الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

 

عودة

أرشيف مقالات المرشد العام

 

 

في ذكرى الهجرة

الأمة حكاما وشعوبا مطالبة بدعم جهاد الشعب الفلسطيني ونصرته

19/3/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

  

كان الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه ، وقد تحملوا أعباء وتكاليف العمل بالإسلام وللإسلام وجمع الناس حوله، إخراجا لهم من الظلمات إلى النور ، ومن الباطل والظلم إلى الحق والعدل ، ومن الجهل والتخلف إلى العلم والتقدم ، قد وضعوا في ذات الوقت المعالم الصحيحة على الدرب الصحيح لتمضي عليه البشرية في اتجاهها الصحيح نحو غاياتها وأهدافها العظيمة ، مقتدية بهم في القول والعمل والتضحية والبذل ، والصبر والجلد ، والعزم والحزم ، والثبات والالتزام ، والإصرار والإقدام ، والعزة والإباء ، ومن ثم كان عليه الصلاة والسلام وصحابته إذا اشتدت الأزمات زادت القلوب ثقة وتضاعفت الطاقة على حمل الأعباء في قوة، لأنهم مكلفون من مالك السماوات والأرض أن يغيروا وجه البسيطة ليستقيم شكلا وجوهرا مع منهج الحق ، وفي إطار وعلى أساس من الحقيقة التي من أجلها خلق الكون بما ينقل البشر من حياة التيه والضلال إلى حياة الاستقامة والإيمان والصدق والبر وجهاد النفس وجهاد العدو ، والانتقال بالبشر من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ، ومن ذل وإذلال البشر إلى عز وعزة العيش في أجواء وظلال الحق ، وصدق الله العظيم إذ يقول: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ، وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ، وَإِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ) المؤمنون:72-74 ... وسبحانه عز من قائل حيث يقول في الرجال الذين اتبعوا وتحملوا وهاجروا وجاهدوا: (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) النحل:41-42 .

من أجل ذلك تجسد هجرته عليه الصلاة والسلام هو وصحابته من مكة إلى المدينة الأمثلة في التضحية ، والبذل ، والتجرد من متاع الدنيا وتحمل الصعاب والشدائد سعيا لرضاه سبحانه ، وحرصا على أجره وثوابه وتأكيدا للثبات على الحق والمبدأ وانحيازا لجانبهما في تجرد وزهد ، روى ابن اسحق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة مهاجرا إلى الله قال: (الحمد لله الذي خلقني ولم أك شيئا ، اللهم أعني على هول الدنيا ، وبوائق الدهر ، ومصائب الليالي والأيام ، اللهم اصحبني في سفري واخلفني في أهلي وبارك فيما رزقتني ، ولك فذللني ، وعلى صالح خلقي فقومني ، وإليك ربي فحببني ، وإلى الناس فلا تكلني ، يا رب المستضعفين وأنت ربي ، أعوذ بوجهك الكريم الذي أشرقت له السماوات والأرض ، وكشفت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الأولين والآخرين ، أن تحل علي غضبك ، وتنزل بي سخطك ، وأعوذ بك من زوال نعمتك وفجأة نقمتك ، وتحول عافيتك وجميع سخطك، لك العتبى عندي خير ما استطعت ، ولا حول ولا قوة إلى بك) الإمام ابن كثير جـ3 .

ومن أجل ذلك أيضا تذكرنا الهجرة النبوية المباركة بمبدأ الوجود الحقيقي للمسلمين لأنهم قبل ذلك كانوا محاصرين مضطهدين ، منهم من هاجر إلى الحبشة ، ومنهم من لقى العذاب وأهواله في مكة ، وإن كانوا رغم أهوال التعذيب ، وإيذاء وبطش الكافرين رفضوا أن يحنوا الهامة لغير الله ، أو يستسلموا أو يخضعوا لمتجبر من الطغاة ، ولكن واجهوا شتى صنوف التعذيب والإساءة بالعزة والكبرياء ، حتى انتقلوا إلى دار الهجرة فصار لهم وضع آخر حيث تغير الجوار ، وعقدوا معاهدة الأمن وعدم الاعتداء ، وأتموا بناء الدولة على أمتن وأقوى الأسس وفي مقدمتها الإيمان والعلم ، ونظموا معاملاتهم على أساس من العدل والمساواة فيما بينهم ، وبين غيرهم يحكم ذلك تشريع إلهي يحدد علاقتهم المحلية والخارجية ، في السلم والحرب .

لم تكن هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته رضوان الله عليهم هجرة الفارين أو الهاربين ، إنما كانت تنفيذاً لتخطيط ومواثيق وبيعة أخذت بالدماء والأرواح ، وتأكيدا للإيمان الحق الذي امتزج بالقلوب ، وعمرها وملأها إخلاصا وصدقا ، وغيرة على الحرمات ، ورفضا للعدوان ..

