الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور إبراهيم المقادمة

عودة

 

الحج: عبادة تخلد التضحية

 

 بقلم : الدكتور إبراهيم المقادمة

 
إن المسلم الذاهب لأداء فريضة الحج يقرأ عن المناسك قبل أن يذهب ويحاول أن يكون فكرة عن هذه العبادة التي تجمع التضحية بالمال والتضحية بتعب البدن ومشقته ويرى أنه في كل خطوة من خطواته سيتابع خطواته عائلة سيدنا إبراهيم المباركة في قصتها الهائلة مع اليقين والصبر والاحتساب والتضحية. ولكنه ما إن يصل إلى هناك حتى يحس أ، هذه الفكرة التي كونها لا تكاد تكون إلا صورة باهنتة عن الحقيقة تروعه المشاهد والأمكنة وهو يتذكر هذه القيم.

إنه ما إن يرى البيت الحرام حتى يتخيل إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت وإسماعيل عليه السلام وهو يناوله الحجارة ويساعده، ويتذك رقول الله عز وجل "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" فيدعو معهم "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" ويتذكر حديث رسلو الله صلى الله عليه وسلم يروى عن ابراهيم واسماعيل، قال ابراهيم عليه السلام: يا اسماعيل إن الله أمرني بأمر، قال فاصنع ما أمرك ربك، قال: وتعينني، قال: وأعينك. فيستشعر أهمية المبادرة إلى طاعة أمر الله وواجب الجميع على الإعانة وسرعة الاستجابة التي كانت لدى اسماعيل عليه السلام.

وما أن يصعد على الصفا والمروة حتى يتذكر تلك المرأة الصابرة الملهوفة على رضيعها وهي تسأل إبراهيم عليه السالم حين تركها: إلى من تتركنا وإبراهمي عليه السلام لا يلتفت إلى زوجه وولده مخافة أن يثنيه هذا النظر عن مهمته وامتثاله لأمر الله فيجيب: أترككم لله، فتقول إذن لا يضيعنا. أي يقين هذا الذي لف هذه المرأة المؤمنة وهي تمكث وحيدة مع رضيعها في هذا المكان المقفر "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون" يتذكر الإنسان المؤمن هذه البداية والإيمان والتسليم من إبراهيم عليه السلام وزوجه هاجر وينظر إلى النتيجة والاستجابة لدعاء إبراهيم حيث تهفو قلوب الملايين إلى زياردة هذا المكان والإقامة فيه ويتذكر الأرزاق والثمرات التي تجبى إلى البيت الحرام من كل أرجاء الدنيا فيرى أثر الدعاء الصالح حين يخرج من قلب آمن بالله وتوكل عليه وتوجه إليه بكليته. يتابع وهو يسعى بين الصفا والمروة خوات هذه الزوجة الصابةر المحتسبة وهي تبحث عن الماء لتشرب وترضع وليدها ويعرف أن سعية بين الصفا والمروة إنما هو تخليد لتلك الخطوات التي سارتها فيعيش في جو من السمو والارتفاع حين يرى ماء زمزم الذي تفجر من الأرض ليقوم بهذه المهمة بعد أن عجزت وسائل هذه المرأة الأرضية واستسلمت لله عز وجل فيحاول أن يشرب من هذا الماء ما استطاع امتثالا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم "وليتضلع منه".

وحين يذهب إلى رمي الجمار يتذكر موقف إبراهيم عليه السلام وهو يقهر الشيطان الذي تعرض له ليثنيه عن تنفيذ أمر الله سبحانه فيتذكر القصة الرائعة كاملة قصة إبراهيم عليه السلام مع ولده حين قال له "يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى" إن إبراهيم عليه السلام كان سيمضي لتنفيذ أمر الله عز وجل سواء وافق اسماعيل أم لم يوافق ولكنه أراد أن يشرك ولده معه في الأجر بامتثالها لأمر الله وقد كان اسماعيل عليه السلام عند حسن ظن أبيه، "قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين" هذا الابن البار المؤمن بالله يرينا كيف تكون التضحية بالنفس حين قبل بذبح نفسه على يد أعز الناس عليه، إنه يعطينا الأساس للعمليات الاستشهادية التي يقدم عليها شباب الإسلام اليوم امتثالا لأمر الله بالجهاد. الأب يستعد لذبح ولده وهو أعز عليه من نفسه والولد يقبل بهذا بكل أريحية ومستعينين على هول المشهد بالله "ستجدني إن شاء الله من الصابرين"، والله سبحانه وتعالى يعلم تماما صدق هذين الرجلين العظيمين في التوجه حيث أنه المطلع على خفايا الضمائر.

