الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

اليقظة الإسلامية ومستقبل الامة

31/7/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

 

لفت نظري في جريدة "القدس العربي" وعلى شاشات التلفاز الصور المبكية والمحزنة والمآسي المؤلمة لأبنائنا في فلسطين، وقد انقض عليهم زبانية اليهود وجردوهم من ملابسهم، وأوثقوهم بالقيود من الخلف، وتفننوا في تعذيبهم وأذاهم وإذلالهم، وكل مسلم غيور على أمته يعتصر قلبه ألما من هذه الإهانات، وإنه ليروعنا أكثر من هذه الصور، الحالة الخلقية والإنسانية المتردية والهابطة، والموات والجمود في الأمة العربية والإسلامية حكاما ومحكومين، لقد سلم العالم الغربي والولايات المتحدة، الشعب الفلسطيني لأوليائهم من اليهود ليعملوا على إبادته، واليهود حين يفعلون ذلك تحت سمعهم وبصرهم لا تحس منهم انتفاضة ضمير، أو صوت استنكار لهذه المذابح والمآسي البشعة، ولا حتى مجرد تفكير لوضع حد لهذه المجازر.

إنها لعنة للذين يذبحون ويقتلون، وللذين ينظرون إلى الجزارين صامتين، وإنها لعنة موجهة إلى الذين وضع بين أيديهم المواثيق الدولية من المنظمات المختلفة ومن الأمم المتحدة أمانة ليرعوها فأهملوها عمدا وحذفوا حقوق الإنسان وأهدروا كرامته وحياته، خاصة حين يكون المعتدى عليه عربيا مسلما. لقد نادت الحركة الإسلامية العرب والمسلمين من سبعين سنة، على المستوى الرسمي والشعبي في كل مناسبة أن يعودوا إلى الله، وأن يرجعوا إلى منهج الله، وأن يكونوا أمة واحدة تجتمع على عقيدة التوحيد، ليعمل لها الأعداء ألف حساب، ولا تصبح كلأ مباحا، ويستهين بها الأعداء البغاة ويتجرءوا عليها، وكان الدعاة إلى الله يخشون على الأمة من هذا المصير .. وللأسف فلم تستجب لهم الحكومات بل أعلنت الحرب عليهم إلى اليوم، بدل أن تقف معهم أمام اليهود وترد عدوانهم، ولو سمع المسئولون رأي التيار الإسلامي، لما استطاع اليهود ولا غيرهم أن يحكموا القبضة على فلسطين المحتلة، ولما حاولوا اقتلاع جذور الهوية العربية والإسلامية في فلسطين من هدم البيوت، والطرد من الوطن والقتل والذبح والسجن، ولما استطاعت أمريكا أن تهدد العالم خاصة العربي والإسلامي، وتتلاعب بمصيره ومستقبله، وتهدد في وضوح مستقبل وحياة المسلمين في أفغانستان وتستعمرها وتقتل كيف تشاء، وتهدد شعب العراق المسلم، وقبل ذلك يذبح المسلمون في البوسنة والهرسك، وفي كوسوفا، وفي الشيشان بأيدي أعداء الإنسانية، وأمريكا والغرب الصليبي يدعم هؤلاء ماديا وسياسيا وعسكريا دعما غير محدود.

إن القضية الكبرى التي تشغل بال العاملين في حقل الدعوة الإسلامية من يوم أن تحملوا الأمانة هي ضرورة العودة إلى شريعة الله، وأن يهيمن الإسلام على كل جوانب الحياة ، في واقع المسلمين، إيمانا ويقينا منا بأن في ذلك سعادة الناس، واستقرارهم بل وإنقاذهم، بعد إرضاء الله والاستجابة لأوامره، ونحن نواصل السير ونتحمل المشاق رغم السهام المسمومة التي ترتد إلى صدور كل من يطلقها من غير تغيير أو تبديل راجين أن نكون ممن قال الله فيهم: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً) (الأحزاب:23).

وإذا كانت هناك بعض الأقلام المأجورة الساقطة التي تكيد للإسلام ولحملته عمدا أو التي تجهل الإسلام، تحاول أن تشوه صورة الشريعة الإسلامية وتشكك في صلاحيتها وتصفها بالرجعية والجمود، أو أنها لا تتناسب مع مقتضيات العصر، فهذا جهل فاضح، وخطأ صريح، وتحامل وجور على دين الله، وظلم وافتراء، فإن الحق سبحانه وتعالى العليم بخلقه، وما فيه خيرهم وسعادتهم وأمنهم، ارتضى لهم هذا الدين عقيدة وشريعة ونظام حياة من يوم أن جهر سيد الخلق صلى الله عليه وسلم بهذا الحق، إلى يوم القيامة، ولم يجعله لفترة محدودة من الزمان، ولا لبقعة بعينها من المكان، فهو صالح لكل زمان ومكان، لأنه من لدن حكيم خبير (..... قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (المائدة:15-16).

