|
تعرف
وتقاس صلابة الشعوب العربية والإسلامية
، ويلمس عميق إيمانها وفاعلية عقيدتها
وقت الشدائد والضوائق ، وفي أجواء المحن
والكروب ، إذ تتجلى عظمة صبرها وجلدها
، وشديد بأسها وصمودها ، كما تتابع أمام
أنظار العالم النماذج الرائعة لتضحياتها
، وعطائها وبذلها .
مشهدان
يقف أمامهما المرء مع عظيم التقدير وعميق
الاحترام ، من بين مشاهد مسلسل الأحداث
الدامي الجاري على أرض الضفة وغزة ، وهو
مسلسل بقدر ما أثار ويثير الغضب والثورة
على مستوى الشعوب العربية والإسلامية
، لما يجرى في حق إخوانهم من أبناء الشعب
الفلسطيني العربي المسلم من مذابح ومجازر
، واعتداءات آثمة مجرمة تصادر حقهم في
الحياة الآمنة فوق أرضهم وفى ديارهم ،
فإنه أثار ويثير دوافع التعاطف والانحياز
التام إلى صفهم والوقوف في صمود إلى جوارهم
، والمشاركة بالمال والروح من أجل الدفاع
عن أرضهم وديارهم ، وحقهم في الحياة الآمنة
وسط ديارهم ، كما أنه في نفس الوقت يؤكد
على أصالة شعب عربي مسلم ومدى اعتزازه
بهويته ، ومدى حرصه على عزته وكرامته ومدى
رفضه لأي شكل من أشكال الضيم أو الإذلال .
المشهد
الأول: هو مشهد الألوف الذين احتشدوا في
نابلس يودعون فوجا من أفواج الشهداء بلغ
أحد عشر شهيدا إلى مثواهم الأخير ، وهم
يؤكدون في شجاعة وعميق إيمان رفض الشعب
الأبي للمساومة ، وإصراره على المقاومة
، وعزمه على مواصلة الجهاد ضد اليهود الغاصبين
وضد السفاح شارون .
المشهد
الثاني:
هو مشهد أهل وذوي الشهيد محمد أحمد مرمش
الذي استشهد بعد أن ثأر للأبرياء وسطر
بدمائه رسالة تقول أن: (ألوف الألوف من
أبناء هذا الشعب الأبي المجاهد ، على استعداد
للتضحية بالدم والروح وهم يصرون على تحطيم
أنوف المحتلين الغاصبين ، وتلقينهم درسا
يجعل الأرض تلتهب تحت أقدامهم ، ويؤكد
أنه ليس ثمة أمن ولا أمان لهم في ديار قد
اغتصبوها من أصحابها ، إضافة إلى تلقين
القوى التي تؤازرهم في غيهم وعدوانهم درسا
يرغمها على إعادة الحسابات وإعادة النظر
في السياسات).
لا
يملك المرء إلا أن يقف وقفة الاحترام والتقدير
التي تعتمد الثقة في الله عز وجل والركون
إلى جنبه والاطمئنان إلى ما تملكه الشعوب
العربية والإسلامية ممثلة في الشعب الفلسطيني
من إمكانات وطاقات ، حين نسمع ونشاهد ،
ما دار في دار الشهيد ، بعد إذاعة نبأ استشهاده
، وكيف قابل أهله وذووه النبأ في ثبات ،
وفى فخر وهم يذكرون على مشهد ومسمع من الدنيا
ما جاء في رسالته الأخيرة مؤكدا: "أن
من كان يظن أن دين الله سينصر بغير الجهاد
وبلا دم ، وبلا استشهاد ، فأولئك هم الواهمون
الذين لا يعرفون طبيعة هذا الدين ، وأن
اغتيال السفاح شارون وجيشه الغادر للرضيعة
إيمان حجو ومئات الشهداء قد هز مشاعره
من الأعماق".
