الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

أرشيف مقالات المرشد العام

عودة

   

 

صار لزاما على الحكومات أن ترفع رايات الجهاد

5/5/2002م

بقلم :

فضيلة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين 

الأستاذ مصطفى مشهور

  

بعد جولة قام بها مساعد وزير الخارجية الأمريكية بين أطلال مخيم جنين الذي تعرض لحملة صهيونية إجرامية دمرت وهدمت بيوته .. واغتالت المئات من سكانه تصفية بالرصاص أو قتلا تحت الأنقاض .. وشردت الآلاف من الأطفال والنساء ليصبحوا دون مأوى ودون طعام أو دواء، قال وليام بيرنز .. الذي رأى عشرات الجثث وقد أصابها التعفن، بعد أن رفض المجرمون اليهود السماح بمواراتها التراب: "إن ما حدث يمثل مأساة إنسانية مروعة وسبب معاناة هائلة لآلاف المدنيين الفلسطينيين الأبرياء" .. إلا أن المسؤولين في الإدارة الأمريكية على مختلف مستوياتهم لم يكفوا عن تحميل اللائمة والمسؤولية للفلسطينيين الأبرياء العزل أصحاب الديار المغتصبة، والأرض المحروقة، والذين تعرضوا ويتعرضون للمذابح الصهيونية وأقسى وأشد سبل القهر والتنكيل اليهودية إجراما.

فالإدارة الأمريكية برئاسة الرئيس الأمريكي جورج بوش وبكافة رموزها التي أعطت السفاح الصهيوني شارون الضوء الأخضر ليجتاح بجيوشه المدن والقرى الفلسطينية في الضفة، ويهلك الحرث والنسل فيها، ولا تشعر بشيء من العطف أو الخجل أو الحياء إزاء واحدة من أبشع الجرائم التي طالت أرواح المئات من الأشقاء الفلسطينيين وتسببت في تشريد الألوف وتعريضهم للكوارث والمحن، ولا تفتأ تؤكد انحيازها لليهود الغاصبين والمجرمين، وعداءها للفلسطينيين المغتصبة أرضهم .. المسفوكة دماؤهم .. المحروقة أرضهم.

فيأبى الرئيس الأمريكس إلا أن يعلن أن ما قام به اليهود المجرمون من مجازر ومذابح وأعمال هدم وتدمير وتصفية واغتيال واعتقال الآلاف من الشباب مع تعريضهم للتعذيب وتكسير الأذرع والأصابع، إنما هو من قبيل الدفاع عن النفس، وأنه يقف متضامنا مع اليهود، ويشد أزر الكيان الصهيوني في وقت المحنة الحالي وأن شارون رجل سلام!!

بل ويواصل الرئيس الأمريكي استخفافه بالعقول وتحديه للمشاعر وتجاهله للمنطق والحقائق فيقول أن الحال التي يجد الرئيس الفلسطيني عرفات نفسه عليها اليوم هي من صنع يديه وأنه قد خان الأمانة التي ائتمنه عليها شعبه وأهدر حلم الدولة الفلسطينية التي يسعى إليها الفلسطينيون، وأن على عرفات الذي أعلن إدانته للإرهاب، أن يقرن القول بالعمل وأن يؤكد بالأعمال والأفعال شجبه للإرهاب، هذا في الوقت الذي يحكم فيه اليهود الحصار المشمول بالرضا الأمريكي على عرفات.

ويطالب بوش من الحكام العرب اعتبار العمليات الاستشهادية أعمالا إرهابية، وأن الاستشهاديين قتلة، وأن عليهم إدانة الإرهاب، وإحكام الحصار حول الفلسطينيين فلا يمدونهم بمال أو طعام لأن ذلك في عرف ومفهوم الرئيس الأمريكي يعني تمويلا للإرهاب، يتناقض مع تعاونهم وتجاوبهم مع أمريكا في حربها على الإرهاب على المستوى الدولى .. أي أن الرئيس الأمريكي يطالب من الحكام العرب أن يعتبروا الجهاد نمطا من أنماط الإرهاب يجب أن يحذفوه من قواميس الأمة .. ويقتلعوه من الأذهان والعقول في الوقت الذي يجتز فيه اليهود رقاب شعب عربي مسلم، ويسلبونه حقه في الحياة والوجود فوق أرضه ووسط دياره.

