الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

المصالح ومستقبل الحكومات العربية

في تجاوبها مع غضبة الشعوب

 

3/6/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

  

من المعروف أن أمريكا تقف بالدعم والتأييد وراء كافة الديكتاتوريات في عالمنا العربي والإسلامي، وقد أعلن مسولوها على مختلف مستوياتهم أنهم ضد إطلاق الحريات أو اعتماد النظام الديمقراطي أو إجراء انتخابات حرة نزيهة في بلادنا العربية والإسلامية، لأن معنى هذا سقوط النظم الحليفة.

ومنذ شهور أجرت إحدى القنوات الفضائية حوارا مع مدير المخابرات الأمريكية السابق تضمن سؤالا عن الأسباب التي تدفع أمريكا لدعم النظم الديكتاتورية في عالم العرب والمسلمين ومساندتها، في تحد لمشاعر وتوجهات الشعوب، مما يؤجج الغضب الشعبي والكراهية الشعبية الجارفة إزاء أمريكا ... وكانت الإجابة أكثر من ملفتة وفي نفس الوقت أكثر من معبرة إذ قال المدير السابق للمخابرات الأمريكية: "إن أمريكا من أجل مصالحها ومن أجل سعيها لتحقيق أهدافها اضطرت إبان الحرب العالمية الثانية أن تتحالف مع أعتى القتلة، وهو جوزيف ستالين ديكتاتور الاتحاد السوفيتي السابق الذي ولغ في دماء الألوف من أبناء الشعوب التي ضمها الاتحاد السوفيتي السابق بالقهر والإرهاب".

إذا فالمصالح الأمريكية فوق أي مصالح للشعوب الأخرى وهي بالتالي فوق القيم والمثل، ولا تقيم وزنا للأخلاق وليس ثمة ما يمنع من الدفع بنظام ديكتاتوري في هذا القطر أو ذاك ليقفز على كراسي السلطة قهرا .. وإحاطته بكافة أسباب ومظاهر الدعم والتأييد ليقهر ويقمع شعبه، ويصادر حرياته وحقه في الأمن والاختيار الحر والمشاركة في القرار والمحاسبة والمراقبة من أجل تحقيق أمريكا لمصالحها وبسطها لنفوذها وسلطانها ولو كان ذلك على حساب دماء الألوف من الأبرياء أو أدى إلى حشر الألوف من المظلومين في المعتقلات والسجون أو تعليقهم على أعواد المشانق..

من أجل ذلك يصبح من الملفت والعجيب أن يطالب الرئيس الأمريكي بوش الرئيس الفلسطيني عرفات بضرورة إجراء إصلاح سياسي في السلطة يقوم على إجراء انتخابات حرة لاختيار قيادة صالحة تحارب الفساد، وتعبر بحق عن اختيار وإرادة الشعب الفلسطيني.

أيضا يصبح من الملفت ومما يدعو للدهشة أن يطالب الرئيس الأمريكي رئيس السلطة الفلسطينية بإصلاح في الأجهزة الأمنية، يؤكد توحيدها وإعادة تنظيمها ويزيل فسادها.

أمريكا لا تريد بالعرب والمسلمين خيرا

على الساحة الممتدة من المحيط إلى المحيط لا نحسب أن هناك من يصدق أن أمريكا التي تواصل تدمير شعب بأسره في أفغانستان .. وأعلنت انحيازها ضد حقوق المسلمين في تقرير مصيرهم والعيش في حرية وأمن في كشمير والشيشان، ودعمت وتدعم الكيان الصهيوني الغاصب بشتى أسلحة الدمار ليصادر حق الشعب الفلسطيني العربي المسلم في العيش آمنا وحرا في دياره وأرضه، وناصرت كافة الديكتاتوريات في عالم العرب والمسلمين لتصادر حق شعوبها في إبداء الرأي وممارسة النقد وحالت بينها وبين حقها في النهوض والتقدم وممارسة دورها الحضاري، واستخدمت كافة السبل والوسائل لإشاعة الفساد والتحلل من القيم والمثل في أقطار العرب والمسلمين .... قد صارت بين عشية وضحاها نصيرة للإصلاح على صعيد السلطة الفلسطينية، وأجهزتها الأمنية ساعية لاقتلاع جذور الفساد الذي عشش في الأجهزة الفلسطينية، حريصة على مزاولة الشعب الفلسطيني لحقه في اختيار هذه السلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