قافلة
الشهداء الممتدة ، على مدى ثمانية شهور
مع قوافل الجرحى والمعوقين والذين تجاوزوا
الثلاثين ألفا ، في ظل الحصار المحكم حول
المدن والقرى ، وحول الضفة وحول غزة ، والذي
لا يسمح بوصول الطعام والشراب ، إضافة
إلى القصف بالصواريخ واستخدام أحدث الطائرات
والأسلحة الأمريكية في القتل وسفك الدماء
، كل ذلك يضاعف من تواصل صبر وجلد شعب أعزل
، في عزة وكبرياء ، مستمدا طاقاته وصبره
، من عميق إيمانه ، الأمر الذي يضعنا أمام
مجموعة من الحقائق التي يجب أن نتعامل
معها على مستوى الحكومات
.. كما على مستوى الشعوب منها:
-
إن الانتفاضة الفلسطينية الباسلة ، وهي
تستحق كل تقدير ، ويجب أن تحظى بكافة أشكال
الدعم قد فضحت زيف الدعاوى التي روجت يوما
لمقولة زعمت أن الفلسطينيين ليست لديهم
الرغبة في القتال دفاعا عن حقهم ، وأنهم
ينتظرون أن ينهض غيرهم من الشعوب بالقتال
من أجلهم حتى آخر جندي في جيوشهم
.
-
إن انتفاضة الشعب الفلسطيني العربي المسلم
قد أكدت مدى ما تملكه الشعوب العربية والإسلامية
من طاقات وإمكانات وقدرة على التضحية واستعداد
للبذل ، ورفض للضيم ، وإصرار على العيش
في كرامة أو الفوز بالشهادة
.
-
وإذا كان العدوان الصهيوني الغاشم المتواصل
على الشعب الفلسطيني الشقيق الأعزل والذي
يستخدم كافة أنواع الأسلحة الأمريكية
والسعي الصهيوني المحموم لتركيع الشعب
الفلسطيني ، وإرغامه على الخضوع والاستسلام
قد قوض الشعارات التي ارتفعت على الساحة
العربية تنادى بالسلام المزعوم ونبذ السلاح
كخيار استراتيجي لا رجعة فيه ، فإن إصرار
الشعب الفلسطيني على رفض الاحتلال ، وتصميمه
على تحرير أرضه ، مع استعداده للتضحية
بكل ما يملك مما زلزل أقدام المعتدين ،
ودفع أهل المستعمرات لهجرتها بعد أن افتقدوا
الأمن وخيم عليهم القلق قد أكد أن الشعب
الفلسطيني المجاهد المحاصر ، الصامد في
وجه البلاء ، الصابر على الابتلاء الرافض
لوجود الغاصب الصهيوني ، وهو يدفع الضريبة
مضاعفة ، إنما يؤكد أن الشعوب العربية
والإسلامية من واقع التجارب التي مرت بها
وعاشتها خاصة على مدى المائة عام الأخيرة
أثبتت أنها حريصة على الموت كي تؤكد حقها
في الحياة والحرية ومستعدة للتضحية بكل
ما تملك ، كي تعيش في أمن وعزة ، وأنها لا
تؤمن بغير المواجهة سبيلا لتحرير كامل
الأرض ، والثأر للعرض والشرف والكرامة
، ومن ثم يصبح التساؤل المشروع ، لماذا
التراجع والتقاعس على المستوى الرسمي
دون حشد الطاقات والإمكانات ، واستخدام
كافة الأوراق على صعيد الضغط وعلى صعيد
المواجهة ، لإثبات الوجود ، ولتأكيد الحقوق
، واقتلاع جذور الغاصب الدخيل؟!..
أمريكا ..
ترعى وتبارك العدوان
التحرك
الرسمي العربي مازال حتى الآن منحصرا في
إطار صار من الضروري أن يخرج عن إساره ليتأكد
الالتقاء بين الحكومات والشعوب ، ولترتفع
الحكومات إلى مستوى المأمول والمطلوب
، ولتكون سياستها تعبيرا عن إرادة الشعوب
في اعتماد على إيمانها وكافة طاقاتها وإمكاناتها
، واستعدادها العظيم ، للبذل والتضحي.
إنه
من قبيل الحرث في البحر أن نعلق الآمال
على نزاهة أمريكية أو حياد أمريكي أو انحياز
أمريكي للعدل والإنصاف ، وكافة المؤشرات
والدلائل تؤكد أن أمريكا تقف بكامل ثقلها
وراء العدوان الصهيوني وذلك في إطار السياسة
الأمريكية المعروفة بتسخين الأزمات ،
حتى يسهل الطرق والتشكيل حسب ما هو مطلوب
أمريكي.