ويلمح بوش بالتهديد والوعيد .. فيخاطب العرب بصيغة الأمر ويحدد دولا عربية بالاسم، حين يطالبها بأن تفعل المزيد من أجل مكافحة الإرهاب، أي الانتفاضة الفلسطينية وما يقوم به الشعب الفلسطيني من مقاومة هي أكثر من متواضعة في مواجهة المجازر والمذابح والحصار الخانق والقصف المتواصل بشتى أسلحة الهلاك الأمريكية.

ويوجه بوش خطابه بالاسم لمصر والسعودية والأردن حين يقول أن على كل الدول العربية أن تتحمل مسؤوليتها وأن على المصريين والسعوديين والأردنيين الذين ساعدوا في الحرب الأوسع ضد الإرهاب أن يتعاونوا في مكافحة الإرهاب بالمنطقة، وأن يتحملوا مسؤوليتهم في وقف تمويل الإرهاب أو التحريض عليه، وأن يقولوا بوضوح أن القاتل ليس شهيدا وأن من يفجر نفسه ذكرا أو أنثى هو مجرد قاتل.

وإذا كان بوش قد أعلن أنه يتفهم ما يقوم به اليهود وهو لا يتجاوز الدفاع عن النفس، وإذا كان تشيني نائب بوش قد أعلن أن من حق السفاح شارون أن يستخدم كل الأسلحة والسبل والوسائل في الدفاع عن شعبه فإن باول وزير خارجية بوش طالب عرفات بالتوقف عن المماطلة في إعلانه الحرب على الإرهاب وأن يقرر كما قرر بقية العالم أن الإرهاب يجب أن ينتهي، ولم ينسى باول أن يشير إلى خيبة أمل أمريكا فى عرفات..

وعلى مدى أكثر من عام ونصف والولايات المتحدة الأمريكية تعارض عن طريق حق الفيتو إرسال مراقبين دوليين للضفة الغربية وغزة لتوفير الأمن للفلسطينيين، كما حالت دون اتخاذ المجلس لقرار في مواجهة الاجتياح اليهودي لمدن الضفة، أو قرار يؤكد على انسحاب جيش الاحتلال اليهودي من هذه المدن، أو قرار بتشكيل لجنة تحقيق في الأعمال الوحشية التي قام بها اليهود في حق الفلسطينيين .. بل كان الإصرار الأمريكي على ألا تتعدى مهمة اللجنة التي أقرها المجلس تقصي الحقائق، حتى تتاح للكيان الصهيوني رفض تقريرها إذا كانت له عليه اعتراضات.

سياسة تفريغ الأرض

الاجتياح اليهودي الوحشي للمدن الفلسطينية، وتدميره لكافة مظاهر وأسباب الحياة، وتصفيته للشباب بالقتل والاعتقال والتعذيب، واعتماد سياسة الأرض المحروقة إنما يعني تطبيق اليهود لسياسة إخلاء الأرض من أصحابها، كخطوة على صعيد ابتلاع كل الأراضي الفلسطينية وتصفية القضية.

وهذا مخطط يهودي لم يتراجع عنه اليهود منذ أن أقروه في بازل 1897 إلى قيام الكيان سنة 1948 وحتى اليوم، وما حدث ويحدث اليوم في جنين ونابلس وطولكرم ورام الله ومدن الضفة الغربية هو نموذج متكرر لما حدث في دير ياسين والمدن والقرى الفلسطينية منذ خمسين عاما.