لو كان الرئيس الأمريكي حريصا بحق على أن يمارس أبناء الشعب الفلسطيني المحاصرين في مدن الضفة وقراها أو المحاصرين في غزة حقهم في اختيار ممثليهم وسلطتهم لكان قد أعلن ودعم حقهم في الأمن والحرية، ولمارس نفوذه وسلطانه من أجل رفع الحصار الصهيوني عنهم وسحب قوات الاحتلال من مدنهم وقراهم، وتفكيك المستعمرات المنتشرة بالدعم وبالسلاح الأمريكي في أراضي الضفة والقطاع لتفريغها من المستعمرين الصهاينة، ووقف المجازر الصهيونية التي يتعرضون لها بين الحين والحين، ورفع الحواجز العسكرية التي تقطع الصلات والروابط بين الأشقاء الفلسطينيين، وإنهاء شتى أشكال الإذلال والمهانة التي يمارسها الصهاينة المحتلون في بلطجة تنتهك كافة القيم والمثل وتصادر حقوق الإنسان التي تتغنى بها تقارير الخارجية الأمريكية، وتروج لها وسائل الإعلام الأمريكي، والموافقة في مجلس الأمن على وصول مراقبين دوليين لمراقبة الأحوال والأوضاع في الضفة وغزة ، والفصل بين أصحاب الأرض المغتصبة العزل الأبرياء وبين اليهود الغاصبين المدججين بالسلاح الأمريكي المدمر، والذين استولوا بدعم أمريكي غربي على أراضي 1948 ويسعون اليوم لالتهام أراضي 1967 وإغلاق ملف القضية الفلسطينية.

واضح أن بوش تحت شعار إجراء انتخابات حرة وقيام سلطة منتخبة ومحاربة الفساد، إنما يمارس مزيدا من الضغوط على سلطة الحكم الذاتي للحصول على مزيد من التنازلات التي تصب في صالح اليهود الغاصبين، أو إحداث تغييرات يتحقق من خلالها وصول عناصر بعينها إلى مواقع السلطة تنهض بتحقيق ما هو مطلوب أمريكيا ويهوديا في المرحلة الراهنة والمرحلة المقبلة، يؤكد ذلك أن الهجوم الأمريكي الذي يشنه الرئيس الأمريكي على ياسر عرفات متهما إياه بالديكتاتورية والفساد لا يوازيه أي إجراءات أمريكية أو يهودية يكون من شأنها إتاحة الفرصة للأشقاء الفلسطينيين لإجراء انتخابات حرة تتوفر لها سبل وشروط الأمن والحرية وتكفل حق وحرية الانتقال وعقد المؤتمرات وممارسة الدعاية وطرح البرامج وتسيير المسيرات.

يؤكد ذلك أيضا التركيز الأمريكي على ضرورة توحيد أجهزة الأمن الفلسطينية وقيام "تينيت" مدير المخابرات الأمريكية بالإشراف على إعادة ترتيبها وتنظيمها وتوحيدها، مع تفعيل الاتفاقات واللقاءات الأمنية مع اليهود والتي ترتب على هذه الأجهزة النهوض بدور بارز في دعم أمن الكيان الصهيوني الغاصب.

وإذا كان السفاح شارون الذي ولغ في دماء أبناء الشعب الفلسطيني واعتمد منذ قيام الكيان الصهيوني مثل كافة الصهاينة أسلوب إهدار الدم الفلسطيني سبيلا لتفريغ الأرض من أصحابها وإعدادها لقوافل اليهود القادمين من الخارج، يطالب هو الآخر بسلطة فلسطينية منتخبة لا يعشش فيها الفساد، فإنه يصبح من اليسير القول بأن السلطة الفلسطينية التي يطلبها شارون أو بوش هي سلطة يجب أن تكون في الإطار وفي الشكل الأمريكي وعلى المزاج اليهودي لتحظى بالرضا الأمريكي واليهودي ولتقمع الشعب الفلسطيني الذي يرفض الرضوخ والاستسلام ويصر على مواصلة حقه في المقاومة ثم لتبصم على ما هو مطروح أمريكيا ويهوديا في أخطر وأدق مرحلة تمر بها القضية الفلسطينية، وهي مرحلة السعي الأمريكي اليهودي المحموم، لتصفيتها وطي ملفها، يؤكد هذا الرئيس الأمريكي بنفسه حين يقول: "إن عرفات خذل شعبه، ولم يكن على المستوى، ولم يحظ بثقته، إذ أتيحت له فرص للسلام ولم ينتهزها وفرص لمحاربة الإرهاب ولم يفعل ذلك".