لقد تحرر المسلمون بالهجرة ، من غطرسة قريش ومن الأوضاع السيئة في مكة ، وهذا نصر لأصحاب الدعوات تمثل وتحقق في التحرر من الخوف والانطلاق نحو الأمن والأمان ، والحرية والكرامة ، في رفض للذلة وإصرار على العزة ، وانطلاق نحو الفرج والإيجابية والحيوية والخيرية والعيش في أجواء القوة والمنعة .

لقد وضع الرسول عليه الصلاة والسلام خطواته الأولى على الطريق صوب المدينة وقلبه يخفق بهذا الدعاء قدوة لكل القلوب: (وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً) الإسراء:80 .. وهو موقف استلهم منه المجاهدون على الطريق على مدى القرون القدوة الصادقة فاقتدوا بسيرته ومسيرته عليه الصلاة والسلام ، فصمدوا في وجه العواصف العاتية ، وهم واثقون أنهم في مواجهة الأعداء أرسى بالإيمان من الجبال ، فكانوا وسيظلون على مدى العصور أجدر بتحقيق الهدف وأحق بالوصول إلى الغاية وأقدر على مواجهة أعتى الأعداء ، وأهل للنصر والتمكين .

الانطلاق في البناء

لقد كانت هجرة النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله عليهم مرحلة انطلاق لإقامة أعظم بناء على أقوى أسس تمثلت في :

- العقيدة العميقة في القلوب ، تمثل بداية الانطلاقة المباركة وطاقاتها المحركة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله .

- التشريع الرباني الذي يضبط الحركة والمسار ، ويؤكد على صدق وصحة الوجهة والاتجاه ، ويضمن سلامة المسيرة والوصول إلى الغاية .

- إقامة الدولة على دعامتي الإيمان والعلم ، لتكون المثال الصحيح ، والنموذج القدوة وواحة العدل والإنصاف ، والحرية والأمن ، والمساواة والحب والإخاء ، وشعلة النور والتقدم .

- إعداد الإنسان المسلم والمجتمع المسلم للجهاد في سبيل الله لإقرار الحق والعدل ، والتصدي للعدوان والظلم والتوسع والسيطرة وبسط الأجنبي أو الدخيل لنفوذه، ورفض الطغيان والاستبداد، والخضوع والخنوع ، مع السعي للوصول إلى موقع الريادة والقيادة لضمان الأمن والسلام والحرية لكافة البشر.

لم تكن هناك لحظة عبث أو غفلة أو استرخاء لأنه لا مكان لهذا في الإسلام ، بل الحركة والبناء والعمل وإثبات الوجود والنهوض بالدور الحضاري على أساس من الهوية والأصالة، ومن ثم تمثلت الخطوة الأولى في بناء المسجد ، مركز الإشعاع ، ودار الندوة والشورى وموطن العبادة والطاعة ، ومصنع الأمة ، ودار التربية.

وكان التركيز على ترسيخ معالم وجذور وروابط الأخوة ، لأنه لا مكان للعصبيات في المجتمع المسلم ، ولا مجال لأدران الحسب واللون والقبيلة ، فالله سبحانه هو القائل: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) الحجرات: الآية13 .

كما كان بناء العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين ممن يسكنون المدينة على التسامح والتفاهم والود والحوار ، فلا إبعاد ولا نفي للآخر ، بل النصح والنصيحة ، والود والتعاطف والمشاركة في البناء ونصرة المظلوم ، إلا أن اليهود كانوا كعادتهم ناقضين للمواثيق ، يهدمون ولا يبنون ، يدمرون ويخربون ، يطعنون في الظهور ولا يحفظون العهود ، وصدق فيهم قول الله عز وجل: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) المائدة: الآية 82 .. لقد وقفوا من الإسلام والمسلمين منذ اليوم الأولى لتأسيس وإقامة دولة الإسلام موقف التربص والعداء والكيد والتآمر ، وبعد ما يزيد على أربعة عشر قرنا على الهجرة ، ازداد اليهود عداءا للمؤمنين وكيدا للإسلام ، وتآمرا على الأمة وفي خسة ونذالة في إلحاق الأذى بالأبرياء العزل ، لدفعهم إلى الرضوخ والاستسلام وتحريرهم من كافة الحقوق، وعلى أرض فلسطين المحتلة يبرز الصراع في أعتى أشكاله بين الشعب الفلسطيني العربي المسلم واليهود الغاصبين الذين اغتصبوا الأرض والديار وفرضوا حصارا خانقا على أصحاب الديار ، وقصفوهم بالطائرات والصواريخ واستخدموا معهم سلاح التصفية والاغتيال إلا أن الأشقاء الفلسطينيين رفضوا الاستسلام وأبوا أن يتخلوا عن الأرض والديار رغم الحصار المضروب حولهم ، ورغم القصف المتواصل الذي يستهدف مدنهم وقراهم ويغتال وجودهم .