الطائرات
التي تقصف الأشقاء العزل ، الصواريخ والدبابات
التي تدمر كافة أشكال الحياة فوق أرضهم،
الرصاص الذي يغتال الأطفال والشباب ، كلها
أسلحة أمريكية تدعم بها أمريكا الكيان
الصهيوني في إطار سياسة تعتمد حصار العرب،
وتفوق الصهاينة ، وتلتقي مع ما قاله جابوتنسكي
الأب الروحي للصهيونية في عام 1923 حين قال: "إنه
لا فرصة لأن يقبل الفلسطينيون العرب أهداف
الصهيونية في فلسطين ، وأن الطريق الوحيد
لكي تنجح الصهيونية وتحقق أهدافها يتمثل
في قوة عسكرية يضعف أمامها العرب ويفهم
قادة الدولة الصهيونية أنهم أقوى من العرب
عسكريا ودبلوماسيا ، مما يخدم الأهداف
على المدى البعيد" .. كما أنها تلتقي
مع ما يردده اليوم السفاح شارون ، حين يعلن:
"إن الوقت ليس ضدنا ، إن العالم العربي
مآله إلى الانحدار بينما ستكون دولتنا
قوية مزدهرة ، فلننتظر حتى يأتي وقت الانهيار
العربي ويدب اليأس في الصفوف مع استخدام
الضربات حتى تحدث الفجوة في العلاقات بين
قيادات العرب والشعوب ، وإنني مازلت صهيونيا
مناضلا ، وإذا كان يوجد هناك من لا تستثيره
فكرة اكتساب هكتار من الأرض وإضافة هكتار
آخر إليه فإن هذا يستثيرني".
ويفضح
عالم اللغويات ناعوم تشومسكي في محاضرة
له في معهد ماساسوسيتش للتكنولوجيا عن
أزمة الشرق الأوسط ، والموقف الأمريكي
المتواطئ ضد العرب وحقوقهم فيقول: "إن
الحصار المفروض على الضفة وغزة لم يسبق
له مثيل وأن رهان الكيان الصهيوني هو على
كسر إرادة الفلسطينيين ويجرى تسويق ذلك
تحت مظلة رد اليهود على العنف الفلسطيني
، وأن الاعتراف بالسلطة الفلسطينية ليس
معناه الاعتراف بحقوق الفلسطينيين ولكن
الاعتراف بالسلطة كشرطة لحفظ الأمن الإسرائيلي
ومساعدة قوات الاحتلال ، أما الموقف الأمريكي
فإنه يتسم بالتواطؤ والنفاق والتصديق
على عدوان الكيان الصهيوني".
لقد
أعلنت أمريكا في أعقاب مطالبة العواصم
العربية بجلسة طارئة لمجلس الأمن الدولي
لاستصدار قرار بحماية دولية للفلسطينيين
في الضفة وغزة أنها ستلجأ إلى استخدام
حق الفيتو ضد أي مشروع قرار لا يحظى بموافقة
الكيان الصهيوني عليه، الأمر الذي يعني
أن أمريكا تقف خلف العدوان الصهيوني الإجرامي
على الفلسطينيين حتى يؤدى إلى ركوع واستسلام
الفلسطينيين .
وإبان
مؤتمر صحفي عقده باول وزير خارجية أمريكا
مع إيجور إيفانوف وزير خارجية روسيا قال
باول:
"إنني باسم أمريكا أتوجه بالدعوة إلى
كل زعماء المنطقة ليعلنوا فورا وفى صراحة
وجهارا الوقف الفوري للعنف غير المشروط
وأن يبذلوا كل ما في وسعهم لتحقيق ذلك" ..
يقول باول ذلك بدلا من اتخاذ الإجراءات
الكفيلة إزاء الكيان الصهيوني ليكف عن
عدوانه الإجرامي ويتوقف عن استخدام السلاح
الأمريكي .
التحرك
العربي والإسلامي المطلوب
إن
التحرك العربي والإسلامي المطلوب في مواجهة
العدوان الصهيوني على الشعب الفلسطيني
وفي الأجواء والظروف التي تسفر عنها أمريكا
عن دعمها للصهاينة ويعلن قادة الصهاينة
أنهم في سبيلهم لشن حرب شاملة في المنطقة
وأن عدوانهم سيطال كافة الدول المحيطة
لفلسطين ، يجب أن يخرج عن إطار الاستنكار
والتنديد ونبذ سياسة التهافت أو الهرولة
نحو التفاوض وينطلق من روح الجهاد والمواجهة
عند الشعوب .