إنها معركة عقيدة

في ظل الضغوط الأمريكية المتواصلة على السلطة الفلسطينية وفي ظل الدعم الأمريكي السياسي والاقتصادي والعسكري والغير محدود للعدو الصهيوني الذي يواصل عدوانه الهمجي على مدن وقرى الضفة وغزة، ويحكم حصاره الخانق حولها، ويواصل تدميره وتخريبه لكافة أسباب ومظاهر الحياة فيها، ليس ثمة شك أن الأوضاع في الضفة وغزة شديدة القسوة، يضاعف من قسوتها الموقف العربي الرسمي الذي يصر على رفع شعار السلام خيارا استراتيجيا لا رجعة عنه، واعتبار العمليات الاستشهادية عنفا ضد المدنيين يجب وقفه، وعدم التجاوب مع انحياز الشعوب العربية والإسلامية للشعب الفلسطيني ومطالبتها برفع كافة القيود والحواجز أمام دعمه بكافة سبل ووسائل الدعم ليواصل انتفاضته.

إلا أنه رغم ذلك فإن هناك من الحقائق الهامة والمؤثرة ما يفتح أبواب الأمل في غد لابد آت يتم فيه بإذن الله تحرير كامل الأرض واقتلاع جذور الغاصبين، واسترداد الشعب الفلسطيني الشقيق لكامل حقوقه وتحريره لكامل أرضه من البحر إلى النهر ... ومنها:

- هذه الوقفة الصامدة الخالدة للشعب الفلسطيني والتي تجسد رفضه للاحتلال وإصراره على تحرير الديار والذود عن المسجد الأقصى المبارك والقدس الشريف واستعداده لمواصلة التضحية بالنفس وكل ما يملك لتأكيد تشبثه بأرضه مع حرصه على وحدة صفه، وعدم انزلاقه في حرب أهلية تشتت طاقاته أو تصرفه عن مسيرته، وبلوغ أهدافه، وأهم من كل ذلك أنه يصدر في وقفته وصموده عن إيمان عميق يؤكد هويته العربية والإسلامية، وفهم واضح لقضيته وإدراك صحيح لكل ما يحاك حوله.

- عودة الحياة إلى الشارع العربي والإسلامي من خلال فهم صحيح لعروبة وإسلامية القضية، والاقتناع العميق بأنها قضية عقيدة، سلاحها الرئيسي هو الإيمان الذي يدفع إلى الجهاد، والبذل والعطاء ، والتضحية بالنفس والمال، ونصرة شعب شقيق، وتحرير أرض مغتصبة والتصدي لكل المحاولات الإجرامية لتهويد القدس أو هدم الأقصى المبارك استجابة لقول الرب عز وجل: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (التوبة:41) .. وفي حركة وتحرك الشعوب العربية والإسلامية رسالة للشعب الفلسطيني لها أكثر من معنى، ومن مغزى، تؤكد أن ضمير الأمة وبالها لن يهدآ إلا حين يتحقق ويتأكد الدعم للشعب الشقيق الأبي المجاهد المحاصر، ومن خلال مشاركته في الجهاد، لإزاحة وإزالة دنس الاحتلال من أرضه، ودرء خطره عن كافة الأقطار والشعوب، وكما أنه فيهما رسالة للحكومات تعني أن أداءها وموقفها هما دون المطلوب والمأمول، وأنه لابد من تطابق مواقف الحكومات مع مواقف الشعوب لدحر العدو، وإفشال المخطط العدواني الأمريكي، فالمعركة الحقيقية ليست بين الشعوب والحكومات حين تستقيم المفاهيم ويتم تصحيح العلاقات ولكن بين الشعوب والحكومات من ناحية وبين الكيان الصهيوني الغاصب والولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى .. إنها معركة آمنت فيها الشعوب وأدركت واستجابت بالقلب والعقل والبصيرة لقول ربها: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لكم)(البقرة: من الآية216) وقوله سبحانه: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173) ومن ثم لم ترهبها تهديدات أمريكا أو إنذارات بوش، أو عزفه المتواصل على وتر الإرهاب بهدف ترويع الشعوب، أو إرهاب العرب والمسلمين.

