|
حدثني أبى -
رحمه الله - عندما كنت صغيراَ أنه كان يملك كرماً صغيراً من كروم العنب و
لم يكن متفرغاً له كل التفرغ حيث كان يعمل في مجال آخر و يذهب للكرم في
أيام متباعدة وفقاً لما يتطلبه الكرم من مجهود بسيط ، و وجد أن الكرم
يسرق منه العنب في كل يوم تقريباً فاضطر لأن يقوم بحراسته و لو يوماً
واحداً على الأقل ، فكمن بنبوته تحت دالية كثيفة الأوراق بحيث لا يراه
أحد . و بينما كان ينتظر بفارغ الصبر ظهور اللصوص إذا باثنين منهم قادمين
، قال أحدها للآخر : "إن قلبي يحدثني أن الأمر غير طبيعي" ، فرد عليه
الآخر : "و لا يهمك ، كل يوم نأتي إلى هنا و ليس هناك أحد فنسرق ما نشاء"
، و كان هذا اعترافاً دامغاً بأنهما اللصان المطلوبان ، انتظر أبى حتى
دخل أحدهما إلى الكرم بينما ظل الآخر يراقب الطريق و ما إن بدأ اللص بقطف
قطوف العنب حتى هب له والدي بالنبوت فأشبعه ضرباً و فر تجاه الآخر و أبي
يلاحقه فتدخل الآخر بحجة أنه مصلح أو كما يسميه الفلاحون حجاز أو (
حمَاش) و كأنه عابر سبيل ، كان الأول قد أفلت فانهال أبي ضرباً على الآخر
بكل قوته حتى فر و لحق بصاحبه و لم يعد الكرم يسرق بعد ذلك اليوم .
أسوق هذه القصة
من تجربة الوالد - رحمه الله – و حكمته التي تعلمها من واقع الحياة
بالممارسة لأنها تصلح للاستدلال بها في عالم السياسة و سوف نرى بعد قليل
ترجمة هذه القصة سياسياً .
الكيان الصهيوني
يمتلك قوة عسكرية هائلة دون شك أرهبت كل الأنظمة العربية المتهالكة التي
لم تسع يوماً لمصلحة شعوبها و تمتين جيوشها بحيث تواجه الكيان ، و الكيان
يحتل أرض فلسطين كاملة و الشعب الفلسطيني شعب حي تسري في عروقه الآن حالة
جهادية نادرة استطاع أن يضرب الكيان في مقتل و أن يجعله يعيش في رعب
مستمر ، و قد أعيت الحيل الكيان الصهيوني في اختيار الأسلوب الملائم
لمواجهة جهاد شعب فلسطين ، استعملت كل الوسائل و لكنها لم تجد فتيلاً
أمام إصرار هذا الشعب المتعطش للحرية ، فهي تقمع الشعب بعنف و بقسوة
عجيبة و لكن الشعب يتحمل ذلك و يرد الصاع صاعين ، يقصف المدنيين بطائراته
و دباباته و حتى سفنه الحربية فيرد الشعب الفلسطيني بعمليات استشهادية
تعدل الميزان و تصدر الرعب إلى الأعداء ، فبينما ترتفع الروح المعنوية
للفلسطينيين و أمام كل قمع صهيوني جديد يولد استشهاديون جدد و هكذا تدور
عجلة المقاومة . فكرت الصهيونية و باتفاق كامل مع الصليبيين الأمريكان و
الإنجليز في نفس الخطة التي فكر فيها اللصان تماماً . الكيان الصهيوني
يعرف أنه يستطيع اجتياح الضفة و القطاع في أيام قلائل من خلال تفوقها
العسكري و لكنه لا يخشى هذه الأيام و إنما يخشى ما بعدها من أن يتحول
جنوده المحتلون إلى صيد سهل للمقاومين المجاهدين ، و هذا في الأصل هو
السبب الرئيسي الذي جعل الكيان الصهيوني في الماضي يلجأ إلى خيار أوسلو
ليفر من جحيم المقاومة التي كان يبديها الفلسطينيون و التي جعلت رابين
ذات مرة يحلم أن يصحو من نومه فيجد قطاع غزة و قد ابتلعه البحر . جرب
الكيان الصهيوني اجتياح بعض المناطق ليوم أو بعض يوم و أوقع العديد من
الخسائر في المدنيين و لكنه لم يقض على المقاومة بل زادت المقاومة
اشتعالاً ، و رأى الفلسطينيون أن انسحاب الاحتلال الصهيوني السريع هو
علامة ضعف فزادوا من ضرباتهم ، أراد الاحتلال الصهيوني هذه المرة اجتياح
الضفة و القطاع لعدة أسابيع كما يقول شارون و ابن أليعازر للقضاء على
المقاومة التي يسمونها (إرهاباً) كعادتهم عبر التاريخ في تزييف الحقائق ،
كيف لا و قد حرفوا كتاب الله من بعد ما عقلوه و هم يعلمون ، لكنهم يعرفون
سلفاً أنهم سيكسبون الضربة الأولى و لكن جنودهم لن ينزلوا من دباباتهم
لأنهم إذا نزلوا فإن الموت يربض لهم في كل زقاق من أزقة الضفة و القطاع ،
و ستبدأ مقاومة عنيفة لم يشهدوا لها مثيلاً من قبل و سيضطرون إلى
الانسحاب صاغرين ، و هنا يأتي دور أمريكا و بريطانيا الصليبيتين ، تتدخل
أمريكا و بريطانيا لتضغط على الكيان الصهيوني من أجل الانسحاب فينسحب
الاحتلال في الوقت الذي يناسبه و كأنه استجاب للضغط الأمريكي و البريطاني
و ليس أمام ضربات المجاهدين ، و طبعاً تسعى أمريكا إلى الوصول إلى حل
سياسي من خلال تفوق صهيوني يفرض فيه على الطرف الفلسطيني قيوداً قاسية
تكرس الاحتلال ، أليست هذه التمثيلية تشبه قصة والدي إلى حد بعيد ؟
الكيان الصهيوني هو اللص الذي دخل الكرم و أمريكا و بريطانيا هما اللص
الذي وقف يراقب الطريق و يتدخل في اللحظة المناسبة كحكم و راعٍ لعملية
التسوية . و لكن تنقص القصة حكمة والدي و ربما أكثر تحديداً قدرته على
مواجهة اللصين و عزمه في ضربهما و قد كان رجلاً شرساً ، رحمه الله .
