زمن
الشقلبة
بقلم
: الشيخ كمال الخطيب
نائب رئيس الحركة
الإسلامية
حقا لقد أصبح
المرء في هذه الأيام يعيش حالة من الحيرة والذهول وهو يراقب أحوال
الأمة العربية و الإسلامية عموماً وشعبنا الفلسطيني على وجه الخصوص ،
وعلينا يقاس حال الكون كله بما فيه من تناقضات عجيبة وتزييف للحقائق
وانتكاس للموازين واختلال في المعايير، حتى لكأننا نعيش فصول تلك
المرحلة التي أخبر عنها النبي r يوم قال "
إن بين يدي الساعة سنين خداعة ، فيها يخون الأمين ويؤتمن الخائن ،
ويصدق الكاذب، ويكذب الصادق ، ويتكلم في الناس الرويبضة قيل وما
الرويبضة يا رسول الله قال : سفيه القوم يتكلم في أمر العامة " .
لا بل إن من
يراقب فصول المرحلة وتلاحق أحداثها وتتابع مجرياتها في غياب كل
معايير الفضيلة والحق والاستقامة وبروز معايير الباطل والرذيلة
والانحراف ، فإن أول ما يخطر ببال كل عاقل ودارس لظواهر التاريخ ذلك
التاريخ المشهد المشابه جداً لما يجري من مشاهد في أيامنا هذه ، إنه
قول الله تبارك وتعالى في محكم التنـزيل يقول { وقال فرعون ذروني
أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض
الفساد } غافر أية 26 .
إنه المفسد
الأكبر فرعون الذي قال : { أنا ربكم الأعلى } والذي قال : { ما علمت
لكم من اله غيري } إن المفسد الأكبر يتهم موسى عليه السلام الرجل
الصالح المرسل من ربه المصلح لأمته بالفساد في الأرض وأنه أي فرعون
يدعي الحرص على سلامة الأرض والمجتمع من فساد موسى فسبحان الله كيف
يصبح المفسد مصلحا والمصلح مفسداً ، بل كيف يتهم الأتقياء ء وينقى
المتهمون ، إنه نفس المنطق الذي به تعامل كفار قريش مع رسول الله
r الذي ما عرف قبل الرسالة إلا بالصادق
الأمين ، وفجأة وبدون مقدمات وبسبب مخالفة رسول الله r
الصادق الأمين لشهواتهم و معبوداتهم، و إذا به ينقلب ليصبح في رأيهم
الكذاب والمجنون والساحر ، نعم إنه نفس العرف والمنطق ، محمد كذاب و
أبو جهل صادق ، محمد r خائن و أبو لهب
أمين !!!
وعلى اختلاف
الأزمنة و الأماكن فإنه كان دائما يعمل بنفس المنطق الأعوج ونفس
المعايير – والموازين المنتكسة دون أن يتردد هؤلاء المتطاولون على
الحقيقة ، ودون أن يخجلوا وهم يكذبون على أنفسهم وعلى غيرهم .
لقد استغل
فرعون أبواقه الإعلامية ومحافل السحرة عنده لتبشيع عن موسى عليه
السلام المصلح أنه رمز الإفساد ، واستغل كفار قريش دار الندوة وسوق
عكاظ ومنتدياتهم ليشيعوا عن رسول الله r
الصادق الأمين أنه الكذاب ، وأن فراعنة العصر اليوم وعلى رأسهم وحيد
القرن الأمريكي ممثلا برئيسة الإمبراطور جورج بوش الثاني يستغلون
وسائل الإعلام وأبواق إرسالهم وأقمارهم الصناعية وصحفهم واسعة
الانتشار ، ونفوذهم الاقتصادي وسطوتهم العسكرية ليقولوا كذباً وزوراً
وبئس ما قالوا إن الإسلام هو الإرهاب ، وراحت من بعدهم ببغاوات العرب
والمسلمين أنفسهم وطبولهم الفارغة من الحكام والإعلاميين والمنتفعين
من الطفيليين و المضبوعين يرددون نفس العبارات .
