الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

موقف تاريخي تنتظره الأمة من حكامها

23/6/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

 

كان الرفض القاطع مع المعارضة الشديدة هما أهم ما يميز موقف الشعوب العربية والإسلامية من اتفاقيات أوسلو التي عقدتها منظمة التحرير مع الكيان الصهيوني الغاصب عام 1993، وهو موقف يعبر عن هوية وأصالة الشعوب، ويجسد التزامها بشريعة ربها.

فاليهود سعوا بكافة الطرق والوسائل لاغتصاب فلسطين وهي أرض عربية إسلامية يصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة من أجل تحرير كل شبر فيها واستعادتها كاملة من البحر إلى النهر.

كما أن الشعوب العربية والإسلامية بكافة قطاعاتها تدرك وتؤمن أن اليهود هم أشد الناس عداوة للمسلمين، وقد أكدوا هذا العداء منذ بعثة النبي عليه الصلاة والسلام وتبشيره بدعوته، وسعيه لنشر الإسلام دين العدل والمساواة والإنصاف، والحب والأخوة، فلم يتركوا سانحة إلا واستغلوها في حشد أهل الكفر والنفاق لإلحاق الأذى والضرر بالمسلمين، والحيلولة دون الإسلام، وانتشاره، بل ووصل بهم الأمر إلى تدبير قتل النبي عليه الصلاة والسلام، وقد نزل القرآن ينبه الأذهان إلى مدى العداء الذي يكنه اليهود للمسلمين، ومدى سعيهم المحموم لاغتيال وجودهم، والتحالف ضدهم مع عدوهم وطعنهم لهم في الظهر، وفي هذا يقول القرآن الكريم (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا )(المائدة: من الآية82).

أيضا تدرك الشعوب العربية والإسلامية أن اليهود لا عهد لهم ولا ذمة وأن مصلحتهم هي هدفهم ومقصدهم الأول والأخير ، ولو على حساب القيم والمثل أو على حساب وجود ومصير الآخرين، وتاريخهم حافل بنقض العهود وخيانة الأمانات ... كما أنه إلى جوار هذا وذاك تعرف الشعوب جيدا، أن قيادات وزعامات الصهيونية العالمية قد عقدت مؤتمرا في بازل 1897 أعلنت فيه بلا مواربة وفي تحد سافر لكل العرب والمسلمين العزم اليهودي على اغتصاب فلسطين، والامتداد والمد زحفا إلى ما حول فلسطين، وفق جدول زمني حددوا فيه خمسين عاما لقيام دولة لهم في فلسطين، ومائة عام لقيام وطن قومي لهم على أشلاء كل العرب والمسلمين فيما حول فلسطين، يؤكدون من خلاله سيادة مشروعهم الصهيوني، وإنهاء مصير ووجود ودور العرب والمسلمين العقيدي والتاريخي والحضاري.

وهاهم ينفذون مخططهم باجتياح عسكري أكثر من إجرامي، عاث في الأبرياء العزل تقتيلا وسفكا للدماء، وتدميرا وهدما للمساكن، وتجريفا للأرض والمزروعات، واعتقالا وتعذيبا للشباب، وتنكيلا وإذلالا للشيوخ والأمهات والأخوات، ينتهي إلى إحكام الحصار حول المدن والقرى وعزلها عن بعضها ومصادرة أراضيها لتصبح كالجزر البشرية، التي فقدت مصادر رزقها وقوتها ومقومات حياتها، تتعرض كل وقت لإعادة الاقتحام وإعادة تفتيش ما بقي من بيوت، مع المزيد من الاعتقالات للأبرياء وسط مؤشرات ودلائل تقول أن اتفاقيات أوسلو ومفاوضات السلام المزعوم لم تكن ولن تكون في المفهوم الصهيوني إلا جزءا من مخطط أمريكي يهودي يصل بالعرب إلى التنازل عن الأراضي الفلسطينية المحتلة في 1948 وذلك بالاعتراف بالكيان الصهيوني، ثم ينتقل بهم إلى التنازل التدريجي والمرحلي عن الأراضي المحتلة عام 1967، لينتهي بهم إلى التسليم للكيان الصهيوني في نهاية المطاف بالتهام كل فلسطين والتفريط في القدس والمسجد الأقصى .. أولى القبلتين .. وثالث الحرمين، ومسرى الرسول عليه الصلاة والسلام .. وما لم يتم إنجازه بالتفاوض والاتفاقيات يجري بالحصار والاجتياح العسكري، وإحكام سبل ووسائل الخنق والعزل حول الأبرياء، ليصبح الخيار محصورا في الهجرة وترك الديار أو الركوع والاستسلام التام ..

