|
لم تتوقف الجهود
والمحاولات الأمريكية المحمومة لوقف الانتفاضة الفلسطينية الباسلة ،
على مدى تسعة شهور ، فمنذ اليوم الأول للانتفاضة وأمريكا ترفع شعار
"وقف العنف الفلسطينى" كضرورة لمعاودة التفاوض مع الكيان الصهيونى ،
والعنف فى المفهوم الأمريكى هو الانتفاضة الفلسطينية ، بل تمادت
أمريكا فى ذلك فرفعت شعار وقف إطلاق النار غير المشروط من جانب الشعب
الفلسطينى المحاصر والذى يتعرض لشتى أشكال العدوان والقصف بشتى أنواع
الأسلحة ، كسبيل يمهد لعودة التفاوض ، والتحايل والمغالطة الأمريكية
أكثر من واضحين حين تطالب أمريكا شعبا أعزل لا يملك بوقف إطلاق النار
فى الوقت الذى يملك فيه اليهود ترسانات الأسلحة الضخمة تطلق حمم
النيران التى لا يكفون عن تسليطها على الأطفال والشباب والبيوت
والحقول لحرق وإبادة كافة أشكال الحياة وسط حصار خانق يحول دون وصول
الطعام والدواء وضرورات الحياة ، الأمر الذى لا يمكن تفسيره إلا على
أنه سعى صهيونى مجرم لإبادة أو إذلال وتركيع شعب عربى مسلم بدعم
أمريكى سافر وبسلاح أمريكى آثم وتحت مظلة أمريكية توفر له كافة
الأسباب العسكرية والسياسية والاقتصادية كى ينجز مهمته ، ويحقق
أهدافه دون مراعاة لحق الآخر ودون أدنى اكتراث بالقيم والمثل
الإنسانية .
أمريكا لا تكتفى
بحرمان الشعب الفلسطينى من حقه فى العيش آمنا فى دياره وفوق أرضه ،
ولا تكتفى بحرمانه من ممارسة حقه فى الدفاع عن أرضه وحريته ، بكافة
السبل والوسائل المتاحة له كحق شرعى ومشروع له ، بل ولا تكتفى
بحرمانه من مجرد إعلان رفضه للاحتلال الصهيونى ، واستنكاره لاغتصاب
أرضه وذبح أبنائه بل تسعى مع اليهود الغاصبين لإذلاله وتركيعه ، أو
إبادته وتصفيته أو دفعه للهجرة ، لتخلو الأرض والديار للغاصبين ويتم
إسدال الستار على قضية فلسطين .
فى السادس من يونيه
الجارى أعلن الرئيس الأمريكى بوش أنه سيبعث رئيس مخابراته بنيت
للمنطقة للبدء فى مناقشات جادة على المستوى الأمنى حول كيفية ضمان
استمرار وقف النار وبمجرد وقف العنف وبمجرد أن تكون هناك ترتيبات
أمنية متماسكة عندها يمكن أن تبدأ مناقشة سياسية …"
إذا فوقف أو وأد الانتفاضة الفلسطينية يأتى فى المقام الأول كما تحتل
الترتيبات الأمنية الاهتمام الأكبر لدى أمريكا ، فهى تعنى دخول
الفلسطينيين على مستوى الأجهزة الأمنية فى مباحثات مع الأجهزة
الأمنية الصهيونية تحت الرعاية وفى الحضور الأمريكى الذى تمثله
المخابرات الأمريكية ، بهدف قيام الأجهزة الأمنية الفلسطينية بتوفير
الأمن لليهود ونهوضها بدور الحارس الذى يحول بين الشعب الفلسطينى
وممارسته لحقه فى الدفاع عن أرضه ، أو رفضه للاحتلال الصهيونى ، أو
إعلان استنكاره واحتجاجه على بناء المستعمرات اليهودية .
أيضا تعنى تصريحات
الرئيس الأمريكى بوش أن العودة للمفاوضات بين سلطة الحكم الذاتى
والكيان الصهيونى الغاصب من حيث انتهت فى سبتمبر 2000 هو أمر لا يحظى
بالاهتمام الأمريكى ، ومن ثم من طرح بينيت لخطته الأمريكية التى تعكس
الموقف الأمريكى المعادى للحقوق العربية المغتصبة ، وتتمثل أهم
خطوطها العريضة فى تأكيد الحرص الأمريكى على وقف الانتفاضة تحت دعاوى
تثبيت وقف العنف ووقف إطلاق النار ، ثم فترة هدوء تمتد لستة أسابيع
قبل البدء بتطبيق توصيات تقرير ميتشيل ، والتى جاء على رأسها توصية
بوقف العنف الفلسطينى وتأكيد تبرئة شارون من إثارة الشعب الفلسطينى
باقتحامه وتدنيسه للحرم القدسى ، ثم توصيته لتجميد الاستيطان .
الأمر الذى يجسد
التلاعب الأمريكى ، حيث الفارق كبير بين الحظر وبين التجميد ، هذا
بالإضافة إلى أن ميتشيل أشار إلى احتياج توصياته إلى ستة شهور ، قبل
أن يبدأ الطرفان الفلسطينى واليهودى العودة إلى مائدة التفاوض .
أيضا نصت الخطة
التى طرحها بينيت وطالب السلطة الفلسطينية بتنفيذها على ضرورة
الاعتقال الفورى لأعضاء حماس والجهاد وجمع الأسلحة ومدافع الهاون من
أراضى الحكم الذاتى ووقف التحريض على العنف والهجمات على المستعمرات
اليهودية فى الضفة وغزة ومنع أى عمليات فدائية تنطلق من أراضى الحكم
الذاتى والإبلاغ عنها .
الأمر الذى يعنى أن
الانحياز الأمريكى وصل فى سفوره إلى حد تبنى مطالب وسياسة وأهداف
الكيان الصهيونى ويكفى أن ما يقرب من ثمانمائة شهيد ، وستة وعشرين
ألف جريح فلسطينى ، وهدم مئات من المنازل فى المدن والقرى الفلسطينية
وتشريد الألوف من الأبرياء لا تحظى بأدنى تعاطف من قبل واشنطن ، كما
يكفى أن أمريكا تبدى كل تشدد من أجل وقف أو وأد الانتفاضة الفلسطينية
ولا تبدى أدنى اكتراث بثمانية وثلاثين شهيدا فلسطينيا أعزلا حصدهم
جيش الاحتلال الصهيونى والمستعمرون الصهاينة بأسلحتهم ، بعد الإعلان
عن وقف النار ، بل ويصل الاستهتار الأمريكى بحقوق الشعب الفلسطينى
إلى حد مناشدة بينيت للعدو الصهيونى كى يقلص الخسائر فى الأرواح
الفلسطينية والممتلكات .
وإذا كانت واشنطن
قد لجأت إلى حق الفيتو فى مجلس الأمن إزاء مشروع قرار كان يطالب
بإرسال مراقبين دوليين للضفة الغربية وغزة ، توفيرا للأمن للشعب
الفلسطينى ، فإنها فى مؤتمر الأمم المتحدة عن المدن والإسكان قد
أعلنت رفضها لمشروع توصية اقترحتها الدول النامية كى يتضمنها البيان
الختامى للمؤتمر وتنص على إدانة بناء المستعمرات الصهيونية فى أراضى
الضفة الغربية وغزة .
التبجح اليهودى
فى ظل الدعم
الأمريكى غير المحدود للكيان الصهيونى الغاصب ، وفى ظل المظلة
الأمريكية التى يمارس تحتها الصهاينة كافة أشكال العدوان على الشعب
الفلسطينى ازدادت وتضاعفت حلقات الحصار الصهيونى الخانق حول الشعب
الفلسطينى ووصل الأمر إلى تقسيم الضفة وغزة إلى ثمانية كانتونات
منعزلة ، وتطويق المدن والقرى داخل هذه الكانتونات بقوات من جيش
الاحتلال ، وتسليط كافة أنواع السلاح على الشعب الفلسطينى ، وإقامة
بوابات ضخمة على مداخل المدن والقرى للتحكم فى حركة الناس ، وقطع
الطرق بين المدن ، وإجبار الأشقاء الفلسطينيين على عبور الطرق
الجبلية ، مع اقتحام جنود الاحتلال للمدن والقرى لترويع سكانها
وحصدهم بالرصاص، وإجبار الشباب على الخروج من المنازل تحت تهديد
السلاح ثم اعتقالهم.
اليهود يتبعون الآن
سياسة تهدف إلى إذلال الشعب الفلسطينى ، والانتقال به من حال الشعور
بالظلم والانتفاضة ضد الظالمين إلى حال الشعور بالإثم والذنب ،
وانتظار العقاب ، فى رضوخ واستسلام ، ولا يتورع المجرم السفاح شارون
عن وصف عرفات بأنه مجرم ومريض بالكذب ويتصرف كزعيم للإرهابيين القتلة
وأنه لا تفكير فى الدخول فى مفاوضات مع الفلسطينيين إلا إذا تحقق وقف
النار بشكل شامل وتام لفترة طويلة لا تقل عن ستة شهور ، كما أن وقف
النار يشمل الحجارة والسلاح الأبيض والسيارات الملغومة ، كما يشمل
وقف حملات الكراهية والبغض الموجهة لليهود من خلال الإعلام والتعليم
فى أراضى الحكم الذاتى ، وإضافة إلى الدعم الأمريكى للعدوان الصهيونى
الإجرامى على الشعب الفلسطينى فقد أسفرت الدول الأوربية بدورها عن
دعمها أيضا لليهود المجرمين ، أكد ذلك خافيير سولانا ممثل الاتحاد
الأوربى فى تصريحاته الذى أدلى بها فى الأرض المحتلة مؤخرا ، وأكد
فيها أن صدور قرار من مجلس الأمن بإرسال مراقبين دوليين للضفة وغزة
لضمان أمن الشعب الفلسطينى يجب أن يحظى بموافقة إسرائيلية ، وأن ما
يهم أوربا الآن هو تثبيت وقف إطلاق النار –
أى وقف الانتفاضة – وليس أمن الفلسطينيين
.
وفى ظل الحملة
الإجرامية التى يشنها اليهود على أشقائنا الفلسطينيين العزل فى الضفة
وغزة يواصل اليهود فى دأب أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى ، وإعداد
العدة لبناء كنيس فى الحرم القدسى ، تحقيقا لما نادى به بن غوريون
أول رئيس وزراء للكيان الصهيونى منذ خمسين عاما حين قال : لا معنى
لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس دون الهيكل ، وتجسيدا لما نادى
به الإرهابى بيجين حين قال : لتقطع يمينى ، وليصب لسانى بالشلل إذا
نسيت أورشليم ، مع تمهيد الأجواء لبناء الهيكل المزعوم على أنقاض
المسجد الأقصى، يصاحب ذلك انتهاج خطة لتفريغ القدس من سكانها العرب ،
تعتمد سحب الهويات ، وهدم البيوت ، ومنع البناء ، ممارسة التضييق
والقمع ضد العرب ، وتكاتف جيش الاحتلال والأجهزة الأمنية والمستوطنين
فى الاعتداء على السكان الفلسطينيين لدفعهم إلى مغادرة القدس .
العرب .. غياب
وتراجع
إن قرار عرفات بوقف
إطلاق النار دون شروط جاء وسط غياب عربى وتراجع مؤسف ومحزن، وفى
مواجهة ضغوط وأمريكية وأوربية هائلة ، كما أن ما يجرى على ساحة
المنطقة وساحة الأرض المحتلة الآن ، أيضا يجرى وسط غياب وتخاذل عربى
يهيئ الفرصة لليهود المجرمين كى يواصلوا حملات القمع والإبادة
والتصفية ضد الشعب الفلسطينى ، كما يهيئ الفرصة للسياسة الأمريكية
والأوربية كى توفرا للكيان الصهيونى أجواء الدعم ومظلة الحماية ،
بشكل صار يهدد بتصفية القضية وإغلاق ملفها .
الشعب الفلسطينى
المحاصر ، الذى يتعرض للمجازر ، ويعيش أجواء الحرمان ، والقهر
والإبادة كان ومازال ينتظر من العرب وقفة جادة ، جريئة وشجاعة تؤكد
الانحياز العربى العملى لقضيته وحقوقه وتوفر له كافة أشكال الدعم ،
المالى والعسكرى ، والسياسى والإعلامى .
الشعب الفلسطينى
وهو يدرء عما بقى من فلسطين اليوم خطر الاجتياح الصهيونى الرهيب ،
ويدرء فى نفس الوقت عن كافة أراضى العرب خطر الاجتياح الصهيونى فى
الغد ، كان ومازال ينتظر من كافة الحكام العرب وكافة الحكام المسلمين
أن يتناسوا الخلافات والصراعات ، ويرتفعوا إلى مستوى المحنة والأزمة
التى تواجهها الأمة ، فيؤكدوا على أواصر وروابط الوحدة ويستجيبوا
لتوجهات الأمة وقد عبرت على ساحة الخريطة الممتدة من المحيط إلى
المحيط عن رفضها للكيان الصهيونى ، وإصرارها على اقتلاع جذوره ،
ووقوفها إلى جوار الشعب الفلسطينى الشقيق واستعدادها للتضحية والبذل
من أجل نصرته وفى ذلك امتثال لقوله عليه الصلاة والسلام : "إنما مثل
المسلمين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"
لم يعد ثمة مبرر كى
نناشد أمريكا العدالة والإنصاف ، أو أن نعلق الآمال على الدور
الأوربى أو نأمل خيرا فى المجتمع الدولى، بعد أن أبان القوم عن
انحيازهم لأعداء الأمة ، إنما صار من الواجب علينا أن نصحح السياسات
ونعدل المواقف ، ونتخذ من الإجراءات والخطوات والضغوط العملية إزاء
أمريكا وأوربا ، ما يدفع المنحازين إلى الكف عن الانحياز واحترام حق
شعب أعزل فى الحياة الحرة الآمنة وسط دياره وفوق أرضه .
أيضا لم يعد ثمة
مبرر لتجاهل سلاح المقاطعة ، ووقف نشاط المكتب الخاص بالمقاطعة بل
صار الواجب يحتم تفعيل مقاطعة الكيان الصهيونى ، وقطع كافة أشكال
الصلات معه ، وإحكام الحصار حوله ، وإعداد الأمة لمعركة حتمية قادمة
.
إن من أولى مهام
الحكام العرب اليوم ، مواصلة دعم الانتفاضة .. وتأكيد الوقوف إلى
جوار الشعب الفلسطينى ، وتسخير كافة الإمكانات لدعمه والوقوف إلى
جواره ، والحفاظ على وحدة فصائله وكافة قواه الشعبية ، وتوظيف
إمبراطوريات الإعلام العربية على مستوى الداخل العربى وعلى مستوى
الخارج لنصفه ومناصرة قضيته وفضح السياسات الصهيونية الإجرامية ،
والانحياز الأمريكى السافر لليهود .
لتطلق الحريات
ولترفرف أعلام الوحدة ، ولترتفع رايات الجهاد ، وليمتثل العرب
والمسلمون وفى مقدمتهم حكامهم لقوله عز وجل : "إن الله اشترى من
المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون فى سبيل الله
فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا فى التوراة والإنجيل ، ومن أوفى بعهده
من الله فاستشهدوا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم" صدق
الله العظيم |