|
من سخافات العصر
الحديث التلاعب بالمصطلحات وإعطاؤها مضموناً غير مضمونها الحقيقي بل
المضمون المناقض تماماً لمضمونها؛ مثلاً : الخمر أم الخبائث يسمونها
مشروبات روحية .وهي أسوأ تسمية يمكن أن تسمى بها . فهي مضادة للروح
تماماً ومضادة للعقل ولكل ما هو روحاني . والمصطلحات المشوهة كثيرة
ولكننا اليوم بصدد مصطلح الإصلاح . فأمريكا تريد الإصلاح في فلسطين
والعالم الإسلامي و"إسرائيل" تعزف على نفس الوتر الإصلاح . ومن البدهي
أن أمريكا و"إسرائيل" لا تريد إصلاحاً لحال المسلمين .
وأخيراً جاء شارون
ليوضح طبيعة هذا الإصلاح الذي يريد ، إنه يريد من الشعب الفلسطيني أن
يغير سلطته المجرمة المستبدة بحكومة سلام تتفاهم مع شارون وتعطيه ما يطلب
حتى يقيم معها السلام الذي يزعم .
و نفس هذه
الأسطوانة المشروخة يرددها جورج بوش حيث إنه يريد في العالم حكومات
ديمقراطية تحارب "الإرهاب" فهل يا ترى هذه الحكومات الديمقراطية نموذجها
الحقيقي حكومة حامد كرزاي في أفغانستان ؟ هل يتخيل شارون أو بوش أنه في
ظل حكومة ديمقراطية منتخبة بشكل حقيقي من الشعب في البلاد الإسلامية
جميعاً سيجدون حاكماً واحداً يقبل بأن يتنازل لإسرائيل أو لأمريكا وينفذ
لهما ما يطلبان .
يبدو أن غرور
القوة وجنون العظمة ينسيان صاحبهما بدهيات الأشياء فشارون يريد حكومة
عميلة تنفذ له ما يريد أو بالأحرى يريد استنساخ نموذج انطوان لحد فلسطيني
ويريد لهذا الانطوان أن يكون منتخباً ديمقراطياً . وهو بهذا لم يتعلم من
تجربة انطوان لحد الأول وكيف فر هو وجنوده أمام ضربات أبناء الشعب
اللبناني الذي لم يعجبه هذا النظام الذي يقوده أنطوان لحد .
وهل يتوقع بوش من
حامد كرزاي أن يكون حاكماً ديمقراطياً مقبولاً لدى شعبه ، هذا الحاكم
الديمقراطي المقبول أمريكياً لا يجد من شعبه من يحرسه لأنه لا يثق بشعبه
، هذا الحاكم الديمقراطي الذي لم يستطع أن يجد في شعبه من خمسة وعشرين
مليوناً بضعة عشرات من الشباب يطمئن إليهم ليحرسوه فاستورد حراساً
أمريكيين لكي يحرسوه يبدو أن هذا الحاكم ديمقراطي جداً .
إن محاولات
الاغتيال التي تعرض لها كرزاي والتململ الذي يبديه الشعب الأفغاني الذي
بدأ يقاوم الوجود الأمريكي في أفغانستان كما قاوم الوجود السوفييتي من
قبل تؤكد أن جورج بوش لم يستوعب الدرس السوفييتي جيداً .
وما يخطط جورج
بوش وشارون معاً للعراق للتخلص من الحكم الاستبدادي والإتيان بحاكم
ديمقراطي تحرسه أمريكا هو نموذج لهذا الإصلاح المنشود الذي تريده لنا
أمريكا و"إسرائيل" . وما هؤلاء المرتزقة الجاهزون لاستلام السلطة تحت
حراسة الحراب الأمريكية إلا نموذج للحاكم الديمقراطي المنشود .
إن أي خيار
ديمقراطي حقيقي في أي بلد إسلامي سيأتي حتماً بالإسلاميين إلى السلطة كما
حصل في الجزائر ذات يوم و حينها ستكون مصلحة البلد الحقيقية هي التي تحرك
هذه الحكومات الإسلامية وبالطبع ستصطدم رغبات أمريكا في الاستيلاء
والسيطرة على خيرات المسلمين مع هذه الحكومات السلامية حيث لن تقبل أي
دولة حقيقية بسيطرة الأجنبي على مقدراتها وهكذا وقفت أمريكا والغرب
عموماً ضد إنشاء دولة إسلامية في كل من الجزائر وتركيا وباكستان
وأفغانستان والسودان رغم أن نموذج الجزائر وتركيا وباكستان جاء عبر
انتخابات شبه ديمقراطية ولو كانت ديمقراطية حقيقية لفاز الإسلاميون بعدد
أكبر من مقاعد البرلمان ولن تقدم أمريكا الحجج الواهية لوقوفها ضد
الإسلاميين بحجة أنهم غير ديمقراطيين ، فهل يا ترى هؤلاء الحكام القتلة
الذين يساندونهم هم ديمقراطيون حقيقة ؟ .