والأخطر من هذا كله بالنسبة لوضع ومصير القضية، ووضع ومستقبل الشعب الفلسطيني اليوم ، ووضع ومصير الأمة في الغد، أن يجري تصفية القضية بإصرار عربي رسمي على رفع شعار السلام خيارا استراتيجيا لا رجعة عنه، وبذل ماء الوجه على الأعتاب الأمريكية - رغم موقفها المعادي للعرب وحقوقهم - لممارسة ضغط على الكيان الصهيوني للانسحاب من مدن الضفة وقراها، أو للعودة إلى التفاوض مع السلطة الفلسطينية، ليس حول الأوضاع النهائية، ولكن لرفع الحصار عن مدن الضفة وقراها، أي العودة لأوضاع أسوأ وأخطر من أوضاع ما قبل أوسلو 1993م.

بدعة الدولة المؤقتة

الأعناق العربية الرسمية مشرئبة والأنظار على مستوى الحكومات متجهة للبيت الأبيض، في انتظار خطاب الرئيس الأمريكي بوش المرتقب على أمل أن يعلن فيه عن خطوات أمريكية إزاء جدول زمني لحل أمريكي مأمول للقضية، أو على صعيد العودة للتفاوض بين سلطة الحكم الذاتي وبين الكيان الصهيوني الغاصب، أو على صعيد تفعيل قرار لمجلس الأمن بشأن دولة أو دويلة فلسطينية كان بوش وراء تمريره في المجلس بهدف دفع العرب والمسلمين للانخراط في التحالف ضد الإرهاب الذي دعا إليه وتزعمه بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م.

والعجيب أن العرب على المستوى الرسمي ورغم الموقف الأمريكي المنحاز تماما للكيان الصهيوني والذي لا يفتأ يؤكد على أن من حق السفاح شارون أن يجتاح مدن الضفة وغزة وأن يحاصر العزل الأبرياء ويعمل في رقابهم أسلحة القتل والإبادة الأمريكية لأنه يدافع عن أمن الكيان الصهيوني ضد الإرهاب الفلسطيني المزعوم .. ما زالوا ينتظرون من أمريكا تحركا يحفظ ماء الوجه العربي الرسمي ويدفع شارون لفك الحصار عن مدن السلطة الفلسطينية ومد جسور التفاوض معها، مع طرح جدول زمني للوصول إلى اتفاق بين الطرفين .

إن ثمة حقائق صارت أكثر من واضحة وملموسة لكل ذي بصيرة، يود كافة المخلصين المهمومين بهموم القضية الفلسطينية وهموم الأمة أن توضع موضع الاعتبار عند الذين يرسمون أو يوجهون السياسات منها:

- أن الاتفاق والالتقاء بين أمريكا والكيان الصهيوني إزاء الموقف من القضية الفلسطينية ومن الشعب الفلسطيني وكافة الشعوب العربية والإسلامية، هما أكثر من تامين ... كما أن أمريكا لا تكتفي بإعطاء الضوء الأخضر للسفاح شارون أو غيره من السفاحين الصهاينة لممارسة عدوانه الوحشي على الشعب الفلسطيني في الضفة وغزة ، ولكن تتبع ذلك بالدعم الأمريكي على صعيد السلاح والتسليح وعلى الصعيد السياسي والاقتصادي.

