الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور إبراهيم المقادمة

عودة

 

الصبر في مقابل دغدغة العواطف

 

 بقلم : الدكتور إبراهيم المقادمة

 

من أغرب ما يمر بقضيتنا الفلسطينية صورة من النفاق السياسي عجيبة . هذه الصورة بدأها السادات وسار أصحاب أوسلو على خطاه . حيث أننا لم نعرف زعيماً عبر التاريخ قبل السادات يطلب من شعبه أن يعيش حياة الجبن والمهانة فقد صرح قبل أن تتحرر الأرض المصرية ناهيك عن الأرض الفلسطينية إن هذه الحرب ستكون آخر الحروب وأنه لا يريد أن يدفع بأبنائه إلى المعركة حفاظاً على أرواحهم وطلباً للرخاء الذي أوهم شعبه أنه قادم على الأبواب بمجرد انتهاء الحرب .

لقد كان من عادة العرب أنهم يرخصون أرواحهم للحفاظ على كرامتهم وعزتهم حيث يقول الشاعر الجاهلي :

                          إنا لنرخص عند الروع أنفسنا           ولو نسام بها في الأمن أغلينا

ويقول عنترة بن شداد :

                          أثنى عليّ بما علمت فإننـي                سمح مخالطتي إذا لم أظلم

                          فإذا ظلمت فإن ظلمي باسل               مرٌ مذاقته كطعم العــلقم

ويقول أبو تمام :        

                          ولقد أبيت على الطوى وأظله             حتى أنال به كريم المأكــل

                          لا تسقني ماء الحياة بذلـةً              بل فاسقني بالعز كأس الحنظل

                          ماء الحياة بذلـة كجهنـمٍ               وجهنـم بالعز أكرم منــزل

 

وفي المثل العربي : تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها .

هذا في الجاهلية ولو أردنا أن نعدد أشعار الجاهليين التي يعبرون فيها عن رفضهم الضيم واستعدادهم لبذل نفوسهم رخيصة للحفاظ على الكرامة لكانت أكثر من أن تحصى . وجاء الإسلام ليزيد الأمر قوة . حيث يقول الله عز وجل : " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون " . ويقول عز وجل : " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " .

ويقول عز وجل : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " .

إن وظيفة القائد عبر التاريخ هي رفع همة شعبه ونفخ روح العزة والكرامة والنخوة فيه ومطالبة الشعب بالصبر حتى يصل إلى أهدافه السامية . وننظر إلى قصة موسى عليه السلام مع بنى إسرائيل حيث يقول لهم : " استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عبادة  والعاقبة للمتقين " ولكن بني إسرائيل غلبت عليهم طبيعتهم حيث قالوا لموسى عليه السلام " أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا " أي إنك لم تعمل لنا شيئاً فحالنا لم يتغير وهنا كان دور القائد أيضاً في بث روح العزيمة والأمل " قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون " .

ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول لنا " الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " .

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان دوماً يبث الأمل في نفوس أصحابه في مواجهة المحنة ويطالبهم بالأخذ بالعزيمة ويغضب من استعجالهم للنصر وقلة صبرهم . حيث يقول خباب بن الأرت رضى الله عنه شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة في ظل الكعبة فقلنا ألا تستنصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يصده ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون " . نلاحظ هنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم ما بأتباعه من الشدة والعنت والضيق ولكنه لا يقبل التنازل عن منهج الحق أبداً بل يطلب منهم أن يسيروا على خطى الأحرار السابقين في الثبات على الحق والصبر على المشقة مهما كانت الظروف حتى يأتي نصر الله .

ولكننا في عصرنا العجيب نفاجأ بعكس ذلك تماماً الشعب الفلسطيني يعيش على الشظف والجوع في ظل الحصار ويقدم الشهداء والجرحى والمعتقلين وإرادته لم تنكسر ولكن هناك من نصب نفسه ليبث روح الهزيمة  في هذا الشعب المجاهد بحجة أنه مشفق عليه من الجوع  وراحم له من المعاناة .

إن الشعب الفلسطيني الذي يقتل أبناؤه كل يوم وتنتهك مقدساته ، وطرد من أرضه وجثم الاحتلال على صدره  لا يرضيه أقل من التحرر الكامل لترابه المقدس وطرد الغزاة المحتلين وقد أثبت في السابق ويثبت اليوم بشكل أروع التفافه حول خيار المقاومة مهما عظمت التضحيات ولا أدل ذلك من تلك الفرحة العارمة التي تجتاح الشعب عند كل عملية استشهادية يسمعها حتى أن الشعب يوزع الحلوى في مثل هذه المناسبات التي يثأر بها لدماء أبنائه .

إن الشعب الفلسطيني لن يكون أقل من شعوب الأرض جميعاً التي قاتلت حتى نالت استقلالها ، بل إن الشعب الفلسطيني الآن يعيش في حالة جهادية رائعة جعلته مثلاً يحتذى به من بين الشعوب المقهورة المغلوبة على أمرها .

قد يقول بعض أدعياء الفهم السياسي : ماذا حققتم ؟ لم تحرروا شبراً واحداً ؟ وليس هناك ما هو أفضل من السلام . نقول لهؤلاء إننا حررنا إرادة الإنسان من الوهن والضعف ، حررناه من حب الدنيا وكراهية الموت . وتحرير إرادة الإنسان هي المقدمة الطبيعية لتحرير أرضه " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " . ونقول لهؤلاء : " ارفعوا أيديكم عن شعبنا وجهاده وسترون هذا الشعب يحقق العجب العجاب بإذن الله حيث تتفاعل إرادة الإيمان في قلوبنا فتنعكس ناراً تحرق المحتلين "  نقول لهؤلاء : " الشعب لم يشك لكم ظلامته حتى تكونوا محامين عنه فالشعب يعرف حتماً كيف يسترد حقوقه عزيزة كريمة لا مساومة عليها ولا على بعضها.

وكل محاولات التخويف والتهديد سيواجهها شعبنا كما واجهها المؤمنون الأوائل " الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم " .

إن هؤلاء المهزومين يدغدغون عواطف الجماهير بحجة الشفقة عليها والحرص على مصالحها ولكن القادة الحقيقيين وظيفتهم أن يطالبوا شعبهم بالصبر والعمل المتواصل دون كلال أو ملال حتى تحقيق الآمال في التحرر والإنعتاق . وعلى شعبنا أن يحذر من ألاعيب هؤلاء ولا يستمع إلا لمن يدعو إلى كرامة هذا الشعب ومكانته الحضارية والإنسانية . فنصر الله قادم لا محالة طالما أنا سلكنا طريق الإيمان الصحيح  . ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز .