|
يسارع الكثير من
دعاة الواقعية السياسية باتهام الحركة الإسلامية بقصر النظر والتحجر
الفكري والعيش مع الشعارات الكبيرة وعدم الواقعية وغير ذلك مما يحلو
لهؤلاء أن يرددوه ، مدعين في نفس الوقت لأنفسهم الوعي ، والحنكة السياسية
ومواكبة السياسة الدولية وما إلى ذلك من الأوصاف التي لا قيمة لها .
ولعل أهم ما تتهم
به الحركة الإسلامية هو إصرارها على تحرير كامل التراب الفلسطيني من
النهر إلى البحر أو من البحر إلى النهر لا فرق . ويسوق هؤلاء حججاً
يظنونها متينة ولكن بعد إمعان النظر فيها يجدها الإنسان أوهاماً لا قيمة
لها سوى أنها تنازلات تقدم مجاناً للعدو وأغرب ما سمعت أن هذا يعد تطوراً
في الفكر السياسي الفلسطيني ويبدو أن هؤلاء لم يعرفوا المقصود بكلمة
التطور . فحين تتقلص أحلام هؤلاء من تحرير فلسطين كل فلسطين إلى دولة
علمانية يعيش فيها المسلمون واليهود والنصارى على قدم المساواة إلى إقامة
دولة على أي شبر يتم تحريره من فلسطين بشرط عدم الاعتراف بدولة "إسرائيل"
إلى إقامة دولة في الضفة والقطاع إلى القبول بأوسلو ثم القبول بغزة بيت
لحم أولاً . حيث تتقلص هذه الأحلام بالتدريج . فهل هذا هو التطور المقصود
في تسميتهم أم إنه التدهور في الحقيقة والتراجع الذي لن يقف عند حد بعد
أن أصبحت الخطوط الحمراء الفلسطينية لا وجود لها .
ولكن ما هي الحجج التي يطرحها هؤلاء الواقعيون لفكرهم المتطور ؟
أولاً : يقولون
في ظل موازين القوى الموجودة لا تسمح لنا هذه الموازين بتحرير كامل
فلسطين ولذلك لا بد لنا من الحصول على الممكن وكفانا تضييعاً للفرص التي
مرت بنا على مسار قضيتنا الطويل . وينسى هؤلاء أن موازين القوى هذه هي
التي أدت إلى ضياع فلسطين وإذا رضينا بهذه الموازين فستظل فلسطين ضائعة
ولكن من واجب كل شعب احتلت أرضه أن يسعى لتغيير موازين القوى لصالحة حتى
يغير من واقعه السيئ " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم "
. إن الفهم السياسي الحقيقي ودراسة حركة التاريخ تملي علينا أن نبذل
قصارى جهدنا في تغيير موازين القوى وأهم جانب من جوانب التغيير هو الجانب
النفسي والفكري السائد في الأمة وقد بدأنا في هذا التغيير الجذري خلال
انتفاضتين كانتا رمزاً على حيوية شعبنا وقدرته على تجاوز المحنة ، وهي
دون شك مقدمة لا بد منها للتغيير وبمزيد من الصبر سيؤتي هذا التغيير
ثماره الطيبة والتي بدت بوادرها اليوم في تآكل في المجتمع "الإسرائيلي"
من جانب وانتعاش في روح المقاومة والتضحية في شعبنا من جانب آخر .
ومن الحجج السيئة
التي يرددها دعاة الواقعية أن "إسرائيل" لن تقبل بدولة في الضفة والقطاع
ولذلك علينا أن نعرض مطالبنا أننا نريد دولة في الضفة والقطاع فسترفض
"إسرائيل" وهذا يعطينا المبرر في الاستمرار في المقاومة ونكسب الرأي
العام الدولي معنا . وينسى هؤلاء أن الرأي العام الدولي هو في يد
"إسرائيل" وهو الذي أقام دولة "إسرائيل" وهو الذي يحافظ على وجود
"إسرائيل" وهو الذي يزين الإجرام الذي تمارسه "إسرائيل" ويدعي أنه دفاع
عن النفس . وحينها سنجد أنفسنا تنازلنا عن حقنا في وطننا بدون أي فائدة
فلا أمريكا ولا غيرها يساند مطلبنا بدولة في الضفة والقطاع ولو ساند
يساند كلاماً لا قيمة له وكل ممارساته تدل على عكس هذا الكلام .
