|
خطاب الأسد و سوء تقدير الأمريكيين لسياسة المنطقة
حسن الحسن
خطاب الرئيس
السوري بشار الأسد والذي أعلن فيه انسحاب القوات السورية من لبنان؛ حمّل
في طياته فهماً عميقاً (نقول فهماً وليس تفهّماً) لطبيعة المرحلة التي
تمر بها منطقة الشرق الأوسط، في ظل الغزو الأمريكي للعراق وحرب الإبادة
التي يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي تنفيذها بحق الشعب الفلسطيني،
وانتكاسة الموقف الأوروبي تجاه قضايا الشرق الأوسط وهشاشة الموقف العربي
أمام المتغيرات التي تعصف بالمنطقة؛ وأظهر هذا الخطاب قدرة سورية عالية
على المناورة والتحرك في مواجهة استحقاقات المرحلة مع الاحتفاظ بالثوابت
الاستراتيجية.
ورغم أن خطاب
الرئيس السوري اتسم بالواقعية الشديدة؛ إلا أنه خلا تماماً من أي نزعة
تشاؤمية في القدرة على مواجهة الضغوط الأمريكية والإسرائيلية التي تتعرض
لها سورية، تلك الضغوط التي من المرجح أن تتصاعد وتائرها في قادمات
الأيام.
ويبدو أن الإدارة
الأمريكية، ومن خلفها، أو من أمامها، إسرائيل، كانت تتحضر لتوجيه ضربات
عسكرية موضعية لكل من سورية وإيران على حد سواء، هروباً من المأزق
العراقي وسعياً إلى محاصرته من الخارج، واستكمالاً للمخطط الأمريكي
القاضي بالهيمنة المطلقة على المنطقة بكاملها والذي بدأ في العراق؛ ولأجل
هذا وضعت الإدارة الأمريكية مؤخراً السيناريو التالي:
أولاً إطلاق
عملية "تهدئة" للأوضاع في الأراضي الفلسطينية لتوفير غطاء أوروبي، وعربي،
للمشاركة الإسرائيلية المباشرة في العمليات العسكرية ضد إيران وسورية،
باعتبار، أنهما "راعيان وداعمان لـ (الإرهاب)"، ويقفان عائقاً أمام إحلال
السلام في المنطقة.
وفي هذا السياق
جاء انعقاد القمة الرباعية في شرم الشيخ في الثامن من شهر شباط الماضي
والتي شكّلت نتائجها مخرجاً للأزمة التي تعانيها إسرائيل على الصعيدين
الداخلي والخارجي.
ثانياً إنجاز
الانتخابات العراقية، وتحصيل "شرّعنة شعبية" عراقية للاحتلال الأمريكي
للعراق، وبالتالي تكريس المقاومة العراقية بوصفها "إرهاباً" على الساحتين
العربية والدولية؛ وهو ما يتيح للإدارة الأمريكية إمكانية للقيام بتوجيه
ضربة عسكرية لكل من إيران وسورية باعتبار أنهما "الرئة التي تتنفس منها
قوى (الإرهاب) في العراق" وسيعتبر الهجوم حينذاك ضربة عسكرية وقائية في
سياق الحرب الأمريكية المفتوحة ضد "الإرهاب".
ثالثاً تنفيذ
جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري (14/2) والتي
أدت، حسب ما خطط لها، إلى وضع قوى المعارضة اللبنانية على السكّة الصهيو
ـ أمريكية، المطالبة بانسحاب كامل للقوات السورية من لبنان، وتفكيك
المقاومة اللبنانية ممثلة بحزب الله، ولم تفوّت بعض الأنظمة العربية
الفرصة لممارسة ضغوط على سورية انسياقاً وراء المخططات الأمريكية بهدف
الحفاظ على وجودها وعروشها.
وفي أعقاب تنفيذ
جريمة اغتيال الحريري وبعد الضجيج والصخب الذي أثارته المعارضة اللبنانية
والإدارة الأمريكية وإسرائيل وتوجيهم أصابع الاتهام باتجاه السلطة
اللبنانية والحكومة السورية، بعدها بأيام، قال رئيس الحكومة الإسرائيلية
اريئيل شارون في حوار مع صحيفة الأهرام المصرية (19/2) "سوريا أصبحت الآن
مشكلة في المنطقة كلها، لأنه عن طريق سوريا يمر المخربون إلى العراق،
كما يتدرب المخربون العراقيون في سوريا، هذا يعني أن سوريا وإيران وحزب
الله أصبحوا مركزا لـ (لإرهاب) الإقليمي".
