|
لا
يكاد المسلم يستعيد حدثا من أحداث الإسلام ، ومقومات مجده وعظمته،
إلا ويجد نفسه مسوقا إلى مقارنة صفحات الإسلام التي تضم أدوارا عديدة
وتسجل من المقدمات والنتائج ما يثير إحساس الصديق والعدو ويجمع مع
الهيبة والدهشة ما يجعل النفس تجيش بالذكريات ، وتنتهي بالمسلم إلى
إحساس لا يقل إيلامه للنفس إلا بمقدار ما يحمل من أمل في العودة ،
وطموح إلى تكرار الماضي الزاخر بالأمجاد والانتصارات ، وتمر اليوم
بشهر رمضان المبارك الذي تزاحمت فيه الأحداث ، فالصواريخ والقنابل
تدك غزة وغيرها من الآمنين ، في لحظة إفطار المسلمين ، وتجمعهم لصلاة
المغرب ، وهكذا يصنع اليهود كما وصفهم الحق تبارك وتعالى: (ذَلِكَ
بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ
ويَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وهُمْ يَعْلَمُونَ) سورة آل
عمران.
كما
يقوم الأمريكان بقذف بلاد الأفغان بالصواريخ والقنابل وكل وسائل
الدمار ، وتتناثر الجثث في الصحراء ، ويعامل المسلم كالحشرة الضارة
التي يجب التخلص منها ، فلا وزن لها ولا قيمة .
إن
الأحداث كلها تهيب بنا أن نعود إلى ماضينا لنغترف منه لحاضرنا
ومستقبلنا ، وأن نتابع مسيرة الأوائل ، فيقرع آذاننا نتائج وأنباء ،
تقوي حركة الحاضر ، وتفتح أوسع أبواب الأمل أمام المستقبل .
ليلة
القدر
ومن
عظيم ما اختص الله به المسلمين شهر رمضان ، وجعل فيه ليلة القدر، وهي
خير من ألف شهر ، وهي غالبا في العشر الأواخر من رمضان ، ولقد كان
الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على تلمس كل أسباب الخير طوال الشهر
، أما في العشر الأواخر فقد كان أشد حرصا ، تقول السيدة عائشة رضي
الله عنها (كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ،
ما لا يجتهد في غيرها) وتقول أيضا (كان إذا دخل العشر ، شد مئزره
وأحيا ليله وأيقظ أهله).
ويقول
صلى الله عليه وسلم في فضل هذا الليلة: (من قام ليلة القدر إيمانا
واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) .. ويقول الشعبي: (هي ليلة سالمة
لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءا ولا أذى) وقال عطاء: (هي سلام
على أولياء الله، وأهل طاعته حتى مطلع الفجر) وفي صفتها قال صلى الله
عليه وسلم: (ليلة القدر ليلة بلجة لا حارة ولا باردة ، ولا سحاب فيها
ولا مطر ولا ريح ، ولا يرمى فيها بنجم ، ومن علامة يومها تطلع الشمس
لا شعاع لها) ولابد من الإكثار من الدعاء في العشر الأواخر ، فالدعاء
هو العبادة ولا راد للقدر سواه ، ففيه يتمثل العبد فقره وذله
وانكساره إلى من بيده ملكوت كل شئ ، وللصائم دعوة ما ترد ، وفي كل
ليلة من رمضان عتقاء من النار ، على المسلم اغتنام تلك الأوقات ،
نتذلل فيها لله ، وتخرج من حولنا وطولنا وقوتنا ، نستغفره ونسترضيه ،
ونسأله من خيري الدنيا والآخرة ، ونطلب بإلحاح أن ينصر المسلمين وأن
يرد كيد الكائدين ، ويذل الطغاة والمتجبرين ، ولابد من حضور القلب في
الدعاء ، جاء في الحديث: (اعلموا أن الله لا يستجيب الدعاء من قلب
غافل لاه) جاء في الأثر: (إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله
وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) وهنا تصلح الجوارح ، وتصلح
الأعمال ، وتسلم الحياة ، فالقلب موضع نظر الرحمن ، ففي الأثر (إن
الله لا ينظر إلى صوركم وأشكالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم).