- وإذا كان شارون قد طلع بفكرة مؤتمر إقليمي أو دولي جديد أو فكرة الحل المرحلي الطويل الأجل، والممتد لسنوات طوال .. سعيا لتضييع الوقت وتمييع أو تضييع الحق العربي، فإن بوش قد تبنى فكرة المؤتمر الدولي، كما ابتدع فكرة الدولة المؤقتة على 40% من مساحة الضفة و60% من مساحة غزة، والتي تمثل حلا مرحليا يمتد لسنوات.

- وإذا كان شارون قد طالب بإجراء إصلاح على صعيد سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني والأجهزة الأمنية، وضرب المنظمات الفلسطينية واعتقال المجاهدين، فإن بوش تبنى نفس الأمر وطالب أيضا بإصلاح السلطة، وإصلاح أجهزتها، وضرب المنظمات الإسلامية والوطنية التي تدافع عن القضية، وتعمل على تأكيد هويتها وعروبتها وإسلاميتها.

- وإذا كان شارون قد اعتبر مجرد الرفض الفلسطيني للإحتلال اليهودي والإصرار الفلسطيني على العيش في حرية وأمن مع مشروعية مقاومة الاحتلال والعدوان الصهيونيين على الأبرياء ولو بالحجر وأبسط السبل والوسائل إرهابا يقابل بالإبادة والتصفية، فإن بوش اعتبر المجازر الصهيونية في الضفة وغزة، وتدمير المدن والقرى فوق رؤوس الأبرياء إنما هو دفاع عن النفس، وأن أبسط مظاهر المقاومة الفلسطينية للإجرام اليهودي إنما هو إرهاب يوجب على الحكومات العربية استنكاره، والمشاركة في حصاره مع منع العون والمساعدة عن المحاصرين الأبرياء، حتى ولو أوجب الإسلام هذا الدعم والعون متمثلا في ما جاء في حديث الرسول عليه الصلاة والسلام "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

- أن العرب والمسلمين على المستوى الرسمي وهم يملكون إمكانات وسبل المواجهة، بل والحسم فيها لصالحهم ولصالح أجيال الغد، وفي مقدمتها وحدة الصف على أساس من الإيمان، وإعادة ترتيب البيت، على المستوى القطري وعلى مستوى الوطن العربي والإسلامي، وعلى صعيد تربية وتعليم الأجيال، أو صعيد الثقافة والإعلام مع حشد كافة الطاقات على مستوى الثروات والموارد .. وهي أكثر من وفيرة فاعلة ومؤثرة، إلا أنهم انصرفوا في غفلة أو تغافل عن طريق المواجهة والجهاد، والإعداد وحشد الطاقات، وترتيب البيوت وتوحيد الصفوف، واستعداد الشعوب للتضحية وبذل النفس والنفيس، ليكرسوا جهدهم في إرسال الوفود إلى واشنطن أو مناشدة الرئيس الأمريكي ممارسة ضغط غير وارد على الكيان الصهيوني أو طرح جدول زمني لمعالجة أمريكية للقضية، مع التسليم العربي الرسمي بأن أمريكا صارت تملك مائة في المائة من الخيوط والحلول والإمكانات في كل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية ومصير الأشقاء الفلسطينيين.

موقف تاريخي تنتظره الأمة

يذهل المرء حين يجري حشد العشرات بل المئات من أصحاب الرأي والفكر أو من المتحمسين للقضية الفلسطينية الناشطين على صعيد تكتيل الصفوف لتأييدها ودعمها أمام محاكم أمن الدولة في هذا القطر أو ذاك أو أمام المحاكم العسكرية، بدلا من إطلاق الحريات، وإفساح المجال أمام الرأي الآخر ليشارك ويدعم، ويساند ويؤيد، ويؤكد على وحدة الصف، في مواجهة شر أكثر من خطير .. صار يهدد الجميع .