هل صحيح أن نظام
صدام حسين نظام قمعي استبدادي ؟ بينما النظام الأردني والمصري نظم
ديمقراطية شعبية . أم أن المسألة هي بوضوح من ينفذ سياسة
أمريكا و"إسرائيل" هو المقبول أي كانت درجته من قمع شعبه ومن يرفض سياسة
أمريكا وإسرائيل هو غير ديمقراطي مهما كان مقبولاً عند شعبه ومهما جاء
عبر انتخابات ديمقراطية نزيهة ، المسالة واضحة لكل ذي عينين .
أذكر حينما كنا
صغاراً كنا نسمع عن الرجعية وقد كان هذا المصطلح يُعلم لنا في المدارس من
المدرسين القوميين على أنه رمز للتخلف والجهل والاستبداد الذي تقوم به
الأنظمة الملكية العربية في مقابل النظام الثوري الذي يقوده جمال عبد
الناصر . ولما كبرنا وصحونا على الواقع لم نجد أي اختلاف في التخلف
والجهل والاستبداد بين هذه الأنظمة الملكية وبين نظام عبد الناصر الثوري
إلا في درجة القمع للحريات التي تميز بها نظام عبد الناصر تميزاً واضحاً
.
وكان من أوائل
الأشياء التي أثارت الشكوك في نفسي وأنا صغير وصف الشيوعيين للدول
الأمريكية والأوروبية الغربية بأنها دول رجعية . وأن الاتحاد السوفييتي
دولة ديمقراطية فإذا كانت الرجعية تعني التخلف والجهل والاستبداد ، فأين
هو التخلف ؟ هل في الدول التي وصلت قمة التكنولوجيا وقمة التعليم وقمة
الديمقراطية . أم في الاتحاد السوفييتي الذي كان نموذجاً للقمع
والاستبداد والتخلف . وتبينت الحقيقة عندما كبرت أن الرجعية والديمقراطية
لا مفهوم حقيقي لها عند هؤلاء ولا هؤلاء . وإنما كلٌ يمدح نفسه وأنصاره
بصفات ليست فيه ولا في أنصاره ويذم الآخرين بما ليس فيهم والمصلحة الضيقة
لهذا الفريق أو ذاك هي التي تخدم قيمة المصطلح ومعناه .
ووعيت أكثر أنه
في غياب الحكم الإسلامي الحقيقي تضيع القيم وتستعلي الأهواء وأدركت أكثر
أن من واجبنا نحن المسلمين أن نكافح ليس فقط لنحرر ونقيم النظام الإسلامي
الذي يحكم حياتنا بالقرآن بل يجب علينا أن نكافح لنحرر الإنسانية كلها من
هذا الزيف المسمى أمريكا أو المسمى ديمقراطية .
في ظل أوربا
وأمريكا صار احتلال الشعوب وسلب خيراتها وتدمير بلادها وتسخير مقدراتها
للأجنبي " استعماراً " وصار جهاد الشعوب لنيل حريتها واستقلالها واحترام
إرادتها " إرهاباً " .
ليس أسوأ في هذا
الوجود من مسخ القيم وقلب الحقائق إن هذا يذكرنا بقول قوم لوط " أخرجوا
آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون " وإذا استمر هذا الوضع فإن مصير قوم
لوط من هذا العالم الذي تقوده أمريكا ليس ببعيد . ويجب علينا كإسلاميين
أن ننقذ العالم من هذا المصير البائس .
أمريكا
و"إسرائيل" تريد تغيير معالم المنطقة وفق رغباتها وتسمي ذلك إصلاحاً
والإسلاميون يريدون تغيير معالم المنطقة لتسير وفق شرع الله وشتان بين
تغيير وتغيير . تغيير يُمكن الأجنبي والمحتل من شعبنا ويسلبه حتى حضارتنا
وإرادتنا . وتغيير يُعلي قيمة الإنسان في بلادنا ويحرره من كل أنواع
الاضطهاد والقمع ليعيش في ظل العدالة الإسلامية ونسمي ذلك إصلاحاً .
وشتان شتان بين الإصلاح الإسلامي والإصلاح الأمريكاني .
وطغاة البلاد
الإسلامية يحاولون تضليل شعوبهم بخلط الأوراق في وسائل إعلامهم المنافق
فطالما أن الإسلاميين يريدون التغيير والأمريكان واليهود يريدون التغيير
فهم سواء في الوقوف ضد هؤلاء الطغاة . والمسألة أوضح من واضحة لكل ذي
عينين . " قل هل تستوي الظلمات والنور " . |