المعسكر الغربي وأمريكا يركزان هجومهما على الشعوب العربية
والإسلامية فحقوق الإنسان ضاعت وحريته ذهبت ، والحملات الإعلامية
تزداد شراسة والحرب والقتل في أفغانستان لا تنتهي ، وسيظل المسلمون
ضحايا هذه الحروب الظالمة وحدهم ، لأن القوة المادية بيد غيرهم ،
وستظل دماء المسلمين تصبغ وجه الأرض ، حتى يستيقظ المسلمون من غفلتهم
، ويدركون الخطر ، فيدفعون عن أنفسهم وعن عقيدتهم وعن وجودهم .
وصواريخ إسرائيل اليوم تقتل المسلمين في فلسطين أرض الإسراء ، وتهدم
بيوتهم ولا أحد يطالب إسرائيل أو أمريكا بوقف المجازر ، أو رفع
الإرهاب الواقع على المسلمين العزل ، لكن الغريب حين يدافع المظلومون
عن حقهم وعن بلادهم ، وعن حريتهم وعن وجودهم ، تنطلق الأبواق تندد
وتهدد وتعتبر الدفاع المشروع في جميع القوانين والنظم ، عدوانا
وإرهابا ، وتقوم إسرائيل اليوم بالضغط على السلطة الفلسطينية لمعاقبة
المجاهدين والزج بهم في السجون ، وهذه لعبة يهودية خطيرة ، وفتنة
كبيرة أشد من القتل نرجوا أن تنتبه السلطة الفلسطينية إلى عواقبها
بالنسبة للصف الفلسطيني الذي يقاوم اليهود ، فتعمل على تقريب الفصائل
الفلسطينية وتوحيد صفها ، خاصة وأن الهدف الذي يلتقي حوله الجميع هدف
عظيم ، تحرير بيت المقدس وتحرير قلب العالم الإسلامي ، الوطن الحبيب
، عند جميع المسلمين .
في
هذه الظروف الحرجة يجب أن يفوتوا على اليهود كل ما يدبرون من شر ،
ويبيتون من مكر ، للقضاء على هذه الانتفاضة المباركة التي أصبحت ندا
لأعتى قوى الشر ، المجردة من الأخلاق والإنسانية والتي كشرت عن
أنيابها وبدأت القتل والذبح والترويع للآمنين وهدم البيوت على أهلها
وتخريب المساجد والمصانع وكل شئ.
دور
العقيدة
إن
العقيدة الحقة هي التي تنتصر دائما في نفوس أصحابها ، لأنهم آمنوا
بأنها الحق واقتنعوا بصحتها ، فهي حقيقة ثابتة مستحيل أن تتغير أو
ينال منها أحد ، وكذلك حقائق الإيمان حين تستقر في النفس الإنسانية
عن اقتناع كامل لا يخالطه أدنى شك ، وهذا هو السلاح الذي يثبت في
المعارك ، والإيمان الحق قول وعمل وحركة ، وجهاد ، إن أسلحة المؤمنين
بالله الموقنين بالغيب ، أسلحة فعالة لا يملك العدو لها صدا ، يستطيع
أن يبطل مفعولها ، لذلك يقف اليهود الآن رغم كل ما يملكون من سلاح
وأدوات التدمير الرهيبة ، مذهولين عاجزين عن مواجهة من يمتلك سلاح
الإيمان بالله والثقة بنصره ، والإصرار على مواصلة الجهاد وهم بحق
رهبان الليل فرسان النار وهم الذين يقفون على باب الله ويتضرعون إليه
في الخلوات والجلوات تفيض دموعهم شوقا إلى ربهم ورغبة إليه وطمعا في
جنته ، إن من أحب الله وآمن به طلب رضاه ، وأسرع إلى لقائه، وصار كل
ما عداه صغيرا واستسهل كل الشدائد في سبيله ، ويقول وهو يودع هذه
الحياة (وعجلت إليك رب لترضى) فهو إذن انسلاخ من الدنيا وما فيها ،
إن الإيمان بالغيب ، واليقين بلقاء الله ، والطمع فيما عنده من جنات
تجري من تحتها الأنهار ، لهو حافز لمواجهة أعتى قوة على ظهر الأرض ،
حافز للجهاد في سبيل الله ، طمعا فيما عند الله من الفردوس الأعلى.
