الكاملة لفعاليات الانتفاضة ، ووصل أداء الفعل المقاوم في حالات الذروة إلى حوالي 4000 عملية في الشهر الواحد مما حوّل المناطق إلى ساحة حرب حقيقية ، واضطرت أذرع الأجهزة الاستخبارية الصهيونية أن تتعامل مع أكثر من 60 تحذير أمني لعمليات جهادية في آن واحد .

ومع تحول انتفاضة الأقصى إلى حرب حقيقة (الحرب السادسة بحسب الإعلام العبري) برغم عدم التكافؤ بين الطرفين من حيث القدرة العسكرية فقد أنتجت معادلة جديدة للصراع عجز الجيش الصهيوني أن يخترع حلاً لمواجهتها ، كما أنها فرّغت المكون الأساسي لنظرية الأمن الصهيونية القائم على قوة الردع بشقيه المسبق والعقابي من جوهره وطرحت بديلاً عنه معادلة توازن الرعب. وفي الآونة الأخيرة اتسعت دائرة انكشاف النقاط الاستراتيجية الصهيونية أمام هجمات استشهاديي المقاومة ووصل الأمر بوزير الدفاع الصهيوني بن اليعازر ليقول .. (ما من شك أنهم السلاح الأكثر فتكاً والمستعمل ضدنا، سلاح رخيص الثمن ، سلاح لا يمكن الانتصار عليه) .

لم تقف تأثيرات الانتفاضة عند حد الساحتين الفلسطينية والصهيونية بل امتدت إلى كافة أنحاء الإقليم ، إذ تمكنت من نسف قاعدة أوسلو وامتصت إفرازاتها وتأثيراتها في المنطقة وخلخلت البنية الجيوسياسية الجديدة للإقليم التي حاولت أمريكا أن ترسيها خلال العقد المنصرم . وأنتجت مواجهة سافرة بين الأنظمة الإقليمية والشارع الثائر المطالب بمراجعة الخيارات السابقة .

 

موسم المبادرات :

 

وفي الآونة الأخيرة أمطرت سماء السياسة المنطقة بوابل من المبادرات للإلتفاف على الانتفاضة الحالية بصيغ مشابهة لأوسلو التي أعقبت الانتفاضة الأولى في محاولة لاستنساخها من جديد ولكن بصيغ محورة  . وكأن كافة الأطراف لم تدرك كنه الدروس السابقة ، ولم تقتنع بعد بأن الملف الفلسطيني عصيّ على الإغلاق إلا على قاعدة العدالة ، وممتنع عن التلاعب والعبث لأنه مكتنز بمضامين ومفردات تعبر عن المقدس والهوية والتاريخ وهو ثالوث لا يمكن للأمة أن تتنازل في إطاره إلا إذا فقدت ذاتها .. وذلك غير معهود في سيرتها .