- أن أناسا على مستوى المسئولية في عالم العرب والمسلمين بدأوا يدركون أبعاد وأخطار السياسة الأمريكية وانحيازها ضد العرب والمسلمين، وزير خارجية إحدى الدول العربية قال في تصريح له منذ أيام أن أمريكا تكذب، ولا تلتزم بالقيم أو المثل في سياستها، ولو كانت صادقة فيما تزعمه بشأن دولة فلسطينية لما عارضت في رجوع اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

- د. سليم الحص رئيس وزراء لبنان السابق أيضا قال منذ أيام "أنه لابد من وضع حد للعدوان اليهودي المتجدد المتمادي على الأشقاء الفلسطينيين، إن اليهود يدخلون بيت لحم ثم ينسحبون منها ثم يعودون إليها ويقتحمون طولكرم ويخرجون منها أو لا يخرجون، وفي هذا السياق يدمرون ويقتلون ويخربون بلا حساب وسط صمت عربي رهيب وإغضاء دولي مريب، ويكاد صوت الاحتجاج الذي يصدر عن السلطة الفلسطينية يكون خافتا، إن الدم الفلسطيني يراق مدرارا ولا من يسمع ولا من يرى، هذه المهزلة المأساة يجب أن يكون لها نهاية، إن المسئولية تقع في المقام الأول على عاتق العرب شاءوا أم أبوا، كما تقع على عاتق من يوالون الدول العظمى وخاصة أمريكا التي اختارت إدارتها أن تكون إلى جانب العدوان البربري وانتهاك القرارات والشرائع الدولية وحقوق الإنسان في وطنه".

- رئيس البعثة الفلسطينية في الأمم المتحدة قال كذلك منذ أيام: "مع الأسف الشديد لم تعد الأمم المتحدة تحتكم للقانون الدولي وأحكام الميثاق، كما لم تعد أجهزتها التنفيذية تتوخى تطبيق العدل والديمقراطية في ظل خضوعها لهيمنة أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم التي أخذت على عاتقها حماية الكيان الصهيوني .. إن الأمم المتحدة لم تعد محايدة في القضية الفلسطينية في ظل اعتمادها سياسة الكيل بمكيالين، إن أمريكا تستخدم الفيتو في مجلس الأمن والضغط وأساليب الترهيب والترغيب ضد الدول صاحبة الأصوات في المفوضية العليا لحقوق الإنسان لصياغة قرارات تتماشى مع المصالح الأمريكية، وليس أمام العرب إلا اللجوء إلى القوة الذاتية، وهي الإمكانيات البشرية والعسكرية والاقتصادية والسياسية الهائلة التي يمتلكها العرب في مواجهة التعنت اليهودي".

- تولى السفاح شارون رئاسة الوزارة في الكيان الصهيوني الغاصب في مارس 2001 وقال لليهود: "أعطوني مائة يوم وسأقضي على الانتفاضة" .. واليوم مضى أكثر من عام، ولم يستطع شارون أن يقضي على الانتفاضة، بل لقد استطاعت الانتفاضة أن تفجر انتفاضة الشعوب في كافة الأقطار في تحد للسدود والحواجز الرسمية، كما أعادت القضية إلى هويتها الإسلامية .. وعلى مستوى الشعوب سقط شعار السلام كخيار استراتيجي، ليرتفع شعار الجهاد، لتحرير كامل الأرض من البحر إلى النهر، ونحسب أنه ليس أمام الحكومات إلا أن تعدل الوجهة والاتجاه، فتتجاوب مع غضبة الشعوب، التي أكدت في إصرار انحيازها لحقوق الشعب الفلسطيني الشقيق، ودعم انتفاضته، كما أكدت على إحكام الحصار حول الكيان الصهيوني الغاصب وتفعيل مقاطعته، كخطوات أساسية ورئيسية على صعيد مواجهة حتمية معه صارت تلوح معالمها ومؤشراتها في غد لا شك آت (...وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ، بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) (الروم:4-5).