لقد قتل الصهاينة المجرمون في يوم الجمعة الثامن من مارس وحده خمسين فلسطينيا غير عشرات الجرحى ، واستباحوا مخيمات اللاجئين ليغتالوا وجودهم مع اعتقال أكثر من ألفين وخمسمائة شاب عربي، فما لانت للأشقاء قناة، ولا وهن لهم عزم ، بل واصلوا انتفاضتهم المباركة لتدخل شهرها الثامن عشر ولسان حالهم يردد قول الحق عز وجل: (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) النساء: الآية 104.

بعد أربعة عشر قرنا على هجرة الرسول وصحبه من مكة إلى المدينة تاركين الوطن ، والأرض ، والمال والأهل ، يهجر أبناء الشعب الفلسطيني ، الدعة ، وعرض الحياة ، وهم يؤكدون في إصرار على استرداد الأرض أو نيل الشهادة ، ضاربين المثل في العقيدة التي تحرك الشعوب وتمنحها الطاقة والقوة والقدرة على ملاقاة العدو ، وإفشال خططه ومؤامراته .

تمضى الانتفاضة في عامها الهجري الثاني ، رغم العديد من المحن والضغوط التي يتعرض لها الأشقاء الفلسطينيين والعديد من المجازر الوحشية التي ينصبها لهم السفاح شارون ورغم العجز العربي الرسمي , ورغم الحصار المفروض حول الشعوب العربية والإسلامية حتى لا تترجم انحيازها للشعب الشقيق إلى دعم ومؤازرة .. بل إنه في الوقت الذي يحظى به العدو الصهيوني بكل الدعم الأمريكي والأوروبي ، وتتدفق عليه الأسلحة الأمريكية بشتى أشكالها ليستخدمها في عدوانه الإجرامي على الشعب الفلسطيني تحول حكوماتنا بين الشعوب وبين التعبير عن غضبتها ، أو ترجمة مشاعرها وأحاسيسها وثورتها ، فتجد الشعوب العربية والإسلامية نفسها بين أمرين إما المواجهة مع الحكومات ، ليتحول الموقف إلى حرب بين الحكومات والشعوب ، لا يجني ثمارها إلا اليهود ولا يدفع ثمنها إلا العرب والمسلمون أو حرمان للشعب الفلسطيني المجاهد من الدعم والنصرة .

لقد أكد الشعب الفلسطيني بقدرته على التحمل وعزمه على المواجهة واستعداده للتضحية بالأرواح والدماء ، وصبره على الحرمان قدرته على توجيه أشد الضربات للعدو الصهيوني بأبسط وأقل الإمكانات والوسائل لتلحق به أفدح الخسائر ولتدفعه للشكوى والتوجع.

أفسحوا المجال للشعوب

إن حكوماتنا مطالبة بإفساح المجال أمام الشعوب كي تعبر عن نصرتها وانتصارها للشعب الفلسطيني لتقدم له كافة أشكال دعمها له وتمارس حقها ودورها في اتخاذ القرار ، في وقت صارت وحدة الأمة حكومات وشعوبا مع حشد كافة الطاقات سبيلا وحيدا لمواجهة العدوان الصهيوني الإجرامي ونصرة الشعب الفلسطيني الأعزل ، من أجل ذلك يهيب كافة المخلصين بالحكومات العربية والإسلامية أن ترفع يدها عن الشعوب ، وترد إليها حقها في التعبير عن رأيها وموقفها بالقول والعمل، ولتكن في الهجرة النبوية الدروس والعبر ليدرك الجميع الحقائق وليوحد الجميع الجهود ، وليمارسوا الدور على صعيد التضحية والبذل والعطاء في أخطر وأحلك الظروف التي تواجهها الأمة وتتضافر فيها كل قوى الشر للنيل منها .

في ذكرى الهجرة النبوية نوجه التحية ونسجل التقدير للشعب الفلسطيني الشقيق الأبي المجاهد ، الذي أعلن إصراره على تحرير الأرض والإرادة ، ودحر العدو واقتلاع جذور عدوانه وهو يأبى إلا الشهادة أو النصر ، وهو بإذن الله جدير بإحدى الحسنيين ، وصدق الله تعالى القائل: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) محمد: الآية 7 .. (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) الطلاق: الآية 3 .. (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) آل عمران: الآية 101 .