|
أرشيف مقالات المرشد العام |
عودة
|
|
|
|
|
حي على الجهاد: الفريضة الشرعية والضرورة
الاستراتيجية
22/4/2002م
|
|
بقلم
:
فضيلة المرشد
العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأستاذ
مصطفى مشهور
|
|
أعتقد أنه في ظل
الهجمة الأمريكية الشرسة اليوم يحتاج العالم كله، خاصة العالم العربي
والإسلامي، إلى مخلص له مما وقع عليه ونزل به، فالفساد في كل مكان، والعبث
بثوابت الأمة والفوضى والتحلل والظلم والعدوان أمراض قد انتشرت كلها بلا
رادع أو محاسب، وجميع النظم التي يعيش الناس في ظلها قد عجزت عن إسعاد
الإنسان أو توفير الضمان لحريته، والشخصية الإسلامية بالذات أصبحت مهددة في
كيانها تهديدا خطيرا ومحرجا، فإن التطبيع الصهيوني يسابق الزمن لزحزحتنا عن
عقيدتنا وديننا، والإتيان على تراثنا، إن التطبيع اليهودي يقرر في بجاحة
واستهتار أنه يجب قبول الأمر الواقع، في احتلال القدس والمقدسات وأغلب
فلسطين، وتهديم البقية الباقية التي يسكنها العرب على رؤوسهم والقتل
والتدمير، ثم الرضا منا بذلك سرا أو علنا، وعلينا أن ننسى أنه كانت لنا
دولة هنا، ولنا مقدسات هي ملك للمسلمين جميعا ووقف إسلامي، وننسى أنهم
طردوا أهلها ولن يعودوا ولا يجوز التفكير في إعادتهم، ويجب علينا - في
زعمهم - أن ندرس تاريخهم وأخلاقهم وأعمالهم دراسة أخرى يتوفر فيها الاحترام
لليهود، ولكن ماذا نصنع ؟ وما العمل ؟ إذا كان القرآن الكريم الدستور
الخالد نفسه، قد صور مآسي اليهود وقتلهم للأنبياء وتحالفهم مع عبدة الأوثان
ضد القرآن وحملته، الخطب عندهم يسير، ينسى المسلمون هذا القرآن ؟ يتجاوز
المسلمون هذه الصفحات ؟ لأن أبناء القردة والخنازير يضيقون بذلك.
إن تطبيع العلاقات
المزعوم مع يهود، يوجب تغيير التاريخ أو تبديله أو تشويهه، وعلى دعاة
الهزيمة والراضين بها، تغيير المناهج وتحطيم الشخصية الإسلامية، بل عليهم
أن يتنازلوا عن دينهم جملة وتفصيلا، وفي هذا اليوم - لا قدر الله - لن يقبل
اليهود منهم ذلك لأن الله تعالى يقول: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ
وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)(البقرة: من الآية120)
ويقول (لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلّاً وَلا ذِمَّةً وَأُولَئِكَ هُمُ
الْمُعْتَدُونَ) (التوبة:10).
محاولات إلغاء الجهاد:
وأمر آخر يطلبه
اليهود، وتحدث به وأصر عليه إسحاق شامير "رئيس وزراء الكيان الصهيوني" في
مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، وهو: "ضرورة إلغاء الجهاد من القاموس السياسي
والعملي للمسلمين إذا أرادوا تحقيق السلام مع إسرائيل".
وبعد ذلك بشهرين وفي
نفس العام، صدم الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، عندما تم
حذف كلمة -الجهاد- من مقررات المؤتمر الإسلامي في داكار، وعلل البعض هذا
الحذف بأن ذلك ضرورة استدعتها الظروف، من عوامل الخوف والرعب التي تصيب
الرأي العام الغربي من تلك الكلمة وأنه بهذا السبب تم حذفها، عذر أقبح من
الذنب، وفي هذا الأسبوع تكشف إذاعة صوت أمريكا الناطقة بالعربية "عن مخططات
الزيارة التي يقوم بها وزير خارجية أمريكا - كولين باول -وأنه يحمل أوامر
وشروطا يجب أن تفرض على شعوب المنطقة، ويجب على الأمة العربية والإسلامية
أن تلتزم بها، ومنها تعطيل فريضة الجهاد أو إلغاؤها، وأن يعلن العرب إدانة
بل تجريم كل مقاومة للدفاع عن النفس، أو توجه إلى الاحتلال الصهيوني، وأن
يعلن ذلك حكام العرب ويلزمون به شعوبهم".
