الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 أرشيف مقالات الدكتور إبراهيم المقادمة

عودة

 

هل فشـلت الانتفاضــة؟!!

 

 بقلم : الدكتور إبراهيم المقادمة

سؤال بات يردّده العديد من المهزومين في محاولة منهم لإضعاف روح المقاومة في الشعب الفلسطيني بحجة أنه لا فائدة من كل محاولات المقاومة للتحرر و لا سبيل لكم أيها الفلسطينيون إلا طريق المفاوضات المذلة التي تريقون على موائدها ماء وجوهكم و تخسرون في ثناياها وطنكم و عزتكم و كرامتكم و تتحولون من ثوار مجاهدين مقاتلي حرية إلى أدوات في يد المحتل مسلطة على أبناء شعبكم ، و من يخرج منكم عن طاعة الاحتلال فهو ببساطة "مطلوب" يجب عليه أن يسلّم نفسه للسيد المطاع و إلا فإن الجرافات جاهزة و القذائف جاهزة لإعادتكم إلى بيت الطاعة .

و للإجابة على هذا السؤال يجب أن نفهم أولاً ما هو هدف الانتفاضة لأنه بناء على تحديد هذا الهدف تتم الإجابة الصحيحة بالنفي أو بالإيجاب .

و لنقل بصراحة إن الشعب الفلسطيني كان متّحداً على فكرة الانتفاضة ممارسةً و مشاركةً عملية ميدانية تجلّت هذه الوحدة في أكثر من موقع . و لكن المنطلقات لكل تيار كانت تختلف و لهذا ستختلف النتائج حتماً و ستختلف التقييمات إلا في حالة واحدة و هي أن تنجح الانتفاضة في صهر القوى الفلسطينية جميعاً في بوتقة واحدة من خلال وعي واقعي ميداني بطبيعة العدو و طبيعة أهدافه و كذلك وعي واقعي بإمكانيات شعبنا و قدرته و حيويته و الطاقة الكامنة التي يمكن أن تنطلق فيه . و هذه أمنية عزيزة يجب أن يسعى الجميع لتحقيقها و عتبر من علامات النجاح البارزة في التاريخ الفلسطيني إذا تحققت .

 

من حيث المنطلقات تنقسم الساحة الفلسطينية إلى ثلاثة تيارات رئيسية :

 

* التيار الأول : يريد من الانتفاضة أن تكون أساساً للانطلاق نحو تغيير نفسية الشعب الفلسطيني ابتداءً و من ثم تغيير نفسية الشعوب العربية و الإسلامية لكي تعي دورها و تدرك أهمية مشاركتها جميعاً في الجهاد من أجل تحرير كامل التراب الفلسطيني .

 

* التيار الثاني : يريد أن تكون الانتفاضة وسيلة لتحسين شروط التفاوض مع العدو الصهيوني سواء كان أصحاب هذا التيار في السلطة التي تريد أن تحسّن شروط اتفاق أوسلو أو في المعارضة اليسارية التي تريد تحسين وضع المفاوض الفلسطيني حتى يستطيع الحصول على ما تقرّ به الشرعية الدولية من دولة في الضفة و القطاع .

 

* التيار الثالث : تيار يشارك في الانتفاضة من خلال الفضائيات و وسائل الإعلام ، و يتميز هذا التيار بالبجاحة و الادعاء العريض و يشعرك منظّروه أنهم هم الذين يقودون الانتفاضة مع أنهم لا يملكون أي رصيد من النضال على أرض الواقع ، و العجيب أن هذا التيار مدعوم من الإعلام الصهيوني و الأجنبي و بعض الفضائيات العربية المشبوهة . و كثيراً ما يستخدم هذا التيار كبالون اختبار لجسّ نبض الشارع الفلسطيني تجاه الحلول الانهزامية فيطرح المبادرات المقبولة على العدو كمبادرات فلسطينية و من حسن حظ الشعب الفلسطيني أن هذا التيار مكشوف و منبوذ .

بناءً على رؤية التيار الأول الانتفاضة حقّقت قدراً لا بأس به من أهدافها فقد أطلقت طاقات الشعب الفلسطيني و عزّزت في قطاع عريض منه روح الاستشهاد تمثّل ذلك في التنافس الرائع بين مختلف فصائل المقاومة في تقديم التضحيات و القيام بالعمليات الجريئة التي هزت أركان الكيان الصهيوني . حتى أن بعض المفكرين الصهاينة بدءوا يطرحون إمكانية استمرار وجود (إسرائيل) و يعتبرونها في مهب الرياح و القادة العسكريون أيضاَ أدركوا هذا الإنجاز الفلسطيني الهام ، فقد قال رئيس الأركان السابق موفاز : "يجب أن نتعلم من الفلسطينيين جرأتهم و استعدادهم للمقاومة" ، أما رئيس الأركان الحالي فإنه يقول بوضوح إن هذه أخطر حرب تقوم بها (إسرائيل) منذ نشأتها ، صحيح أن فلسطين لم تتحرر و لم تتزحزح الحدود متراً واحداً كما يقولون و لكن الإنسان الفلسطيني تحرّر من عقدة الخوف ، تحرّر من الشعور بالدونية و أصبح هو الذي يطارد الصهاينة في عقر دارهم فانتقل الرعب من الشعب الفلسطيني إلى الصهاينة .