محاضر جلسات أول حكومة للكيان الصهيوني الغاصب في 1948 برئاسة الصهيوني بن غوريون كان من أول القرارات التي سجلتها قرار أكد على طرد العرب من أرضهم ورفض عودة 700 ألف لاجيء فلسطيني إلى ديارهم بعد أن تم طردهم منها، كما تسجل الحقائق أن العصابات اليهودية قد لجأت إلى الإرهاب والاغتصاب والقتل كأساليب لتطبيق سياسة التهجير والطرد الجماعي للشعب الفلسطيني تطبيقا لمبادئ الصهيونية التي تعتمد إخلاء الأراضي الفلسطينية من العرب لتسكين المهاجرين اليهود فيها، وللسفاح شارون سجله الإجرامي في تدمير القرى والمدن الفلسطينية وقتل سكانها العرب منذ توجه بقواته في أكتوبر 1953 لتدمير قرية قبيه وإصداره أوامره للجنود بإبادة كافة سكانها وهدم كل منازلها .. إلى أن ولغت يداه في دماء الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، حتى قاد حملة التصفية والدمار لمخيم جنين، ومدن الضفة الغربية، في إطار السياسة الصهيونية التي تقوم على مبدأ طرد أو تصفية العرب وتدمير وهدم قراهم ومدنهم وإحلال اليهود مكانهم، الأمر الذي أدى إلى أن يعيش ربع مليون يهودي في مستعمرات يهودية أقيمت على أنقاض قرى ومدن عربية في الضفة وغزة بعد سقوطهما في يد الصهاينة في كارثة 1967، وذلك على حساب مليون عربي تم طردهم.

ثمة ملاحظة صارت تفرض نفسها، تتمثل في ذلك التبجح الصهيوني في اقتلاع أصول وجذور العرب أصحاب الأرض والديار والاستيلاء عليها، والذي يقابله غضب ورفض شعبي فلسطيني، ولكنه لا يحظى من العرب حول فلسطين إلا بالتخاذل والتقاعس، رغم أن الامتداد والتوسع الصهيوني وفقا لمرتكزات الصهيونية العقيدية أكد بالقول والعمل أنه ماض في طريقه، بعد ابتلاع كل فلسطين، ليبتلع كل ما حول فلسطين.

من يتأمل بالفكر والدراسة هذا الواقع المأساوي، ستواجهه الحقائق أكثر من جلية ناصعة، فالعدو الصهيوني قد التزم عقيدة رغم مسارها وما فيها من باطل وتحريف، إلا أنها وفرت له الطاقة ويسرت له الإمكانات، وأمدته بأسلحة البذل والعطاء.

كما أن الكيان الصهيوني الغاصب قد اعتمد مبدأ المشاركة والحرية، والتزام القانون على مستوى اليهود الذين يعيشون في إطاره، وتحرك على المستوى الخارجي ليحظى بالدعم والتأييد الأمريكي والأوروبي وهو يبذل أقصى جهوده على كافة الساحات السياسية والإعلامية والاقتصادية، وذلك في مواجهة أقطار عربية انشغلت حكوماتها بالحفاظ على كراسي السلطة على حساب حرية وأمن شعوبها، وصادرت حقها في المشاركة كما نحت الهوية والأصالة لتعتمد المستورد من الفكر والمذاهب، وغفلت أو بعدت عن المعتقد الصحيح الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والذي يمثل معين التضحية والعطاء الذي لا ينضب ويوفر طاقات وإمكانات الجهاد المفروض والمطلوب لردع العدوان، واجتثاث جذور العدو، وتحرير كامل الأرض من البحر إلى النهر، ويمضي بالأمة على طريق العدالة والحرية والأمن والعلم والمساواة، والوحدة والترابط، ومن ثم تمثلت النتيجة المؤسفة في الحال المأساوي الذي وصلت إليه أحوالنا وأوضاعنا كما تمثلت في الفجوة الواسعة التي تفصل بين الحكومات والخلافات التي تفت في عضدها، والجفوة العميقة التي تباعد بينها وبين شعوبها، في وقت يهدد الخطر الداهم مصير ووجود الجميع، حكاما ومحكومين ..