والإسلام - بفضل الله - فيه من الشمول والاعتدال والمرونة والسعة والحلول لكل القضايا أو المشاكل سواء في داخل الأمة، أو بين الشعوب وحكامها، أو بين الدول والأقطار الإسلامية، وغير الإسلامية وهو يعالج كل الأخطاء التي تقع على الأرواح أو الأموال والأعراض، وكل الانحرافات من سرقة ورشوة، ويضع لها القوانين والعقوبات التي تمنع الفساد من أساسه، وتطهر المجتمعات من اللوثات التي تهلكها وتدمرها، كما أثبتت التجربة ذلك في المجتمعات التي طبقت الشريعة الإسلامية، وعاشت في ظلال الإسلام وقد ارتقت في درجات الكمال والسمو، والتعاون على البر والتقوى، ففي الإسلام الحلول الحاسمة لجميع الأزمات إلى يوم الدين.

المستقبل للإسلام

وكلما مرت السنون وتوالت الأحداث، ازدادت ثقتنا بهذا الطريق لتحقيق هدفنا العظيم، وهو طريق طويل وشاق، ولكن ليس هناك طريق سواه، وإننا بحمد الله نشعر أننا نتقدم خطوات على الطريق، ونقترب من النصر، رغم العوائق ورغم المحن والشدائد، وصدق الله العظيم إذ يقول: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214) .. نتقدم رغم الأكاذيب التي تتردد صباح مساء، ولا يستحيي مرددوها (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً) (الكهف: من الآية5) ويقول الحق سبحانه (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ) (الأنعام:34).

إن الطريق الذي نسير فيه، يتفق تماما مع سنن الله في التغيير، قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد: من الآية11) .. فالمطلوب نقل الفرد المسلم من محيط إلى محيط ونقل البيت المسلم والأسرة المسلمة والمجتمع المسلم، كذلك المطلوب تغيير المفاهيم والتصورات والأخلاق والهمم، بحيث تتفق مع تعاليم الإسلام وآدابه وعقيدته، ومن المعلوم أن بناء الرجال أهم وأولى وأشق من بناء المصانع والمؤسسات، ونحن بحمد الله لا نتأثر بتغير الظروف والأحوال، أو تبدل الأمور، بين سعة وتضييق، وخوف وأمن، واعتقال وتعذيب وإرهاب، فإنه رغم ذلك كله تظل قضيتنا الأساسية الكبرى قائمة لا نتخلى عنها ولا نساوم عليها، ولا نجامل أحدا على حسابها، ولا نتنازل عن جزئية منها، ونسأل الله الثبات على الأمر، يقول الحق سبحانه لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً) (الإسراء:74) .. فالتثبيت من الله وحده، وهو ما ندعو الله أن يرزقنا إياه.

ولقد وضعت العراقيل والمحن التي تعرض لها الدعاة إلى الله، ولا تزال توضع في طريق العاملين للإسلام، لتحول بينهم وبين تبليغ هذه الرسالة، وتعريف الناس بها، ودعوتهم إلى الإيمان بالله واليقين بالدار الآخرة، وتحكيم الإسلام في حياتهم، تمهيدا لإقامة نظام الإسلام في الأمة كلها، ولكن رغم كل العراقيل فالعاملون يتخطونها ويصبرون على تكاليف هذا الحق، ويواصلون جهادهم وسيرهم بالحكمة والاعتدال.

إن التيار الإسلامي المعتدل، تيار الوسطية، تيار حكيم قوي، يستمد قوته من فهمه الصحيح لدعوة الله، كما يستمدها من عقيدته التي هي نور الله، وطريقه المستقيم، ولن يطفئ نور الله بشر أو يحجبه مخلوق ضعيف عاجز، إن هذا التيار يلتزم دائما أسلوب الحكمة والموعظة الحسنة، تنفيذا لقوله تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) (النحل: 125) .. ولا خيار له إلا في اختيار هذا الأسلوب المناسب دائما للظروف، وطاعة لله عز وجل، لقد سلكه رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته من بعده، فأوصلهم إلى ما يهدفون إليه، إن تقدير المواقف لا يمكن أن يبنى على العواطف فقط، ولا على العقل فقط، لكن يتم بالمزج بينهما، في دائرة شرع الله وفق المنهج الحق.

