الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

موكب الأنبياء والرسل .. وقضية الصراع بين الحق والباطل

2/7/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

 

لقد اقتضت سنة التدافع بين الحق والباطل، والصراع بين الخير والشر أن يكون للمؤمنين أعداء يتربصون بهم على مدار التاريخ ويكيدون لهم، وتكون العاقبة دائما لجند الله وأوليائه: (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) - (الرعد: من الآية17) .. (وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً) (الاسراء :81) .

والمسلمون أصحاب الحق دائما أقوياء بحقهم، بينما أعداؤهم ضعفاء بباطلهم وعدوانهم، أقوياء لأن الله معهم وما دمنا نلتزم بهذا الحق ونعمل به، وهو سبحانه القوي القاهر عليهم، لأنه عدو الظالمين والباغين والمبطلين، وهو سبحانه لا يصلح عمل المفسدين، ولذلك فنحن نرجو من الله مالا يرجون، وفي كل أدوار التاريخ وتطورات الأمم ما التقى الحق بالباطل، إلا خذل الباطل وأهله، وانتصر الحق وأهله .. يقول الحق سبحانه: (قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَى) (طـه:135).

وحين يستعيد المؤمنون أحداث التاريخ العظيم لدعوة الله ودعاتها الأبرار تجيش النفس بالذكريات وهي ترى موكب الأنبياء يحمل راية التوحيد، ويمضي في الطريق إلى الله، يحمل هموم هذه الرسالة التي خلق الله العالم من أجلها فقال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات:56) .. حين نصاحب موكب الأنبياء يزداد الأمل ويقوى الرجاء، رغم الواقع المر، والتآمر والكيد لأمة العرب والمسلمين، يقوى الأمل خاصة عند الغيورين والحريصين على مستقبل هذه الأمة، ولذلك يجب أن نتابع المسيرة وأن نعيش أحداثها، وأن نأخذ منها العبرة والعظة والدروس لواقعنا الذي نعيش فيه فنوقن بالحقائق التي تعطي الأمل بلا حساب، وتفتح أبوابه أمام المستقبل الزاهر لهذه الأمة: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) .. ولقد كان المقوم الأول لدعوة الأنبياء والرسل هو التوحيد، فهو الحقيقة الأساسية في العقيدة الإسلامية، وفي كل دين سماوي جاء من عند الله .. قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) (الانبياء:25) .. وقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (لأعراف:59) .. ويقول: (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) (لأعراف:65) .. ويقول: (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ)(لأعراف: من الآية73) .. وهكذا جميع الأنبياء والرسل دعوة واحدة إلى عبودية الله وحده.

وأن من أبعاد دعوة التوحيد، وضع الأساس للخلاص من جميع العبوديات بشتى صورها، عبودية إنسان لإنسان آخر، وعبودية شعب لشعب آخر، وعبودية الشهوات والملذات، وعبودية المطامع والأهواء، وعبودية حب الدنيا، وكراهية الموت، وعبودية الخوف على المال والنفس والولد، فالتسليم لله وحده يحفظ المسلم من كل هذه الأمراض، ويحرره من كل المعوقات، ويدفعه إلى الأمام مجاهدا عاملا غيورا على مقدسات الأمة وعزتها وكرامتها وحافظا لرسالتها في الحياة مضحيا بكل ما يملك في سبيل سيادتها، وحين نعود إلى القرآن الكريم دستور المسلمين الخالد نجده يعرض هذا الموكب في مساحات ضخمة ويشير إلى تاريخ الرسالات السماوية، وما لقيه أنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام من عنت وأذى واستهزاء، ونجد الصراع المتواصل بين الحق والباطل، وبين التوحيد والشرك، وبين الإيمان والكفر، ونجد العاقبة دائما للمؤمنين المتقين، والهلاك للمستكبرين الظالمين الباغين، يقول الحق سبحانه: (وكان حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(الروم: من الآية47) ويقول: (وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ) (الانبياء:11).. ويقول سبحانه: (وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَائِلُونَ، فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ) (لأعراف:4-5) .. ويقول سبحانه: (ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ) (يونس:103).