إن
الحياة ليست هذه الفترة القصيرة التي تتمثل في عمر الفرد، وليست هذه
الفترة المحدودة التي تمثل عمر الأمة من الناس ، كما أنها ليست
الفترة المحسوسة والمشهودة التي تمثل عمر البشرية في هذه الدنيا ،
إنها تمتد فتشمل هذا الوجود المحسوس إلى عالم الغيب الذي لا يعلم
حقيقته إلا الله .
إن
الاعتقاد في الدار الآخرة وفي عدالة الجزاء يجعل المسلم يستعد للبذل
والتضحية في سبيل الحق والخير والصلاح ، الذي يعلم أنه من أمر الله ،
وتجعل الفرد يصلح من أخلاقه وسلوكه ، فهو في هذه الدنيا غريب أو عابر
سبيل ، إن طبيعة البشر تبتغي الخير من غير تضحية ودون بذل ، لكن الذي
يؤمن بالغيب يرفض هذا الفهم ، لأن سنة الله تأبى أن يكون ذلك قانونا
أو قاعدة لحماة الحق وأنصاره ، فما من نصر إلا ويسبقه بذل وتضحية
ولذلك يجب على المسلم أن يبذل ما استطاع وأن يضحي ما استطاع وأن
يجاهد ويجتهد ، ثم يسلم النتائج لله ، ويؤمن بقضائه وقدره .
إن
مما يقوي الأمل في النفوس ، ويضاعف الثقة في أن العاقبة للمتقين أن
المنهج الخالد وهو القرآن الكريم دستور الأمة موجود محفوظ بحفظ الله
له والقرآن قوة لمن يلتزم به ، وعزة ومجد لمن يدعو إليه مصداقا لقوله
صلى الله عليه وسلم: (حامل القرآن حامل راية الإسلام ، من أكرمه ،
فقد أكرمه الله ، ومن أهانه فعليه لعنة الله) مسند الفردوس ، والقرآن
هو سبيل سعادة الأمة وهو ميزانها الصحيح مصداقا لقول رسول الله صلى
الله عليه وسلم: (أتاني جبريل فقال يا محمد إن أمتك مفتونة بعدك ،
فقلت له فما المخرج؟ قال : كتاب الله ، فيه نبأ ما قبلكم ، وخبر ما
بعدكم ، وحكم ما بينكم هو حبل الله المتين وهو الصراط المستقيم ، وهو
قول فصل ليس بالهزل ، إن هذا القرآن لا يتركه من جبار ويعمل بغيره
إلا قصمه الله ، ولا يبتغى علما سواه إلا أضله الله ، ولا يخلق عن
رده ، وهو الذي لا تفنى عجائبه ، من يقل به يصدق ، ومن يحكم به يعدل
، ومن يعمل به يؤجر ، ومن يقسم به يقسط) رواه الإمام أحمد .. هذه
الأمة ما عرفت في الماضي إلا به ، ولا ذكرت بين الأمم إلا حين قدمته
منهجا للبشرية قال تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إلَيْكُمْ كِتَابًا
فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ) سورة الأنبياء.
