الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

لا لتصفية القضية !!

26/5/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

  

 الأحداث والتطورات الأخيرة بقدر ما فاجأت كافة الشعوب العربية والإسلامية .. فقد أثارت من التساؤلات أضعاف أضعاف ما أثاره الاتفاق الذى تم إبرامه لرفع الحصار عن الرئيس الفلسطينى عرفات وعن كنيسة المهد وأدى إلى تسليم ستة من رفقاء الرئيس الفلسطينى فى محبسه إلى غياهب سجن فى أريحا تحت حراسة سجانين أمريكيين وبريطانيين ونفى ثلاثة عشر كانوا فى كنيسة المهد إلى دول أوربية مازالوا فى انتظار موافقتها على قبولهم مع احتفاظ الكيان الصهيونى بالمطالبة بهم وترحيل مجموعة أخرى إلى غزة.

لقد أثار البيان الصادر عن قمة شرم الشيخ فى الثانى عشر من مايو الجارى العديد من التساؤلات على المستوى العربى والإسلامى ، خاصة وقد اعتبر البيان - كما أوضحت وأكدت الصحف العربية التى نشرته - العمليات الاستشهادية التى قام بها ويقوم بها الأشقاء الفلسطينيون أعمالا إرهابية تستحق الإدانة والاستنكار رغم أنهم المسلوب حقهم فى الحياة ، المغتصبة أرضهم ، الذين يتعرضون لحصار خانق وقصف إجرامى بكافة أسلحة الدمار والهلاك الأمريكية على مدى عشرين شهرا ، كما يتعرضون لاجتياح صهيونى وحشى تمت تصفية المئات منهم خلاله – كما جرى تدمير المئات من البيوت ، مع تجريف الأرض واقتلاع الزرع والشجر ، واعتقال الألوف من شبابهم وتعريض الألوف للامتهان والإذلال يوميا ، مع جهر القيادات الصهيونية الإرهابية بسعيها الدؤوب وبكافة السبل لطرد وتهجير الشعب الفلسطينى من أرضه .

لقد لاقى بيان قمة شرم الشيخ الترحيب الأمريكى والإسرائيلى ووصفه المتحدث باسم السفاح الصهيونى شارون الذى ولغ فى الدماء العربية بأنه قد حوى نصا مشجعا هو إدانة الإرهاب الفلسطينى ، وقال "علينا أن نرى كيف ستتم ترجمته إلى عمل ، وأن المسئولية فى الأراضى الفلسطينية لم تعد محصورة فى عرفات بل والدول العربية أيضا ، إنه بيان يدفع فى اتجاه الاقتراب من مسيرة المفاوضات ، كما وصفت صحيفة عربية نص إدانة العنف بأنه يقصد المقاومة الفلسطينية ، وليس العمليات الاستشهادية فقط .

لقد استبشرت الشعوب العربية والإسلامية خيرا حين قررت القمة العربية منذ وقت قريب إنشاء صندوقين أحدهما لدعم القدس والآخر لدعم الانتفاضة ، وظنوا أن حكامهم قد أكدوا العزم على المضى على نفس الدرب الذى قاد الأمة عليه القادة والملوك فى أمسها فحققوا لها النصر ، وحرروا لهم القدس ، واستردوا كافة الأرض المغتصبة ، وثأروا للعرض والشرف - وذلك حين أعلنوا دعمهم للانتفاضة وأكدوا فى أكثر من موقف أنهم مع تواصل الانتفاضة ، فهى الورقة الفاعلة فى يد المحاصرين العزل وأيضا فى يد السلطة الفلسطينية وفى يد الحكومات العربية والإسلامية , وأن دعمها مع ضمان استمراريتها هو واجب الحكومات ، إلا أن بيان قمة شرم الشيخ .. جاء صدمة للمشاعر . والآمال ، ولم يتجاوب مع غضبة الشعوب من المحيط إلى المحيط ، وقد أكدت انحيازها للقضية وللشعب الفلسطينى الشقيق واستعدادها لدعمه بالمال والنفس والسلاح ، فهو لا يدرأ هجمة صهيونية أمريكية عاتية عن نفسه وأرضه فقط ، ولكن عن كافة الأرض والديار والشعوب العربية والإسلامية .