من الذي أوجد
دولة الكيان الصهيوني غير بريطانيا أولاً ثم أمريكا ثانياً ؟ و من الذي
يزود الكيان بالسلاح المتطور حتى يضمن تفوقه على كل الأنظمة العربية غير
بريطانيا أولاً ثم أمريكا ثانياً ؟ من الذي يرعى الكيان الصهيوني سياسياً
فيستخدم الفيتو باستمرار في كل مرة تفتضح فيها السياسة ؟ إنها نفس اللعبة
تماماً ، فأمريكا و بريطانيا شريكتان رئيسيتان في جريمة اغتصاب فلسطين و
تدخلهما دوماً فيه ، الخسارة كل الخسارة للشعب الفلسطيني و القضية
الفلسطينية و أسوأ ما في تاريخنا الحديث أن أمتنا ركنت بعجزها إلى
بريطانيا أولاً ثم إلى أمريكا ثانياً لحل قضاياها .. و كيف تحل هاتان
المجرمتان مشاكل أمتنا و هما سبب وجود هذه المشاكل . أضفت في العنوان
الصهيونية و الصليبية و الوكلاء فما دور هؤلاء الوكلاء ؟ إن الأنظمة
القمعية القائمة في الوطن العربي و الإسلامي شريكة كاملة في ضياع فلسطين
، فهي التي منعت شعوبها الإسلامية من المشاركة بكل قوة في الدفاع عن
فلسطين قبل ضياعها و منعتها من المشاركة في التحرير من بعد الضياع و
اكتفت بعبارات الشجب و الاستنكار و قمعت كل محاولة لتحريك الشارع العربي
و الإسلامي بقسوة لا مثيل لها … و ليس أدل على ذلك من قمع هذه الأنظمة
لمظاهرات التضامن التي تقوم بها الشعوب العربية و الإسلامية مع الشعب
الفلسطيني . فقد أسقط في أيدي هذه الأنظمة و انكشفت سوأتها في الآونة
الأخيرة كما لم تكشف من قبل ، و هنا يأتي التدخل الأمريكي في الوقت
المناسب ليضرب عصفورين بحجر ليخرج الكيان الصهيوني بكرامته من الضفة و
القطاع و بحلول في صالحه و لينقذ هذه الأنظمة المتهالكة من غضبة الجماهير
فطالبت أمريكا بالانسحاب الصهيوني و لوحت باسم الدولة الفلسطينية و هو
أمر مبهم لا حدود له و لا شكل و يحتاج إلى عشرات السنوات من المفاوضات
تكون دولة الاحتلال الصهيوني خلالها قد استولت على كل شئ في الضفة و غزة
. و لذلك سارع العديد من الوكلاء (الأنظمة) إلى الترحيب بكلام بوش و كلام
باول حول الانسحاب الصهيوني الفوري .
و لكن في الحقيقة
إذا أفلحت هذه الخطة الخبيثة الآن فإنها لن تفلح إلى الأبد ، فقد اختزنت
الشعوب العربية و الإسلامية مرارةً و غيظاً سينفجر يوماً ليكون ناراً
تحرق الصهاينة و الصليبيين و الوكلاء معاً . أمريكا سارعت إلى طلب
الانسحاب الفوري و لكن دولة الاحتلال الصهيوني كما هي عادتها ستستغل كل
دقيقة لفرض حقائق جديدة على الأرض ، استغلت ذلك في عام 48 حين استغلت
الهدنة الأولى لترتيب وضعها و الاستعداد لاحتلال أراضٍ جديدة . و استخدمت
ذلك أيضا في حرب أكتوبر ، استمرت في القتال بعد أن وافقت على وقف إطلاق
النار في 22 أكتوبر و استمرت بعد التوقيع و احتلت مناطق شاسعة غرب قناة
السويس لتستغلها في المساومات السياسية فيما بعد ، سيحاول الكيان
الصهيوني الضغط في هذه الأيام بأقصى قوة حتى يفاوض في المستقبل من أجل
الحصول على تنازلات أكبر .
هذه هي الصورة
على حقيقتها و حلها واضح لكل ذي عينين ، علينا الاستمرار في المقاومة و
ألا نستجيب للضغط مهما كان قوياً ، فإن المستقبل لنا و لن يستطيع الكيان
الصهيوني أن يسير جنوده في دوريات كما كانت في السابق ، و الشجاعة صبر
ساعة كما يقولون . لا بد أن نصبر و نصبر و نصبر حتى نحوّل توازن الرعب في
صالحنا بإذن الله . نحن في أمس الحاجة الآن إلى رفض كل المبادرات و
الاستمرار في المقاومة ، و يوم تفوّقنا قادم بإذن الله "يا أيها الذين
آمنوا اصبروا و صابروا و رابطوا و اتقوا الله لعلكم تفلحون" .
|