يذهل المرء حين تتوالى اجتماعات ولقاءات المسئولين عن الإعلام على المستوى العربي تحت عنوان وضع خطة إعلامية لمواجهة الدعاية الصهيونية أو للتصدي للحملة المغرضة على الإسلام، في الوقت الذي تمتلك فيه النظم الحاكمة على الصعيد العربي والإسلامي إمبراطوريات إعلامية هائلة، تنفق عليها المليارات من أموال الشعوب .. كل هدفها الترويج لسياسة الحكام، أو شن الحملات على الآخرين من الحكام، أو تشويه صورة الشرفاء الأحرار، أو الإساءة للقوى الشعبية الأصيلة ذات التاريخ الجهادي على ساحات عربية وإسلامية كثيرة.

وتنفطر القلوب والنفوس حزنا وهما، حين تنتفض الشعوب ثائرة رافضة لسياسة العجز، ومناشدة أمريكا أو المجتمع الدولي أو الاتحاد الأوروبي التدخل لممارسة ضغط على الكيان الصهيوني، وتخفيف الوطأة عن الأخوة الفلسطينيين المحاصرين المعذبين، مطالبة بتقديم كافة أشكال الدعم للأشقاء الفلسطينيين لمواصلة الانتفاضة وتفعيل سلاح المقاطعة، خاصة وقد آتى ثمار تأثيره على الاقتصاد الأمريكي واقتصاد الكيان الصهيوني ثم يواجه هذا المد الشعبي الأصيل بالكبت والقهر مع إصرار عربي رسمي على انتظار الفرج يأتي عبر أبواب البيت الأبيض مع رفض اجتماع مكاتب المقاطعة أو التقاعس دون تفعيل سلاحها، وامتداد هذا التقاعس ليتمثل عجزا وضعفا على مستوى التنظيمات الإقليمية العربية والإسلامية، على مستوى الجامعة العربية وعلى مستوى المؤتمر الإسلامي.

أبسط قواعد المنطق تقول أن الأمة التي يحدق بها الخطر من كل الاتجاهات من الواجب عليها أن تتحرك في إطار خطة واضحة المعالم، لمواجهة هذا الخطر، من خلال سياسة يجري رسمها والتزامها توجب التقاء حكامها في اجتماع طارئ متواصل على مواجهة الأزمة، ودرء الخطر، أبسط قواعد المنطق حين مواجهة الأزمات، أن يجسد الحكام توجه واتجاهات وغضب وثورة الشعوب، ولما كانت شعوبنا بفطرتها النقية واستعدادها للتضحية والبذل، قد أعلنت بوضوح عن وجهتها وتوجهها وإصرارها على الجهاد سبيلا لتحرير كامل الأرض وما عليها من مقدسات، فإنه يصبح مما يثير الدهشة أو الشك أن يقف الحكام تحت راية السلام خيارا استراتيجيا في مواجهة عدو مدجج بكافة أسلحة الدمار والإبادة والقتل، مواصلا في تبجح سياسته الإجرامية لتشتيت أو إبادة شعب شقيق، ثم الانقضاض على ما حول فلسطين من أقطار عربية.. وتشريد أو إبادة ما فوقها من شعوب.

إن الوضع أكثر من خطير .. ومواجهة ومعالجة أخطاره تتمثل في المقام الأول في عدول الحكام العرب والمسلمين عن مواقفهم انحيازا للشعوب التي اختارت بفطرتها وأصالتها طريق الجهاد، طريقا وحيدا، لتحرير الأرض والمقدسات، وهي تردد عن إيمان قول ربها (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41) (وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) (النساء:104) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (الصف:10-11) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ) (محمد:7).

فهل يستجيب الحكام .. إبراء للذمة وأداء للأمانة .. وتبييضا لصفحات تاريخهم ؟!! .. إنه موقف تاريخي تنتظره الأمة .. للحكم على حكامها أو للحكم لحكامها !!