|
إن
استعراضاً سريعاً للتاريخ الفلسطيني يظهر لنا ظاهرتين متلازمتين عبر هذا
التاريخ :
الظاهرة الأولى :
هي الضغط المستمر
على المقاومة الفلسطينية لتوقف مسيرتها بحجة إتاحة الفرصة للتفاهم مع
الدولة المحتلة للوصول إلى حلّ (سلمي) للمشكلة الفلسطينية . و كان هذا
الضغط يأتي عبر بريطانيا في السابق و كذلك عبر الدول العربية التي تسير
في فلكها من جانب آخر ، و كان الشعب الفلسطيني المسكين أو لنقل القيادة
الفلسطينية بالتحديد تتجاوب مع هذه الضغوط حتى لا تبدو متطرفة و لتكون
واقعية كما يقولون ، و غابت عن هذه القيادة الرؤية التاريخية و
الاستراتيجية البعيدة في أن المشروع الصهيوني ماضٍ في طريقه برعاية
بريطانيا ليصل إلى نهايته ، و ما محاولات التهدئة التي تطالب بها
بريطانيا و أعوانها إلا وسيلة لتمرير المشروع الصهيوني و إتاحة الفرصة
لليهود لتنفيذه ، فكل وقت يكسبه اليهود من خلال التهدئة يكون فترة ضرورية
و مهمة و لازمة لاستكمال بناء المشروع ، و لم يستفد الفلسطينيون من
التهدئة إلا إضعاف روح الجهاد و المقاومة عندهم أما اليهود فقد فاجئوا
الفلسطينيين - بل و العرب جميعاً - بقوتهم التي بنوها بمساعدة التهدئة
العربية .
و كل دعوات
التهدئة التي تطالب فيها أمريكا الفلسطينيين لا تختلف عما كانت تقوم به
بريطانيا في السابق ، فقد استبدلت أمريكا ببريطانيا و عملاء أمريكا
بعملاء بريطانيا . إن دعوات التهدئة هذه لا يقصد منها إلا قتل روح الجهاد
و المقاومة و إنهاء الانتفاضة و هي أكثر اللحظات إشراقاً في التاريخ
الفلسطيني ريثما تستكمل دولة الكيان الصهيوني تجهيز نفسها لتكون دولة
عظمى في المنطقة تسيطر على كل مقدرات الأمة العربية و الإسلامية مقابل
وعود هلامية لا قيمة لها لا تختلف عن وعود بريطانيا للفلسطينيين في
السابق .
الظاهرة الثانية :
أن الحركة الصهيونية
في السابق و دولة الكيان الصهيوني حالياً لم تتعرض لضغط يذكر من بريطانيا
سابقاً أو من أمريكا حالياً ، و بالطبع الأعوان لا يملكون إلا رجاء
يقدمونه للكيان ليرأف بالشعب الفلسطيني خوفاً من تحريك إخوانه من العرب و
المسلمين الذين سيتعاطفون معه فتزعج تلك الأنظمة .
الحركة الصهيونية في
السابق "ضحية مسكينة" لـ "وحشية" العرب فيجب دعمها و الوقوف معها في
مواجهة هؤلاء المعتدين ، و كذلك دولة الكيان الصهيوني اليوم "مظلومة"
تدافع عن نفسها في مواجهة هؤلاء الفلسطينيين "المتوحشين" .
الجديد في الظاهرة
أن هناك من بين الشعب الفلسطيني من نصب نفسه للقيام بهذه التهدئة في
مقابل ماذا ؟ هل هناك أي مصلحة للشعب الفلسطيني في ذلك ليس إلا مقابل
الحفاظ على الكرسي أو الحفاظ على المصالح لا أكثر و لا أقل .
إن تهدئة المقاومة
هي في الحقيقة من أكبر الجرائم التي ترتكب في حقّ الشعب الفلسطيني .. نحن
في سباق مع الزمن في حربنا ضد الكيان الصهيوني و حين بدأ الكيان أو على
الأقل بعض مفكريه يشعرون أن الانتفاضة و استمرار المقاومة يهدّد بقاء
الكيان الصهيوني و كذلك يهدّد المشروع الصهيوني برمته ، تأتي هذه التهدئة
لتعيق تنامي الروح الجهادية في أوساط الفلسطينيين بل و الأمة الإسلامية
جمعاء ، بل تريد هذه التهدئة أن تبقى على حالة الهوان و المذلة التي
يعيشها الإنسان الفلسطيني و العربي و المسلم في ظلّ أنظمة العار ، و في
نفس الوقت يعطي الوقت الكافي للكيان الصهيوني لاستيعاب المهاجرين الجدد و
إحلالهم مكان الفلسطينيين بهدوء و تنفيذ البرامج المعدة لتهجير
الفلسطينيين من هذه الأرض بهدوء أيضاً .
التهدئة موت و تخلف
و مذلة و هوان و تمكين لليهود في أرض الإسلام و تضييع لحقوق الفلسطينيين
و مستقبل أبنائهم…
و المقاومة حياة و
تحرّك إلى الأمام و أمل للفلسطينيين ، بل و للمسلمين جميعاً في إزالة
المحتلين و أعوانهم في المنطقة …
التهدئة و أصحابها
أعداء للأمة و مستقبلها …
و المقاومة و
مجاهدوها هم أمل هذه الأمة في الانعتاق و التحرر و المستقبل المشرق ، فلا
كانت التهدئة و لا كان أصحابها .. و نعم و ألف نعم للمقاومة و شهدائها و
مجاهديها …
|