"فلما أسلمه وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين، إن هذا لهو البلاء المبين، وفديناه بذبح عظيم، وتركنا عليه في الآخرين، سلام على إبراهيم" عندما يذهب المؤمن ليذبح الهدي فإنه يتذكر عند ذبح هذا الفداء العظيم الذي خلده الله سبحانه من خلال هذه الشعائر تخليدا لهذه الطاعة المذهلة والاستجابة الكاملة لأمر الله عز وجل فيعيش لحظات من السمو الروحي والاقتراب من الله عز وجل تعطيه زادا لسنوات وسنوات وتجعله يخجل من نفسه حين تضن بتضحية في سبيل الله وينظر إلى كل تضحياته التي قدمها فلا يجدها تكاد تذكر بالقياس إلى هذه التضحيات. قد تسهل التضحية لو كان الطفل مات رضيعا أو جنينا ولكن أن يكون ذلك في سن الشباب عندما يرجو الوالد أن يعينه ابنه "فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أنى أذبحك" فهو أمر شاق على شيخ عجوز كان ينتظر اللحظة التي يكبر فيها ابنه ليعينه على تكاليف الحياة. وقد تسهل التضحية حين يكون الوالد ناشزا معاكسا لوالده أو غبيا تافها ولكن حين يكون ولدا نابها فإن التضحية لا تقدر "فبشرناه بغلام حليم". وقد تكون التضحية سهلة حين يموت الابن حتف انفه أو في ساحة القتال مع الأعداء ولكن أن يذبح ابنه بيده فهذا فوق التصور.

لقد استجمعت قصة ابراهيم واسماعيل عليهما السلام كل معاني التضحية والفداء فاستحقت شهادة الله عز وجل "إن هذا لهو البلاء المبين" واستحقت هذا التخليد في هذه العابدة التي هي ركن أساس من أركان الإسلام.

ولا يكاد الإنسان يفيق من هذه الذكريات حتى يتذكر هذه الأرض المباركة التي شهدت مولد رسولنا الحبيب، وشهدت خطواته وهو يتنقل في مكة وشهدت بعثته وجهاده ودعوته وهو يصارع الجاهلية وشهدت أصحابه وهم يثبتون على الحق في وجه التعذيب والإيذاء والتنكيل ويضحون بكل شيء في سبيل الله. إنه سيل التضحية المتدفق جيلا من بعد جيل على خطى إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام "ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم". يتذكر تضحيات رسول الله وصحبه الكرام في بداية الدعوة لتقابل تضحية إبراهيم واسماعيل عليهما السلام، ثم يتذكر دخول رسول الله صلى الله عليه سلم إلى مكة فاتحا بعد الصبر الطويل على المحنة والجهاد ليقابله كفار مكة بقولهم أخ كريم وابن اخ كريم، فيرى أنها نفس السلسلة: التضحية والصبر والاستجابة لأمر الله ثم الفور والفلاح هناك بالذبح العظيم وهنا بالفتح العظيم.

ولا تكتمل الصورة حتى يذهب المؤمن إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصلاة في مسجده ورؤية منبره وقبره والمكوث لحظات في الروضة التي هي من رياض الجنة ويرى قبره وقبور صاحبيه العظيمين أبي بكر وعمر فيسترجع في ذاكرته كل ما اختزنته هذه الذاكرة من أحداث السيرة وتاريخ الجهاد الذي عاشه صلى الله عليه وسلم وهذين الخليفتين الذين بهرا العالم بالاستقامة والجد والحزم في تنفيذ أمر الله وحراسة دينه، وما أن يمر على بدر أو مكان موقعة أحد ويرى قبور الشهداء حتى يسترجع في ذاكرته هؤلاء الأبطال الذين رعوا نبتة الإسلام الناشئة وحفوها بجهادهم وسقوها بأرواحهم حتى أورقت واخضرت وأينعت وجادت لنا بأفضل الثمار، يتذكر هؤلاء العظماء وما لهم من فضل علينا حين جاهدوا في سبيل الله فاتحين لبلادنا فأسلم آباؤنا على أيديهم ومن ثم نقلوا لنا هذا الإسلام جيلا من بعد جيل فيحس بما لهم من فضل علينا ودين في أعناقبنا يجب أن نذكره ما حيينا فنقول ضارعين ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل ف يقلوبنا غلا للذين آمنا ربنا إنك رؤوف رحيم".

وما يكاد الواحد منا يغادر الحجاز حتى يشعر أن رحلته إلى ملكوت المسوات قدا انتهت ويحس بلهفة شديدة إلى معاودة الكرة، إنه الآن يهبط على الأرض الت يتركها منذ ان دخل الأرض المقدسة. لقد كانت روحه خارج نطاق هذه الأرض لا يسأل عن جسد ولا عن أهل ولا مال بل كان يعيش بسحسدة على الأرض فقط أما روحه فقد كانت في عالم آخر، عالمعلوي جميل، لقد كان في شيء أقرب ما يكون فيه إلى الحلم فليس غريبا أن نجد إحساسا موحدا عند جميع من حد أنه ما أن يغادر الحجاز حتى يبدأ بالشوق إلى إعادة هذه الزيارة ليعيش هذه اللحظات ويستشعرها من جديد. إنها مرحلة تطهير للنفس من أدرانها ولهذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه" نعم أنه تجرد بقربه من الله من كل هذه الذنوب فليبدأ مرحلة جديدة من الإيمان والعمل الصالح والتضحية واليقين.