صحيح أن الدعم الرسمى للانتفاضة منذ أن قررت القمة إنشاء صندوق لها لم يكن على المستوى المطلوب والمأمول ، إلا أن رفض الحكومات للضغوط الأمريكية والصهيونية المتواصلة لدفعها لوقف الدعم للشعب الفلسطينى وإعلان إدانتها للمقاومة والانتفاضة والعمليات الاستشهادية على مدى يقترب من عامين كان بمثابة شعاع الأمل فى وقفة حازمة تتضافر فيها قوى الشعوب مع قوى الحكومات من أجل اقتلاع جذور عدو غاصب وتحرير كامل الأرض من دنسه .

كانت الأمة بكافة شعوبها مع حلول الذكرى الرابعة والخمسين لاغتصاب فلسطين ومع المحاولات التى يبذلها العدو الصهيونى بدعم أمريكى أكثر من سافر لبسط نفوذه ووجوده على كامل الأرض الفلسطينية ومع لجوئه إلى كافة أساليب القهر والقمع والحصار والقصف فى تعامله مع الشعب الفلسطينى الشقيق ، كانت الأمة تأمل فى تأكيد ملوكنا ورؤسائنا على الثوابت ، والحقوق ورفض الرضوخ للضغوط، مع حشد الإمكانات والطاقات واستخدام كافة الأوراق لمواجهة لا شك آتية ولكن جاء الموقف العربى الرسمى بعيدا عن تجسيد الانحياز الشعبى العربى والإسلامى للقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطينى الشقيق ، الأمر الذى يضعنا بعد أربع وخمسين عاما على جريمة اغتصاب العدو الصهيونى لديارنا وقدسنا الشريف أمام مجموعة من الحقائق البالغة الأهمية والخطورة منها :

  • أن العدو الذى أعلن فى بازل 1897 عزمه على إقامة دولة له فوق أرضنا فى فلسطين بعد خمسين عاما ، ووطن قومي فوق كافة ديارنا بعد مائة عام ، لم يدخر جهدا فى تحقيق أطماعه ، فأقام الدولة بعد خمسين عاما، ووصل فى غفلة وتهاون من جانب حكوماتنا إلى أطراف عالمنا العربى والإسلامى ، مع استخدام كافة الأساليب والوسائل فى تحقيقه لغاياته وأهدافه ، دون أن يغير فى الأهداف أو يحيد عن الغايات ، مع تجرد  من كافة القيم والمثل وحرص بالغ على أن يسلح نفسه بكافة أنماط وأشكال أسلحة الدمار .

  • أن العرب أصحاب الحقوق المغتصبة، والذين يتعرضون للعدوان المتواصل قد درجوا على التراجع وتقديم التنازلات بدلا من توحيد الصفوف .. وإعداد العدة لرد العدوان وطرد العدو وتحرير الأرض والديار، والاعتماد على الذات، بل ولجأوا إلى الاعتماد على المنظمات الدولية التى سلبت سلطاتها وجردت من إمكاناتها، صاروا ينتظرون من الولايات المتحدة التى أكدت انحيازها للعدو الصهيونى وأعلنت ضمانها لأمنه، وأمدته بكافة أنماط الأسلحة المتقدمة أن تمارس دور الوسيط النزيه، أو الراعى المحايد، أو أن تمارس من الضغوط على الكيان الصهيونى ما يدفعه إلى إعادة جزء من الأرض أو جانب من الديار.