ويدعي أصحاب
الواقعية السياسية أن علينا أن نحصّل ما نستطيع تحصيله في الوقت الراهن
وعندما تصبح لدينا القوة الكافية تمزق هذه الورقة التي كتبت فيها العهود
والمواثيق وينسى هؤلاء أننا كمسلمين لا يحق لنا نقض العهود شرعاً " يا
أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " . " ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة
عند أمته ، يقال هذه غدرة فلان " . ونقض العهد إنما هو من علامات النفاق
" إذا عاهد غدر " وينسى هؤلاء أن اليهود ومن ورائهم أمريكا تفهم هذا فهي
تضع عليهم ضمانات واقعية تمنعهم من القدرة على تطوير أنفسهم مثلاً
يشترطون دولة منزوعة السلاح حتى لا تمتلك يوماً القدرة على تهديد أمن
"إسرائيل" ـ وللأسف وافق دعاة الواقعية على ذلك ـ وكذلك لا يقبلون إلا أن
تكون المعابر بأيديهم حتى يضبطوا أي إمكانية لتغيير الوضع القائم ، وكذلك
يصرون على أن تكون قواتهم على نهر الأردن ليمنعوا أي تدخل عربي أو إسلامي
. كذلك يربطون الاقتصاد الفلسطيني بعجلة اقتصادهم ، وقد ـوافق دعاة
الواقعية على كل ذلك للأسف ـ والأهم أنهم يتدخلون في برامج التعليم
ويفرضون علينا برامج السلام المشتركة لإفساد شبابنا وشاباتنا حتى يمنعوا
أي تطور إيجابي في المستقبل لشعبنا . بل إنهم تمادوا أكثر من ذلك حين
طلبوا أن يكون الفلسطينيون حراساً لأمن "إسرائيل" وإذا قصروا في ذلك
فإنهم يعرضون أنفسهم للعقاب
إن أخطر ما يدفع
هؤلاء الواقعيون لانتهاج هذه السياسة أنهم يريدون أن يحققوا هذه الأهداف
المتواضعة في حياتهم ليتمتعوا بخيراتها وينسون أن المسألة هي مصير شعب
وقضية أمة لا تقاس بأعمارهم ولا بمصالحهم وأنه من أجل مستقبل هذا الشعب
وأبنائه ومن أجل مصير هذه الأمة لا يجوز التفريط في حقوق الشعب والأمة في
فلسطين .
إن هؤلاء
الواقعيين لا يدرون أنهم لن يحققوا شيئاً من خلال تنازلهم للعدو سوى
تعقيد الأمور أمام الأجيال القادمة من الفلسطينيين الذين سيصور جهادهم
لاسترداد أرضهم على أنه نوع من الإرهاب لأنهم يقاتلون للحصول على أرض
تنازل عنها أصحابها وأصبحت ملكاً للغير .
وهكذا ينبع إصرارنا على تحرير كامل التراب الفلسطيني من البحر إلى النهر
لأسباب كثيرة منها:
1- الحق التاريخي
الذي لا يتغير ولا يتبدل وذلك بتوالي أجيال المسلمين على الأرض المقدسة
جيلاً بعد جيل وكذلك بوجود المسجد الأقصى الذي سماه الله مسجداً حتى قبل
أن يفتح المسلمون بيت المقدس .
2- حق الأجيال
القادمة في القتال من أجل فلسطين يحتم علينا ألا نفرط في تراب فلسطين
وإذا كان الجيل الحالي لا يستطيع التغيير فليس من حقه أن يحرم الأجيال
القادمة من هذا الحق وخصوصاً أن رياح التغيير في بنياننا قد بدأت وظهرت
الآن بوادر التحرك نحو الفجر القادم .
3- إن تفريطنا في
الجزء الأكبر من فلسطين سيكون سابقة لليهود ليتمددوا ليس على حساب الأرض
الفلسطينية ولكن على امتداد الوطن العربي لتحقيق حلمهم بإقامة دولتهم من
النيل إلى الفرات فنحن لا ندافع فقط عن فلسطين ولكن عن مستقبل الأمة
4- نحن أمة حية
تحمل كل مقومات الحضارة وإذا تحركت فينا دوافعنا الحضارية ـ وهي قد بدأت
تتحرك فعلاً ـ قلن تصمد في وجهنا إسرائيل ولا غير "إسرائيل" والتاريخ
خير شاهد على ذلك وما الحروب الصليبية منا ببعيد . وكل انتكاسة تمر بها
الأمة يتلوها بفضل الله صعود جديد يمد العالم الإسلامي بروح جديدة .
5- إن توقف
الجهاد يعني تسليم الأمة من جديد لحالة الترهل وفقدان الوزن ويسيطر
الحكام الفاسدون على الشعوب المهانة تحت وهم السلام المزعوم . ولكن
استمرار الجهاد من شأنه أن يذكي في الأمة روح الإباء ورفض الهوان ويشجع
المسلمين في كل أنحاء العالم على تغيير واقعهم . وقد بذلنا جهوداً خارقة
لبعث روح الجهاد في الأمة ولا يجوز التفريط بها قبل أن تصل إلى مداها في
التحرير وإقامة الدولة الإسلامية وهي ستقوم بإذن الله . والله غالب على
أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون .
|