ونجده يحدد العوامل التي ترفع من شأن الأمم، وتقوي بنيانها، وتنهض بها حين تأخذ طريق التوحيد، وتسلم وجهها لله، وتقيم حكمه في الأرض، وكيف كانت تنهار وتفسد حين تقصر في هذه الأسباب ويسودها الظلم ويفسق المترفون فيها، وتنقسم على نفسها، ويقع بأسها بينها، وحتى لا نقع نحن فيما وقعوا فيه، ونعتبر، يحذرنا القرآن، من العاقبة التي وقع فيها هؤلاء، حتى لا ينزل بنا ما نزل بهم، فيقول الحق سبحانه لنا: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (لأنفال:53) .. ويقول: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) (الرعد:11) .. ويقول لنا: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) (الحشر: من الآية2).

قوة الإسلام:

ولقد ختمت الرسالات السماوية برسالة الإسلام الخالدة التي حملتها الأجيال المؤمنة إلى اليوم، ومن يوم نزول هذه الرسالة وأتباعها يملكون رصيدا ضخما لا يمكن أن تملكه دعوة أخرى، ويقف تحت راية الإسلام قوة الجماهير المؤمنة بربها وقرآنها، وهي تتطلع دائما إلى من يقودها باسم الله، ويضع يدها في يد رسول الله، جاء في كتاب "الإسلام قوة الغد" للرحالة الألماني بول أشميد، يعبر عن نظرة الغربيين للإسلام، يقول: "إن مقومات القوة في الشرق الإسلامي تنحصر في عوامل ثلاثة:

أولا: في قوة الإسلام كدين، وفي الاعتقاد به، وفي مثله، وفي مؤاخاته بين مختلفي الجنس واللون والثقافة.

ثانيا: في وفرة مصادر الثروة الطبيعية في رقعة الشرق الإسلامي، هذه المصادر لا تدع المسلمين في حاجة إلى أوروبا أو غيرها.

ثالثا: خصوبة النسل البشري لدى المسلمين، مما جعل قوتهم العددية قوة متزايدة"..

ثم ختم كلامه بقوله: "فإذا اجتمعت هذه القوى الثلاث فتآخى المسلمون على وحدة العقيدة، وتوحيد الله، وغطت ثرواتهم الطبيعية تزايد عددهم، كان الخطر الإسلامي خطرا منذرا بفناء أوروبا، وبسيادة عالمية في منطقة هي مركز العالم كله".

ثم يقول محرضا للغرب على المسلمين: "يجب أن يتضامن الغرب شعوبا وحكومات، ويعيدوا الحرب الصليبية في صورة أخرى ملائمة للعصر، ولكن في أسلوب نافذ حاسم".

وهذا ما يحدث اليوم في المنطقة، فالصهاينة يمرحون ويقتلون المسلمين أمام سمع الدنيا وبصرها، وأمريكا تمدهم بكل ما يملكون وتشجعهم على المزيد من العدوان، والمسلم أصبح متهما ومطاردا في كل مكان، يقول السيد عمرو موسى أمين الجامعة العربية: "العربي أصبح المتهم الأول، حتى تثبت براءته، خاصة إذا كان اسمه محمد" .. وهذا يؤكد حقيقة المعركة وأنها معركة عقيدة وإيمان ومعركة وجود، لا معركة حدود.

إن الصراع لا ينقطع بين الذين يؤمنون بالله، والذين لا يؤمنون إلا بالمادة، ومن هنا فقد وجب على الأمة التي تواجه الأزمة الخطيرة التي تطحن العرب والمسلمين اليوم أن تبحث عن وسيلة تمنع بها الإبادة والقتل، والطرد، والامتهان، يجب أن نستيقظ على وقع هذه الكوارث التي تحرك الجماد، ونبحث عن طريق ومخرج من هذه الأزمات، إننا نعيش في عصر الذئاب المسلحة والبوارج والطائرات والأعداء المتربصين، والوحوش الطامعين، فيجب أن تعود الأمة لمصدر قوتها وسر حياتها، لدينها، وعقيدتها، وأن تفتح أعينها وتعود إلى أخلاقها، وقرآنها وإسلامها.

لقد قال الله لنا بصراحة: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ)(البقرة: من الآية109) ..