لقد
أعلن عرفات إبان لقائه مع لجنة المتابعة
أن: "الموقف في الضفة وغزة صعب وأن الخسائر
فادحة ، وقد بلغ عدد الشهداء 600 شهيد ، ووصل
عدد الجرحى والمعوقين إلى ما يربو على
الثلاثين ألف ، أما عدد العاطلين فقد بلغ
360 ألفاً، ومع ذلك فلن يركع الفلسطينيون" ..
ومن ثم يصبح من الواجب على العرب على مستوى
الحكومات والحكام أن يعتمدوا سياسة المواجهة
التي تتطلب إعدادا وتحركا عمليا على كل
الساحات .
تحركا
يبدأ بالوفاء بكافة الالتزامات وتنفيذ
كافة القرارات التي اتخذتها قمة القاهرة 2000
وقمة عمان 2001 بدعم الانتفاضة والقدس ،
وأنه لمما يؤسف له ألا يتم حتى الآن نهوض
الدول العربية بالتزاماتها إزاء صندوق
القدس وصندوق الانتفاضة ، وبالتالي تتضاعف
الضغوط بالنسبة للفلسطينيين المحاصرين
في الضفة وغزة ، بدلا من أن تكون قرارات
القمة العربية سبيلا للتخفيف عن كواهلهم
، ودعما لهم ليواصلوا الانتفاضة
.
يحتم
الموقف التاريخي على الحكومات العربية
والإسلامية أن تعيد النظر في سياستها إزاء
الولايات المتحدة الأمريكية ، وأن تستخدم
كل إمكاناتها وهى عديدة في الضغط على واشنطن
لتوقف من دعمها وتأييدها للكيان الصهيوني
، وأن توقف من تسخيرها للهيئات الدولية
لتكون في خدمة السياسات الصهيونية ، وتغض
الطرف عن عدوان الكيان الصهيوني وانتهاك
قرارات المنظمات الدولية
.
وإذا
كانت الشعوب ترى أن مستقبلها إنما يتأكد
من خلال الوحدة وأن استردادها لأرضها وتحقيقها
لأمنها ، واقتلاع جذور الاحتلال من ديارها
إنما يتحقق من خلال مواجهة حاسمة ، فإن
منطق المصلحة العامة يحتم على الحكومات
أن تزيل أسباب الجفوة على المستوى الرسمي
، مع تجسير وتوطيد العلاقات مع الشعوب
وإعداد الأمة على كافة المستويات لمعركة
لا شك قادمة .
إن
القرار الذي اتخذته لجنة المتابعة بوقف
الاتصالات السياسة والدبلوماسية مع الكيان
الصهيوني ، وإن كان قد حاز نصيبا من القبول
على المستوى الشعبي العربي ، فإنه مازال
منتظرا من لجنة المتابعة أن تتخذ موقفا
واضحا وصريحا وعمليا من التطبيع مع العدو
الصهيوني ، كمرحلة من المراحل التي تؤدى
إلى المواجهة الحاسمة أيضا مطلوب من لجنة
المتابعة أن تتخذ موقفا صريحا من الانحياز
الأمريكي السافر للكيان الصهيوني ، وموقفا
واضحا وملموسا من تفعيل ومضاعفة الدعم
العربي للأخوة الفلسطينيين على كافة مستوياته
.
إن
الأمة التي خرّجت قوافل الرجال الأبطال
الذين ضحوا بأرواحهم وكل ما يملكون كي
ينشروا العدل والحق والنور والحرية في
كافة الأرجاء ، تثبت اليوم أصالتها وتواصلها
عبر جيل جديد من الرجال أيضا يضحي بالنفس
والروح على أرض فلسطين وهو يمضي في جلد
على درب تحريرها وتطهيرها من دنس الصهاينة
، ويدرك من خلال عميق إيمانه أن دين الله
مصدر النصر والعزة والكرامة ، إنما يكون
الانتصار والنصر له تحت رايات الجهاد وهو
يردد قول الحق تبارك وتعالى: (وجاهدوا في
الله حق جهاده ، هو اجتباكم وما جعل عليكم
في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم
المسلمين من قبل ، وفى هذا ليكون الرسول
شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ،
فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا
بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير).
|