وأقرر
هنا بغاية الوضوح:
أولا: أن الجهاد باعتباره فريضة شرعية وضرورة
استراتيجية، وباعتباره ذروة سنام الإسلام وعموده، لا يملك أحد كائنا من كان
أن يبطله، ولا يمكن إلغاؤه بمجرد حذفه من قبل المجتمعين في أحد المؤتمرات،
أو التخلي عنه من قبل الحكومات، فهو فريضة ماضية إلى يوم القيامة.
إن اليهود يعلمون
خطورة الجهاد على المعتدين والظالمين والمفسدين، فهو العملاق الذي إذا
استيقظ، فسوف يتحقق النصر والتقدم للمسلمين إن شاء الله، والزوال والنهاية
للمستعمرين والقتلة والسفاحين من أبناء صهيون، ولقد اقترب وعد الله، ولن
يفلتوا أبدا.
ثانيا: إن الذين يحاولون تعطيل فريضة الجهاد
في سبيل الله إنما هم في الواقع يتجاهلون مساحة واسعة من نصوص الدستور
الخالد الذي تكفل الله بحفظه، ومساحة كبيرة في حياة المسلمين تلقوها من سنة
المختار صلى الله عليه وسلم وتاريخنا العظيم، وغزوات النبي صلى الله عليه
وسلم، وجهاد الصحابة ومن جاء من بعدهم، والفتوحات الإسلامية التي علمت
الدنيا السماحة والأخلاق والرقي واحترام الإنسان كإنسان بصرف النظر عن أي
اعتبار آخر، إنهم بافترائهم هذا يريدون التوقيع على إنهاء الوجود الحضاري
لأمتنا، لأن الجهاد هو روح هذه الحضارة، فالأمة الإسلامية على مدار التاريخ
ترتقي حضاريا كلما حافظت على هذه الفريضة، لأن الله أخبرنا أن في القيام
بها سلامة الأرض من الفساد والضياع والإجرام، قال تعالى: (...وَلَوْلا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ
وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة: من الآية251).
ثالثا: يجب أن نتأمل حديث رسول الله صلى الله
عليه وسلم الذي يقول فيه: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر،
ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى
دينكم" رواه أحمد وأبو داود والحاكم، هذا الحديث واضح الدلالة في أن ترك
الجهاد يورث الذل، ويسبب الانهيار، ويفقد المسلمون مكانتهم، وتضيع بين
الأمم هيبتهم، وأن الطريق الوحيد هو العودة إلى إيجاد هذه الفريضة وعدم
التفريط فيها وإعداد الأمة لتحيا حياة المجاهد وأخلاق المجاهد وعزم
المجاهد، والواقع اليوم خير شاهد على ضرورة العودة إلى الجهاد في سبيل
الله، فالجهاد خير على جميع المستويات وهو مصدر عزة المسلمين وسيادتهم.
رابعا: هناك إجماع بين العلماء، وبين كافة
قوى الأمة الوطنية والإسلامية على أن الجهاد في فلسطين لتخليص المسجد
الأقصى وأرض الإسراء، وجميع المقدسات، يجب أن يستمر، وأن يتكاتف الجميع في
مقاومة العدوان، بكل ما نستطيع من قوة، نظرا لاستمرار احتلاله لأرضنا،
واغتصابه لحقوقنا، وقتله لأبنائنا، ولا يوجد خيار آخر لإدراك الحقوق
الوطنية المغصوبة، بعيدا عن المقاومة كخيار وحيد، ولم يعد هنا مجال للحديث
عن بدائل من حلول تسوية، أو سلام زائف.
ولقد أعلن الإمام
الأكبر الشيخ طنطاوي في خطبة الجمعة هذا الأسبوع في الجامع الأزهر "أن باب
الجهاد مفتوح لكل شباب الأمة للدفاع عن المقدسات الإسلامية، وأرض فلسطين،
مؤكدا أن منفذي ما يسمى بالعمليات الانتحارية شهداء وليسوا إرهابيين" ثم
قال "إن القوة هي الحياة، والضعف هو الموت، ووصف اليهود بأنهم أعداء الله
وأبناء القردة والخنازير".