الإسلام .. والتقدم والتطوير

إن حياة المسلمين تقوم على العمل البناء والإنتاج والكفاح، والإسلام نظام يحث أبناءه على التقدم والتطور مع مسيرة الأيام، بل مع الساعات، ففي الأثر "ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي فيه ملك يا ابن آدم أنا خلق جديد وعلى عملك شهيد فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة" وفي الحديث "لا طلعت علي شمس يوم لم أزدد فيها علما يقربني من ربي" إنه دين يدفع أبناءه دائما إلى مسابقة الزمن، ويعتبر الجمود والتوقف عن ركب الحياة خسارة وغبنا، ويعتبر التخلف عن مسيرة التنافس ولو يوما واحدا ذنبا يستحق عليه صاحبه المؤاخذة والعقاب وأن من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يومه شرهما فهو مهضوم، والمسلم يبدأ يومه من صلاة الفجر يعمل لدينه ولدنياه وأخرته ولحياته كلها، فمن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان والتخلف فحياته ومستقبله في خطر.

والمقصود من هذا : أن الفرد المسلم يجب أن يتطلع في حياته دائما إلى الأمام ويجب أن يكون تطلعه للأفضل والأسمى دائما، فإذا خطا اليوم خطوة واحدة، فإن عليه أن يخطو غدا خطوتين، وبعد غد ثلاث خطوات، وهكذا في مسيرة تصاعدية إيجابية، والأمة التي تلتزم بهذه الأخلاق لا يستطيع أحد أن يغلبها.

وليس هذا ما يريده الإسلام منا فحسب، بل يريد للأمة كلها أن تكون لها هذا التسابق مع الزمن، وأن تقطع أشواط الرقي والتقدم العلمي والحضاري بسرعة وإلى الأمام، وليس المراد من اليوم بمعنى الساعات فقط، وإنما المقصود أية مرحلة زمنية سواء كانت يوما أو أسبوعا أو شهرا أو سنة، فالأمة الإسلامية كلها يجب أن تكون في هذه السنة أفضل من سنتها السابقة، وفي سنتها القادمة أحسن من سنتها الحالية، وعليها أن تكون في القرن العشرين أكثر تقدما ورقيا من القرن التاسع عشر، وفي القرن الواحد والعشرين تصبح أفضل انطلاقا وقوة من غيره.

هذا هو مفهوم الإسلام الصحيح في التطور والتقدم الحضاري، سواء في الاختراع والبحث عن كنوز الأرض وفي الدين والدنيا، وفي العلم والعمل وفي الإيمان والجهاد والتضحية وفي التجارة والاقتصاد والزراعة والصناعة والسياسة وفي العلاقات المحلية والدولية.

وما أحوجنا اليوم أن نفكر جميعا شعوبا وحكومات -وقد أحاط الخطر بنا من كل جانب- أن نفكر تفكيرا جديا في العودة إلى مصدر عزنا وكرامتنا، وسر بقائنا وسيادتنا، نعود إلى الوحدة الإسلامية التي تجمع أمة الإسلام والتي تشكل أكبر كتلة قوية متماسكة متجانسة، تجمعها روابط العقيدة واللغة، والمنهج الرباني، والثقافة والتاريخ ، ولديها من الإمكانات والثروات الهائلة التي لو أحسن استغلالها، ترقى بالأمة وتصل إلى أعلى مستوى، وتتخلص من التقليد ومن التبعية ومن الديون وتحقيق الإكتفاء الذاتي بين دول العالم العربي والإسلامي، وتعود ثروات بلادنا على شعوبنا.

إننا نناشد الأمة الإسلامية أن تأخذ من الأزمات التي تحيط بها درسا واعيا، فتصحو من غفوتها، وتنهض من كبوتها، وتعود إلى ربها وإلى دينها وإلى قرآنها، وأن تصرّ الشعوب المؤمنة المسلمة على تحقيق الوحدة الإسلامية، فهذا هو الطريق الوحيد اليوم وغدا للإنقاذ، وهذا هو الحل الجذري، فإنه وإن استتبع وقتا وجهدا وجهادا وعرقا وكفاحا، لكنه لا طريق سواه، وسيعيننا الحق تبارك وتعالى إن أخلصنا الوجهة إليه، فالأمر كله بيده، وهو على كل شىء قدير (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69).