الأمة أمام موقف تاريخي

إن الأمة أمام موقف تاريخي مصيري، وهي تواجه أخطارا تهدد وجودها ومصيرها، تفرض على الحكام في المقام الأول تصحيح السياسات والتوجهات والعلاقات، ولقد طالبنا وسنظل نطالب بإعادة ترتيب البيت العربي على المستوى القطري وعلى المستوى القومي، وهو أمر يحتم إزالة الخلافات بين النظم الحاكمة وإزالة الجفوة بينها وبين شعوبها، ومنطق الحقائق ومنطق المصلحة العامة يؤكدان أن الخطوات الأولى على هذا الصعيد تتمثل في إطلاق حرية الإنسان العربي .. وتأكيد الأمن له .. والاعتراف بحقه في المشاركة .. ووقف سياسة الإقصاء والنفي للآخر .. ونبذ سياسة وأسلوب إقامة المحاكمات الاستثنائية لأصحاب الرأي والفكر والخبرة والعلم .. وإلغاء ترسانات القوانين الشاذة التي صارت تكبل حركة الأمة وتعوق مسيرتها .. وتوتر العلاقة بينها وبين حكامها بما يفرق الصف ويشتت الجهد في وقت الأمة أحوج ما تكون فيه إلى وحدة صفها وكلمتها، ولا يتحقق ذلك ولا يتأكد إلا بالاحتكام لشرع الله .. والعودة إلى العيش في ظل وأجواء عاشها السلف الصالح مع فطم الأجيال من خلال كافة برامج الإعلام والثقافة على كراهية الكيان الصهيوني الغاصب .. وضرورة اجتثاث جذوره وتعميق الرؤية الإسلامية للقضية الفلسطينية وكافة قضايا الأمة، والتي تعتمد الجهاد والاستشهاد .. والتضحية بالمال والنفس .. السبيل لتحرير كامل الأرض والثأر للعرض، وإقامة دعائم السلام العادل الصحيح في ربوع وطننا الكبير ..(إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )(الرعد: الآية11) .. وسياسة التغيير تفرض على الحكام أن ينهجوا نهج من سبقوهم من الحكام والقادة الذين حرروا القدس، ودحروا التتار والصليبيين، ووفروا الأمن والأمان والحرية لأمتهم فشاركتهم ودعمت مسيرة جهادهم، وقدمت ألوف الشهداء لتحرير أرضها.

إن الأمة تنتظر من حكامها أن ينتهجوا مسيرة قطز .. وصلاح الدين .. وأن يهبوا لنصرة الشعب الفلسطيني، بكل ما تملك الأمة من إمكانات وثروات، وأن يضعوا السفاح شارون في موضع العدو الغاصب الذي يجب أن يواجه بحزم وحد السيوف، وأن يضعوا أمريكا في موضع القوة العالمية التي تدعم عدونا، وتعادي حقوقنا وتبذل كافة جهودها وتحشد كافة قواها وإمكاناتها لإحكام سيطرتها ونفوذها على أوطاننا، وفرض كافة قيمها وأساليب الحياة فيها على أقطارنا.

لقد آن الأوان أن نكف عن مناشدة المجتمع الدولي أن يوفر لنا الحماية والأمن .. ونحن متقاعسون، وعن مطالبة أمريكا بالضغط على عدونا الصهيوني وهي التي تقف موقف العداء، وتدعم بكافة طاقاتها عدونا للإجهاز على وجودنا ..

آن الأوان أن نعتمد العمل المؤسستي الذي ينهض على علم وخبرة خبراء الاستراتيجية والسياسة والاقتصاد لإمعان النظر والبحث في مدى فاعلية البترول وكافة الموارد كأسلحة في معركة المصير التي صارت تفرض نفسها على أمتنا.

آن الأوان لإعادة تشكيل مناهجنا التعليمية وتسخير إمبراطوريات إعلامنا الرسمي لتتفرغ لخدمة قضايانا، وتأخذ بأيدي أجيالنا مضيا على طريق التنشئة والإعداد الصحيح، طريق التغيير إلى الحق والصواب، وما فيه صالح الأمة وما يعينها على أداء دورها.

إن الشعوب تنتظر من محطات الإذاعة والتلفاز والفضائيات ودور العلم والتعليم أن تنبعث منها نداءات وشعارات الإيمان، والعمل والأخوة والوحدة والجهاد وقيم البذل والعطاء والتضحية، ونصرة المستغيث والذود عن الإسلام، والتصدي لكافة أشكال العدوان، امتثالا لما جاء في قرآنها: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (آل عمران: الآية110) .. وامتثالا لقول ربها: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ ) (الحج: من الآية78) .. (والَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) (العنكبوت:69) .. (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة:111).