  • أنه فى الوقت الذى يرجع فيه العدو الغاصب إلى كافة أفراده ، فى حرص على طرح الأفكار والآراء والمشاركة فى القرار والالتزام بما يرون فيه ما يحقق أطماعهم وغاياتهم ، وفى أجواء يتوفر فيها أمنهم وحريتهم وعبر مؤسسات يحترمها سفاحوهم تصادر الحريات فى ديارنا، ويحال بين الشعوب وبين إبدائها لرأيها وأفكارها، ويجرى تهميشها ، وتتخذ القرارات وتبرم الاتفاقيات دون مؤسسات جرى انتخابها فى حرية ونزاهة تعبر عن نبض وتوجه الشعوب وآرائها ، بل ويصل الأمر إلى تجريم وتحريم تحرك الشعوب لنصرة شعب عربى مسلم يتعرض لعدوان وحشى ويواجه خطر التصفية والإبادة أو الطرد والتهجير من أرضه ودياره .. من أجل هذا جسد السفاح شارون هذا التوجه الصهيونى الإجرامى بقوله: إن السلام ممكن إذا كان هناك وقف تام للإرهاب والعنف والتحريض الفلسطينى .. وإذا جرت إصلاحات جذرية فى السلطة على كل الأصعدة لتكون سلطة أخرى وإذا جرى توحيد الأجهزة الأمنية الفلسطينيين فى جهاز واحد من خلال إعادة تنظيمها وترتيبها، فعندئذ ندخل مفاوضات لتسوية على مراحل، ويتم التوصل لمرحلة طويلة الأمد تحدد فيها طبيعة العلاقات والضمانات الدولية لاحترام هذا الاتفاق ، وبعدها يمكن التحدث عن تسوية دائمة، ثم يقول: إن اجتياح مدن الضفة وقراها هو أعظم العمليات العسكرية فى تاريخ إسرائيل ، لقد مهد الطريق لإبادة الإرهاب فى كل مكان، إن من إنجازات هذه الحرب أنها تمكننا من القيام بعمل عسكرى هادى لا يسمح به العدو ، ولكن يشعر به العدو على جلده".

  • أنه رغم فشل تجربة مؤتمر مدريد .. ورغم ما تعرضت له حقوق الشعب الفلسطينى من ضياع عبر مسيرة أسلو ورغم ما ظهر ووضح للعرب من انحياز أمريكى ضد حقوقهم .. وسعى صهيونى أكثر من فاضح لاستغلال المؤتمرات الدولية وموائد المفاوضات والاتفاقيات والمعاهدات لتحقيق وتأكيد التوسع ودفع الآخرين للتنازل عن الحقوق ، فإن المؤتمر الدولى الذى اقترحه السفاح شارون وتبناه بوش مع إسدال شعار على مسيرة واتفاقيات أسلو والدفع بالعرب فى متاهات مؤتمر دولى جديد لمجرد طرح الآراء، وقد وصفه باول بأنه لا يشكل أهمية تذكر على صعيد إصدار القرارات أو الالتزام بالقرارات ، فإن حكوماتنا قد رحبت بالمؤتمر والمشاركة فيه ، وعلقت الآمال على دور أمريكى مزعوم سيلتزم العدل والإنصاف ، وينحاز إلى أصحاب الحق المهضوم، هذا فى الوقت الذى أعلن فيه شارون أن الكيان الصهيونى دولة فوق القانون، وأن ليس من حق دولة أو فرد أن يطالب بمحاكمة فرد من أفراده ، ويتخذ حزبه قرارا مواكبا لبيان قمة شرم الشيخ بعدم السماح بقيام دولة فلسطينية غرب نهر الأردن، وتؤكد إحدى صحفه (جيروزاليم) فى الخامس من مايو أن الحرب فى الضفة الغربية لم تكن خيرا للعرب ، فإن اليهود قد حافظوا على قوتهم خلال 54 سنة، وبعد اجتياح الضفة لا يرى الكيان الصهيونى فى جيشه قوة لمواجهة الإرهاب الفلسطينى فقط، ولكن ليرهب العراق، وحزب الله وسوريا ، وكل القوى الهجومية فى المنطقة"

الجفوة بين الحكومات والشعوب

ثمة فجوة وجفوة يمكن أن نلمسها بين الحكومات والشعوب ، فقد أكدت الشعوب على عروبة وإسلامية القضية، وأعلنت تمسكها بالجهاد سبيلا لاسترداد الحق كاملا والانتصار للأشقاء المظلومين ، واستجابت لنداء ربها : (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ )(التوبة: من الآية111)

واتخذت موقفا واضحا حازما من الكيان الصهيونى ومن القوى الدولية التى تناصره وتدعمه وعلى رأسها الولايات المتحدة فى التزام لقول ربها (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (هود:113)

وأعلنت تأييدها للعمليات الاستشهادية وأفتى علماؤها بشرعية هذه العمليات والمنزلة العظيمة التى سينعم بها الشهداء عند ربهم .. ورفضت متاهات المفاوضات .. وأعلنت عدم ثقتها فى اليهود ، وتاريخهم معروف ، وعداؤهم للإسلام والمسلمين محفور فى ذاكرة التاريخ .