خامسا: المقصود من الجهاد معناه الشامل،
باللسان، وبالمال، وبالنفس، وبالدعاء للمجاهدين وبمساعدتهم، يقول رسول الله
صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" رواه
أحمد والنسائي، ويقول صلى الله عليه وسلم: "إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند
سلطان جائر" .. وأعلاه مرتبة القتال في سبيل الله ، قال الله تعالى:
(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ
لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات:15) .. وصفات المجاهدين
كما وردت في القرآن، صفات عالية تليق بمن يحملون منهج الله، قال تعالى:
(التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ
السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ
وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)
(التوبة:112).
سادسا: الجهاد في الإسلام يقيد دائما بقيود
لا تفارقه أبدا، وهي في سبيل الله، فالإسلام لا يعرف قتالا إلا في هذا
السبيل ـ لا يعرف القتال للغنائم ولا يعرف القتال للسيطرة، ولا للمجد
الشخصي أو القومي، ولا يقاتل للاستيلاء على الأرض ولا لاستعباد السكان، ولا
ليحصل على الخامات، أو لينمي رؤوس الأموال، ولا لسيادة جنس على جنس، إنما
يقاتل في سبيل الله لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه في تصريف
الحياة، وصدق الله العظيم: (الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ)(النساء: من الآية76).. ويقول: (فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ)(النساء: من
الآية74) .. وهناك قتال لتحرير المستضعفين من العباد الذين يستغيثون
ويطالبون بالنصرة للخروج من ظلم الطغاة والمتجبرين، قال تعالى: (وَمَا
لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا
مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً)
(النساء:75) .. وقد حدد صلى الله عليه وسلم هذا الأمر حين سئل: "إن الرجل
ليقاتل شجاعة، ويقاتل حمية ويقاتل ليرى مكانه في الصف، فقال صلى الله عليه
وسلم: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله".
سابعا: إن القاعدة في الإسلام هي السلام،
والحرب هي الاستثناء، وتكون في حالة الدفاع عن النفس أو العرض أو المال أو
الوطن عند الاعتداء عليهم، قال تعالى: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ
الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ
الْمُعْتَدِينَ) (البقرة:190) ويقول الحق سبحانه: (وَمَا لَنَا أَلَّا
نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا
وَأَبْنَائِنَا)(البقرة: من الآية 246).
وتكون أيضا في حالة
الدفاع عن الدعوة إلى الله، حين يقف ظالم في طريقها، ويفتن أهلها، أو يصد
من يريد الدخول فيها، أو يمنع المؤمنين من بيانها وتبليغها، وإخراج الناس
من الظلمات إلى النور، قال تعالى: (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ
وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ
الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى
يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ
الْكَافِرِين َ، فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)
(البقرة:191-192) فالإسلام لا يبدأ أبدا بالعدوان على أحد، لكنه يرد
المعتدي بالمثل.
ثامنا: لابد من ثقة المؤمنين بنصر الله،
وأقول لرجال السلطة الفلسطينية لقد كشفت الصحوة في فلسطين عن شباب طاهر
عظيم وعن فتيات فاضلات، إنهم من أشرف رجال هذه الأمة وأعظمهم، ولهم في
الجهاد قدم صدق، ووقفوا وهم عزل أمام الآلات الجهنمية التي ملأ اليهود بها
الجو والأرض والبحر، فرفعوا بهذه الشجاعة النادرة رأس أمة الإسلام، إننا لم
نعد نسمع من الأخبار السارة إلا أخبارهم، ولم نعد نسمع بشىء إلا بطولاتهم،
ولا نفخر إلا بأعمالهم، ولقد لقنوا اليهود دروسا لن ينسوها أبدا.
لقد أصبحوا اليوم فوق
قمة عالية، فكونوا معهم، تضمنوا عز الدنيا وسعادة الآخرة، يجب أن يتم
التقارب بين المسئولين في فلسطين وبين أبنائهم، وأن يتعاونوا في هذه الظروف
الحرجة، ولا تثقوا في يهود فلا عهد لهم ولا ذمة، وحين تلتحم القيادة مع
الجنود ويصدق الجميع سيأتي الفرج إن شاء الله، إن من حق هذا الشباب المؤمن
عليكم أن تلتفتوا إلى مواكب الشهداء الأبرار وهم في عمر الزهور، لماذا ضحى
هؤلاء بكل شئ، فإن هذه الأمة لا يصلح آخرها إلا بما صلح به أولها، العودة
العودة إلى الجهاد، وامنحوا الشباب المؤمن الراية ليقاتل تحتها، وينتصر من
أجلها وبها، يقول صلى الله عليه وسلم: "تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن
تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وسنتي".
"ألا
هل بلغت اللهم فاشهد".
|