وكشفت معلومات عن
قيام إسرائيل في تلك الأثناء باتخاذ جملة من الإجراءات والاستعداد لشنّ
هجوم عسكري ضد سورية وإيران، وتحدثت تلك المعلومات أن القوات الإسرائيلية
بدأت بالفعل في تنفيذ عدد من الخطط العسكرية، واستخدام الطائرات الحديثة
المقاتلة الأمريكية؛ وأن التدريبات العسكرية الإسرائيلية تدور في مناطق
بعيدة، وأن حالة الطوارئ التي تم إعلانها في القوات الجوية الإسرائيلية
تجعل الطائرات الإسرائيلية تتواصل في طيرانها لمدة 12 ساعة متواصلة،
وبحسب المعلومات (صحيفة الأسبوع المصرية 6/3) فإن الأهداف التي تم
التدريب عليها تشتمل على مواقع في كل من سوريا وإيران وأن قيادة حلف شمال
الأطلسي ستقدم تسهيلات كبيرة لهذه الطائرات، وكانت تجري عمليات تدريب
الطائرات الإسرائيلية من خلال إلقاء أنواع كبيرة من القذائف الفتاكة،
والمعروفة بقدرتها التدميرية العالية، وهي تنتمي إلي جيل القذائف التي
زودت بها أمريكا إسرائيل في العام 2004 والتي تتمتع بقدرة هائلة علي
اختراق عدة طبقات في الأرض وتحدث حالة من التدمير الشامل، حيث يؤدي
استخدام مثل هذا النوع من القذائف إلي حدوث خسائر بشرية كبيرة
تلك المعلومات
أشارت إلى أن هناك ما بين ثلاث أو أربع خطط عسكرية تمّ التدريب عليها،
وقد بدأت هذه التدريبات بعد منتصف شهر شباط (أي بالتزامن مع تنفيذ عملية
اغتيال الحريري).. وقد أبدت بعض الدول الأوربية التي تسربت إليها أنباء
هذه التدريبات العسكرية نوعا من القلق.. إزاء الخطوات التالية في الشرق
الأوسط والتي ستشارك فيها إسرائيل بشكل مباشر، ورأت أن ذلك يهدد بامتداد
نقاط الصراع، وقد ردت الخارجية الأمريكية بمذكرات رسمية على مخاوف تلك
الدول الأوربية، أكدت فيها على التشاور التام مع الدول الأوربية إزاء أي
تداعيات قادمة.
ويتوافق ذلك مع
معلومات تسرّبت من البنتاجون الأمريكي تشير إلى سعي واشنطن لإسقاط
النظامين السوري والإيراني، حيث حددت الخطة أن إسقاط النظام السوري يجب
أن يسبق إسقاط النظام الإيراني، وأشارت إلي أهمية اختفاء النظم الدينية
من المنطقة.. زاعمة أن من شأن ذلك أن يحقق الاستقرار والديمقراطية في
العراق، خاصة في ظل اختفاء الأنظمة المعادية للولايات المتحدة؛ واعتبر
التقرير المذكور أن إسرائيل يمكن أن تشكل الشرارة الأولي في إطلاق عملية
عسكرية واسعة ضد سوريا وإيران، وأن هناك اتصالات إسرائيلية أمريكية تتم
لهذا الغرض.
خطاب الرئيس
السوري ومن خلال إعلانه عن انسحاب مشرّف للقوات السورية قد يكون قد فوّت
الفرصة أمام المخطط المذكور؛ إلا أن إعلان الانسحاب، كما أكد الرئيس
الأسد في ختام خطابه، لن يحول دون مضي الإدارة الأمريكية والحكومة
الإسرائيلية في مواصلة تلك الحملة العدوانية ضد سورية وفق سيناريوهات
جديدة.
القيادة السورية،
على ما يبدو، مطمئنة إلى سوء تقدير الإدارة الأمريكية للأوضاع في
المنطقة؛ حسب ما آلت إليه الأوضاع في العراق، والتي من الممكن أن تصب في
مصلحة أي طرف ما عدا الطرف الأمريكي ذاته.
فالسيناريو الحرب
الصهيو ـ أمريكية ضد سورية يبدو أنه هو أيضاً مصاب بداء سوء التقدير،
فالانتخابات العراقية لم تنجز على نحو يقنع، حتى المشاركين فيها، كما
أنها لم تأت بالهدوء؛ أما المقاومة الفلسطينية فلم ولن تنزع أسلحتها،
مادام الاحتلال، والمقاومة اللبنانية قد أعلنت وعلى لسان أمين عام حزب
الله الشيخ حسن نصر الله (6/3) أنها باقية ما دامت إسرائيل تشكّل تهديداً
للمنطقة، وسوريا قد سحبت البساط من تحت أقدام الأمريكان والإسرائيليين
عندما أعلنت انسحابها من لبنان.
يبقى أن نؤكد أن
عنصر الزمن لن يسير لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما في ظل
تنامي حدة العداء والرفض الشعبي للمخططات الصهيو - أمريكي، وإنما سيسير
إلى جانب أصحاب خيار المقاومة والإصلاح والمراجعة النقدية.. وقد تشكّل
هذه دعوة للدول العربية للخروج من جادة الوهم والولوج إلى جادة الوعي
والحقيقة.
|