وأدركت أن المنظمات الدولية لا تملك قرارا .. ولا تنحاز للعدل ولا تناصر مظلوما .

إلا أن الحكومات قد أدانت المقاومة ، واعتبرت العمليات الاستشهادية عنفا وإرهابا ، ووصل الأمر بوزير خارجية إحدى الدول العربية أن يقول : إن الدول العربية تتفاعل إزاء عودة التوازن للسياسة الأمريكية وتحقيق تقدم نحو الحل ، وإن هناك مزيدا من التفاؤل إزاء احتمالات التغيير فى التصرف الأمريكى الذى يتحول فى اتجاه أكثر إيجابية وتفهمها للموقف العربى والفلسطينى ، وتنتظر إجراءات أمريكية ملموسة فى وقت قريب ، فقد تعهدت أمريكا بضمان انسحاب إسرائيل ، ولم تعد تطالب بتغيير عرفات"

وإن كان السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية قد فاض به الأمر والحال فأبى إلا أن يضع النقاط على الحروف فى كلمة ألقاها نيابة عنه فى لقاء فى الجامعة الأمريكية فى القاهرة أحد مسئولى الجامعة العربية "وصف فيها أمريكا بالانحياز السافر ضد الحقوق العربية ، وقال لقد "آن الأوان للحكومات العربية وجماهير الأمة أن تفهم أن إسرائيل لن تعيد الحقوق العربية المسلوبة فى إطار أى اتفاقيات وقعت عليها أم لم توقع ، لقد كشف القناع عن الوجوه الغادرة لأمريكا وإسرائيل وأنها لا تريد سلاما للعرب ، ولكن استسلاما ، والتوقيع لإسرائيل على بياض على صك بملكية الأرض العربية الفلسطينية كلها .

وقال عمرو موسى : "عودوا إلى شعوبكم وضعوا أيديكم فى أيديهم لتقفوا جبهة واحدة فى وجه الخداع والنفاق الأمريكى والصهيونى ، "إن وقوف العرب استنادا إلى الخيار الاستراتجيى للسلام على أبواب الأمم المتحدة وأبواب الاتحاد الأوربى وأمريكا أثبتت الأحداث الحالية للجميع حكاما ومحكومين أنه وهم وسراب كبير" "إن بوش يتخذ كل الأساليب لإرغام العراق على تطبيق قرارات مجلس الأمن .. أما الكيان الصهيونى فقد أصدر مجلس الأمن 280 قرارا لم يلتزم بتنفيذ قرارا منها على مدى 54 عاما ، منذ اغتصاب الأرض العربية ، وحتى اليوم .

شعب مجاهد يضرب المثل

لقد وقف الشعب الفلسطينى المحاصر، الذى يتعرض للعدوان الصهيونى الوحشى وقفة المجاهدين الصابرين المحتسبين، مؤكدا أن الشعوب العربية والإسلامية التى انتفضت مطالبة بنصرته، هى صاحبة القرار، النابع من عقيدتها، المعبر عن هويتها ، المؤكد لأصالتها الذى يجسم إصرارها وأنها رغم القيود التى تعوق حركتها، والضغوط التى تثقل كاهلها لا تعرف الهزيمة، ولا تعرف الرضوخ ، وترى فى الشهادة نصرا، وفى الانتصار على العدو فوزا ، وفى كليهما قربى إلى الله وسعيا لرضاه، ولا يغيب عن أذهانها مثال أصحاب الأخدود .. الذين جادوا بالروح وهم يلتزمون المبدأ والعقيدة ، فانتصروا وفازوا كما لا يتوارى عن ناظريها وذهنها وفكرها .. مسيرة القلة المؤمنة التى هاجرت بدينها وهى على الحق ثابتة ، ومن أجله مجاهدة ، ثم عادت لتسترد الأرض والديار، وتنعم والناس كافة بالحرية والأمن والكرامة ، متمثلة قول ربها (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69)