لقد قالوا عن
الربا فائدة فأصبحنا نقول نحن بذلك في تسميات منمقة يراد من خلالها
تسهيل ارتكاب الحرام عند المسلمين، وقالوا عن المسكرات والخمور
المحرمة أنها مشروبات روحية ، وقالوا عن التمثيل الرخيص وعن الخلاعة
الابتذال إنها فن حتى أن الغانية راح يقال عنها فنانة ، وقالوا عن
الاعتزاز بالدين و الانتماء إليه إنه طائفية فراح الكثيرون منا
يرددون نفس المصطلحات ، ولقد قالوا أخيراً عن النضال الفلسطيني وعن
مقاومة الشعب الفلسطيني للاحتلال الصهيوني للأرض العربية الفلسطينية
أنه إرهاب ، فراح البعض منا يعلن فعلاً إرهاب ، وحتى وللأسف والعار
فإن الرئيس الفلسطيني راح يطلق على المقاومة الفلسطينية صفة الإرهاب
، نعم إن اختلال الموازين وانقلاب المعايير وانتكاس القواعد وتزييف
الحقائق ، وقد أصبح هو سمة العصر وذروة سنامه ، حتى أن من يخالف هذه
المعايير المقلوبة والقواعد المنتكسة والموازين المختلة والحقائق
المزيفة لكأنه هو الخارج عن المألوف والشاذ عن القاعدة والمنحرف عن
الجادة .
لقد أصبح
الإنسان في حيرة من أمره فعلًا وحقاً كما حدث النبي r
عن هذه الأيام كما قال " يصبح الحليم فيها حيران " إذا تكلم في
السياسة قيل تطرف ، و إذا تكلم في الاقتصاد قيل تطرف ، و إذا تحدث في
عدم التزام الإعلام والصحافة قيل هذا تطرف ، و إذا انتقد النظام
العالمي الجديد قيل تطرف ، و إذا رفض أن يعزف في الجوقة العالمية
جوقة العولمة قيل إرهاب و إذا رفض أن يمشي مع القطيع الذي يتقدمه
الكاوبوي الأمريكي قيل تطرف ، وهكذا نعم إنها المعايير المعوجة
والمنحرفة التي أصبح تقرير إيجابية أي فرد أو جماعة أو دولة أو ملة
أو أمة أو سلبيتها بيد شخص واحد هو الإمبراطور جورج بوش الثاني ،
أليس من المضحك المبكي أن دولة فلسطين دولة الشعب الفلسطيني تنتظر من
أجل إعلانها والاعتراف بها خطاب جورج بوش الثاني ، هذا الذي لا يزيد
عمر دولته العظمى أمريكا منذ اكتشافها على 500 عام بينما يزيد عمر
الشعب الفلسطيني في هذه البلاد على ستة آلاف عام ، أليس من المضحك
المبكي ومن انقلاب المعايير واختلال الموازين أن يصبح شارون الجزار
القاتل في دير ياسين – وقاتل الأسرى المصريين وهم أحياء في حرب 1967
وبطل مجزرة صبرا وشاتيلا وبطل مجازر نابلس وجنين وكل مدن شعبنا ،
أليس هو انتكاس المعايير أن يصبح شارون رجل سلام وصاحب قلب طيب في
عرف بوش بينما يصبح كل مقاوم فلسطيني هو إرهابي ويستحق أن يسحق
بالدبابات وأن يقصف بالطائرات الأمريكية ، وعند الرأفة به فإنه ينفى
من وطنه إلى قبرص والبرتغال و إيطاليا فيصبح لاجئا بعد إذ كان لاجئا
قبل ذلك مرتين في داخل وطنه ؟ أليس هو انقلاب الموازين واختلال
المعايير أن تفتح الأراضي الفلسطينية على مصراعيها ليهود الأرجنتين
وأوكرانيا وفرنسا بينما تخلى ويهجر أبناء فلسطين إلى كل أرجاء الدنيا
وأصقاعها ليس إلا لأن أمريكا لم تقتنع بعد بأن الشعب الفلسطيني قد
جعل من السلام وفق الفهم الأمريكي خياراً استراتيجيا؟!
أليس هو
انقلاب الموازين وتزييف الحقائق واختلال المعايير أن يقيم شارون أوسع
تحالف حكومي في تاريخ "إسرائيل" يكاد يصل إلى 85 عضو برلماني من أصل
120 ينطلق في سياسته ضد الشعب الفلسطيني من أوسع قاعدة بينما يقوم
الرئيس الفلسطيني بتسليم أحمد سعدات أمين عام الجبهة الشعبية وتفرض
الإقامة الجبرية على الشيخ أحمد ياسين في بيته في غزة وكل هذا بحراسة
الشرطة الفلسطينية و بأوامر أمريكية تلبية لطلبات "إسرائيلية" ؟ .
أليس هو
المضحك المبكي والذي يجعل الحليم حيرانا أن الرئيس عرفات وفي الوقت
الذي هو فيه محاصر في مقره في رام الله بالدبابات "الإسرائيلية" فإنه
يصدر أوامر بحصار الشيخ أحمد ياسين في غزة بالبنادق الفلسطينية .