 

رغم الحصار و التجويع و رغم القتل اليومي و الاعتقالات الجماعية ، إرادة شعبنا لم تنكسر بل على العكس من ذلك ترتفع باستمرار و يتجلّى هذا الارتفاع في العمليات الجهادية المتنامية بكافة أشكالها رغم الاجتياح الصهيوني و كذلك يتجلّى أكثر في المقاومة التي يواجه بها الشعب الفلسطيني بإمكانياته المحدودة جداً آلة الحرب الصهيونية . لقد قرأت لضابط كبير من ضباط العدو و هو يصف المقاومين في نابلس يقول : "إنهم لا يخافون من دباباتنا ، يطل الواحد منهم من كل نافذة و من خلف كل حجر يطلقون رشقات من الكلاشينكوف و لا يرهبون قذائفنا ، ليس هؤلاء هم الفلسطينيون الذين كنا نعرفهم" .

 

أما على الجانب الصهيوني ففقدان الأمن الشخصي و التراجع الاقتصادي و الهجرة المضادة أصبحت ظواهر بادية للعيان .

و بهذه الموازين يعتبر أصحاب التيار الأول أن الانتفاضة قد حقّقت أهدافاً كثيرة على طريق التحرير الشامل لأن تحرير الإنسان هو المقدمة الأساسية للتحرير الكامل ، "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" ، و لذلك فإنهم يدعون إلى استمرار الانتفاضة بل و تصعيدها لأن تصعيدها سيؤدي حتماً عبر تراكم الإنجازات إلى الوصول إلى كامل أهداف الانتفاضة .

 

أما بالنسبة للتيار الثاني تيار التفاوض فإن شروط التفاوض لم تتحسن ، بل على العكس من ذلك دولة الكيان ترفض حتى مجرد الجلوس للتفاوض قبل أن تفرغ الانتفاضة من مضمونها و قبل أن يعترف هذا الطرف بهزيمته الكاملة و عجزه الكامل قبل الجلوس للتفاوض . و استجاب هذا الطرف بشكل أو بآخر لهذه الشروط فمثلاً بعد فترة من الانتفاضة و أمام القمع الصهيوني المتزايد صار هذا التيار يطالب بالعودة إلى الأوضاع قبل 28 سبتمبر 2000م أي لما كان قبل الانتفاضة ثم بعد ذلك صار يطالب للرجوع إلى ما قبل 29/3/2002م أي لما قبل الاجتياح الصهيوني للضفة و القطاع . و من هذا المنطلق بدأ بعض منظّري هذا الاتجاه الحديث علناً عن فشل الانتفاضة . و بلغ  الأمر ببعضهم أن يطالب بمحاكمة الفصائل الفلسطينية لأنها عجزت عن الانتصار.

 

أما التيار الثالث فالحقيقة أنه طيلة الانتفاضة كان ينعق كالبوم ينذر بالويل و الثبور كلما قام المقاومون بعملية استشهادية جريئة و يطالب ألا تكون الانتفاضة مسلحة لأن ذلك في ظنّه سيخفف من الضغط الصهيوني من جانب و يستقطب عطف العالم من جهة ثانية و كأن هذا التيار يتلذّذ بمنظر الضحايا الفلسطينيين بل و يسرّ و هو يعدّ هذه الأعداد المتزايدة منهم ظناً من هذا التيار أن هذا يقوّي رصيد العطف لدى الرأي العام العالمي و يستاء هذا التيار من منظر القتلى الصهاينة و ينعي على المقاومين قيامهم بالثأر لشهدائهم مدعياً نظرة حضارية هو يفتقد أسسها جميعاً ، ففي أي مجتمع متحضراً كان أم متخلفاً لا يقبل الناس أن يقفوا ضد أنفسهم . و لننظر إلى الولايات المتحدة الأمريكية و هي قمة الرقي المادي في الأرض كيف تثأر لقتلاها بحرق الأخضر و اليابس و تتجاوز حتى مجرد الثأر لمواطنيها بالعدوان على غيرها . فبالنسبة لهذا التيار فهو لا يسأل عن الانتفاضة نجحت أم فشلت بل إنه يعتبرها كارثة حلّت بالشعب الفلسطيني .

و من هنا نستطيع أن نفهم لماذا يقف كل تيار خلف تصوراته . و لكن أي عاقل و مراقب للأحداث يجد أن الانتفاضة هي بوصلة الشعب الفلسطيني . نحو تحقيق أهدافه و كذلك أي منصف يجد أن الهزة التي أحدثتها لم تبلغ مداها و لكن مع استمرار و تصعيد الانتفاضة فإن هذه الثمار الطيبة ستؤتي أكلها ثورة عارمة عند المسلمين على الضعف و التخلف و الحكام الخونة و المتخاذلين ، "و يقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا" . و لذلك يخشى الكثير من الحكّام امتداد الانتفاضة إلى بلادهم .

"و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون" ..