1-
للخروج من هذه المحن لابد من الجهاد ، فأحوال العالم اليوم بعد أن
توحدت قوى الشر تحت قيادة واحدة وتصاعدت عمليات القهر والتهديد
والظلم والنهب ، والقتل والذبح ، تؤكد ضرورة بعث الجهاد الإسلامي
للحيلولة دون القضاء على وجود الأمة وعلى الحضارة الإسلامية ، ولمنع
المزيد من الآلام والظلم الواقع على المستضعفين بهذه البشاعة يعني أن
العالم والحياة البشرية على الأرض أصبحت في خطر ، لأن حضارة الغرب لا
ضمير ولا أخلاق ، ولا نظام ولا عدالة ، وقد أفسدت البيئة ومازالت
تفسد ، وأصبح الإنسان في ظلها ، لا يستحي أن يقول إنه من عباد
الشيطان ، فمستقبل الحياة البشرية فعلا وحقيقة أصبح في خطر ، ولذلك
فالجهاد الإسلامي ، هو الوسيلة الوحيدة التي تنقذ المستضعفين في
الأرض ، وتنقذ الحياة البشرية.
2-
ولكي نصل إلى مرتبة الجهاد والكفاح لابد من تربية النفوس تربية عميقة
وإعدادها حتى لا تهتز عند النوازل ، ولا تنهار جزعا أمام الشدائد ،
إنه الثبات والتماسك حتى تذهب الدواهي والنوازل ويجعل الله بعد عسر
يسرا ، إنه الرجاء في الله ، والثقة بالله ، والاعتماد على الله ،
لابد من إعداد المؤمنين بالصبر في البأساء والضراء وحين البأس ،
الصبر على تجهم الأعداء وكيدهم ، والصبر في الجهاد والحصار ، إنه
الصبر الذي يؤهل المؤمنين للنهوض بواجباتهم ودورهم المرسوم ، في ثبات
وفي ثقة وفي طمأنينة وفي اعتدال ، قال تعالى: (والصَّابِرِينَ فِي
البَأْسَاءِ والضَّرَّاءِ وحِينَ البَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ
صَدَقُوا وأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ).
يقول
الإمام البنا: (أيها الإخوان العمل مع النفس هو واجباتنا فجاهدوا
أنفسكم واحملوها على تعاليم الإسلام ، وأحكامه ، ولا تتهاونوا في ذلك
بأي وجه من الوجوه ، أدوا الفرائض ، وأقبلوا على الطاعة ، وفروا من
الإثم ، وتطهروا من العصيان ، واجعلوا قلوبكم ومشاعركم دائما موصولة
بالله الذي له ملك السماوات والأرض قاوموا الكسل والعجز ووجهوا
شبابكم ومشاعركم وعواطفكم إلى الفضيلة الطاهرة النقية ، وخالفوا
نزعات الطيش ومضلات الهوى ، واحرصوا على الوقت ، فلا تصرفوه في غير
فائدة ، وحاسبوا أنفسكم فيه حسابا عسيرا ، واحذروا أن تمر بكم دقيقة
واحدة لا تكون لأحدكم فيها عمل طيب وسعي مبروك).
وإلى
المسلمين جميعا : لا تعرضوا عن أداء الواجب ، ولا تتقاعسوا عن نصرة
إخوانكم ، ولا تتفرقوا بل يجب أن يجتمع لكم صف ، وترتفع لكم راية ،
وتعرف لكم غاية ، لا تركنوا إلى الراحة والدعة ، وقد أشهرت لكم
السهام ولا تجعلوا بأسكم بينكم، وقد تداعى عليكم الأعداء ، وابتعدوا
عن الشرور والمعاصي، فأنتم حملة الخير والفضائل لا تغفلوا أو تناموا
، فقد أشعل اليهود في دياركم النيران لا تهزلوا ولا تلعبوا ، فقد جد
في مطاردتكم الأعداء: (ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأَنتُمُ
الأَعْلَوْنَ إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).
|