إن ما يقال
من إن الشعب الفلسطيني هو ظالم والشعب "الإسرائيلي" هو المظلوم ، وأن
الفلسطينيين هم قتلة بينما "الإسرائيليون" ضحايا مساكين ، وأن الرصاص
الفلسطيني هو رصاص العنفوان بينما الرصاصة "الإسرائيلية" هي رصاصة
الرحمة ، وأن البندقية الفلسطينية هي عدوان بينما طائرات وصواريخ
ودبابات "إسرائيل" هي دفاع عن النفس، وأن ما يقال من إن الفلسطينيين
يربون أبناءهم على الحقد والكراهية ، بينما يربى "الإسرائيليون"
أبناءهم على التسامح والسلام ، وأن ما يقال إن شارون رجل سلام بينما
الفلسطينيون والمناضلون والمجاهدون إرهابيون ، وأن ما يقال من إن
شارون يلوح بغصن زيتون ويطلق حمامة بيضاء بينما الفلسطينيون يلوحون
بقبضات مغموسة بالدم ، وأن ما يقال في إن للمعارضة "الإسرائيلية"
الحق بأن تشارك في الحكومة ويكون لها وزراء بينما يجب أن يزج
بالمعارضة الفلسطينية في غياهب السجون وأن ما يقال بل ما هو واقع من
إن الراف عوفاديا يوسف يتودد عند قدميه كبار السياسيين بينما العلماء
والدعاة المسلمون أصحاب فتنة داخلية ، في عرف وقاموس القيادات
الأمنية الفلسطينية ، إن ما يقال عن هذا كله وغيره كمثل ما قال أبو
العلاء :
إذا وصف الطائي بالبخل مادر
وعير قسّا بالفهامة باقل
وقالت سها للشمس أنت ضئيلة
وقال الدجى يا صبح لونك مائل
وطاولت الأرض السماء سفاهة
وفاخرت النجم الحصى والجنادل
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدي إن عيشك هازل
· مادر
: رجل معروف بالبخل
· باقل
: رجل معروف بالعي
· سها
: كوكب خفي بعيد
· أي والله
إنه عيش الهز ل أن يصبح أبناء الزنا ولقطاء شوارع لندن ونيويورك هم
سادة العالم والحاكمين بأمره بينما يطارد فيه الشرفاء و الأخيار تحت
مسميات محاربة الإرهاب .
· أي والله
إنه عيش الهزل والدنيا التي لا قيمة لها أن يصبح رعاة تكساس و أحفاد
قطاع الطرق الذين نفوا من أوروبا إلى أمريكا – المصلحون بينما يشار
إلى أحفاد أبي بكر وخالد وطارق والمثنى وصلاح الدين أنهم المفسدون
.
· أي والله
إنه عيش الهزل وأنه بطن الأرض الذي هو خير من ظهرها أن يصبح حملة
الإيدز وقادة بلاد القتل والجريمة واللصوص هم الأخيار ، بينما يصبح
حملة رسالة الخير والحب والسلام هم الأشرار .
· أي والله
إن عيش الهزل أن يصبح دعاة الرأسمالية الظالمة والعولمة الطاغية هم
عناوين البناء و الأمل بينما دعاة الإسلام والعالمية هم عناوين الهدم
والإرهاب .
عذرا يا حاتم
الطائي إن وصفك بالبخل مادر وعذراً يا قس بن ساعدة يا فصيح العرب
وخطيبهم إن وصفك بضعف النطق والتعبير باقل ، عذراً يا الشمس إن رآك
نعسان أو أعشى البصر بأنك صغيرة ونورك خافت ولا تحزن يا صبح ويا
إشراقة الفجر أن رماك الليل بالعتمة ، أما أنت يا سماء ، فلا تحزني
إن تطاولت عليك الأرض ولا باس عليك يا نجوم من تطاول حصيات الوديان
التلال ، عذراً ولا بأس عليكم فنحن في زمن الشقلبة ، وعذراً و ألف
عذراً أيها الخيرون من أبناء الأمة ، أيها الشرفاء و الأبطال من
أبناء شعبنا يا أحفاد المجد ويا عناوين المستقبل إن تطاولت عليكم
مارقون قد ابتسمت لهم الدنيا قليلاً فستظلون أنتم عناوين الإصلاح
والخير و الأصالة .
أما أنت أيها
المسلم المفدى فستبقى أنت الإسلام العظيم ما تعاقب الليل والنهار
وعند قدميك أيها الإسلام سيتقزم كل المتطاولين الذين ظنوا أن انحراف
المعايير واختلاف الموازين وانتكاس القيم سيظل أبد الدهر ، جاهلين ،
وما أغباهم أن زمن الشقلبة لا يدوم وأن الخير سينتصر على الشر وأن
الفضيلة ستنتصر على الرذيلة وأن النور سيطارد فلول الظلام وأن حقنا
سيقهر باطلهم كيف لا والله قد قال{بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه
فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون}
{والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون
}
|