وأن جميع أمنيات أعداء الله هو إعنات المسلمين وإذلالهم، قال تعالى: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ) (آل عمران: من الآية118) .. وقال: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) (القلم:9) .. وقال: (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ)(آل عمران: من الآية69) وقال: (يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ)(التوبة: من الآية8) .. ومع وضوح هذا الكيد الماحق، فإن الكثيرين من أبناء المسلمين يعيشون على هامش الحياة، نعم في هذه الظروف الشديدة الخطرة المحيطة بالأمة، كم من المسلمين يهتم بما يبيته اليهود للأمة، ويستيقظ لدفع هذا البلاء، ويسعى لنصرة أمته، كم من مسلم عربي لا يعرف شيئا عما يسمى - بروتوكلات حكماء صهيون - للأسف الشديد، وهي أخطر ما اكتشف حتى الآن من وثائق سرية ذات بنود تحمل كل معاني الدمار والفساد والرذيلة، والإنحلال للعالم بأسره، بكل أجناسه، وأديانه، لبناء مملكة الصهاينة .. إن الصهاينة قرروا وضع خطة سرية، لاستعباد العالم وتمزيقه بأبشع وأفظع ما عرفت البشرية، وبأي وسيلة لقيام الدولة اليهودية، وبسرية تامة، يجب أن يعد المسلمون أنفسهم لصراع طويل بينهم وبين الصهيونية الباغية المعتدية والمدعومة بالقوى الغربية، يجب أن ينطلق جنود الحق فإن النائم يجب أن يصحو، والجبان يتشجع، والضعيف يقوى، فإن قطرات الماء حين تتجمع من هنا وهناك، تكون سيلا قويا، لا يقف دونه حواجز ولا سدود، وآية من آيات هذا الدين العظيم، أن الشدائد تزيد المسلم قوة، وتجعله أصلب ما يكون عودا، وأعظم ما يكون رسوخا، وشموخا، خاصة حين تنزل به الأزمات، وتحيط به الأخطار ويشتد عليه الكرب، ويقل المساعد والنصير.

إن هذه القوى المذخورة في المسلمين التي انفجرت يوما وكان المسلمون في أشد حالات الضعف والتفرق والخذلان استطاعت أن تحطم الصليبيين في حطين، وتهزم التتار في عين جالوت، وأن تأسر لويس التاسع في دار ابن لقمان.

البعض ينتظر العدل من الأعداء!

حول خطاب الرئيس بوش

وأخيرا ألقى بوش خطابه، وكأن شارون هو الذي يتكلم ويتوعد ويهدد، فاللهجة غريبة، والتهديدات أغرب، تهديد للأمة العربية وتوعد للمغلوبين المعذبين في فلسطين، واتهامهم بالعدوان والإرهاب، ولابد من رحيل عرفات، واستمر في الهزل فوعد بإقامة دولة مؤقتة، وكأنها خيمة تقام فوق الرمال ثم تطوى عند اللزوم، فالأرض التي تقام عليها الدولة المؤقتة يمكن أن تصادر في أي لحظة، والرجال الذين يقيمون فوقها يمكن أن يطردوا إلى أي مكان، وأعطى الكيان الصهيوني الضوء الأخضر في الاستمرار في العدوان، ونزع الشرعية عن عرفات، واختيار البديل، وتبنى كل التصرفات والقرارات الصهيونية والشروط الصهيونية.

ونذكر ببعض الحقائق المعروفة التي ينبغي أن نستحضرها دائما حتى لا نقع في دائرة حسن الظن بهؤلاء ومنها:

أولا: أن أمريكا قد صارت القوة المنفردة بالسطوة والنفوذ على الساحة العالمية، خاصة على ساحتنا العربية والإسلامية.

ثانيا: صار من الحقائق المعروفة أيضا للجميع أن أمريكا صار لها الموقف المنحاز المعلن ضد كل حقوق وقضايا العرب والمسلمين.

ثالثا: تقف أمريكا اليوم سافرة في صف الديكتاتوريات وضد الشعوب، وتجاهر بمساندتها الكاملة للكيان الصهيوني الغاصب، المعتدي على الشعب الفلسطيني المسلم الأعزل، وضد حقه في الحرية والحياة.

رابعا: يصبح من غير المنطقي أن ينتظر البعض من أمثال هؤلاء أن يقفوا موقف العدل والإنصاف، أو فهم حقوق الشعوب وعدم الانحياز.

وما أشبه الليلة بالبارحة! خصوم اليوم هم خصوم الأمس، وهم يقومون بنفس الدور، الذي كان يقوم به أعداء الدين على عهد نزول القرآن، وقال الحق تبارك وتعالى فيهم: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:32 -33) ... ولا حول ولا قوة إلا بالله ، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.