|
لعله
صار من الواضح لكل زى بصيرة أن الكيان
الصهيونى الغاصب إنما يسعى بشكل
محموم للانتهاء من ابتلاع الضفة وغزة
، لتأكيد سيطرته وهيمنته على كل
فلسطين ، ليتفرغ لإتمام المرحلة
الثانية من مراحل توسعه وهيمنته ،
وسيطرة على ما هو حول فلسطين ، وليست
المفاوضات والمباحثات والمعاهدات
والاتفاقيات والحصار والقصف والجيوش
، إلا وسائل من أجل تحقيق الأهداف
والوصول إلى الغايات .
إن
اتفاقية ميتشل التى يتمسكون بها إنما
تطلب من الفلسطينيين أصحاب الأرض
إيقاف العنف كشرط ليتوقف العنف من
جانب الصهاينة ، وهذا مطلب غير واقعى
، فالعدو الصهيونى محتل ومستعمر (مستخرب)
ويقوم بعملية إبادة لكل ما فوق الأرض
المحتلة من بشر وأشياء وشجر، فلا يمكن
أن يطلب من الفلسطينيين السكوت
والاستسلام لهذا العدوان الظالم،
ولابد أن يدافعوا عن أرضهم وعرضهم ما
استطاعوا إلى ذلك سبيلا .
فالانتفاضة
رد فعل طبيعى من جهة الفلسطينيين
وواجب العرب والمسلمين دعمهم
ومعاونتهم ، والنتيجة المتوقعة –
بمشيئة الله تعالى – هى هجرة معاكسة
للإسرائيليين فرارا من الموت لأنهم
أحرص الناس على حياة ، وليعلم الجميع
أن عداء الصهيونية الآثمة ومن
يعاونها هو عداء ضد الإسلام ، دين
الله الحق ، فالقضية قضية وجود لا
قضية حدود ، والله غالب على أمره ولكن
أكثر الناس لا يعلمون .
والخطة
الصهيونية التى بدأت فى الضفة وغزة فى
أعقاب كارثة 1967 والممتدة حتى اليوم
والمتمثلة فى نشر المستعمرات، وإنشاء
الطرق الالتفافية وإقامة الحواجز
العسكرية ، وإعادة نشر جيش الاحتلال ،
بخروجه من داخل المدن إلى تمركزه حول
المدن ، إضافة إلى تأكيد تمزيق الضفة
وغزة فى إطار برنامج مدروس ومتبع يقطع
أوصال الأرض والمجتمع ، ويجعل من
الشعب الفلسطينى تجمعات سكانية
منعزلة ومحاصرة فى حين يتحقق
للمستعمرات الاتصال والتشابك
والارتباط ، هى خطة بقدر ما تسعى
لمصادرة أى مقومات لدولة أو دويلة
فلسطينية فإنها فى النهاية تسعى
لتعميق جذور الاستعمار الصهيونى ،
وتؤكد فى النهاية على احتلال وابتلاع
كل الأرض الفلسطينية ، وحسب اللجنة
الفلسطينية للدفاع عن الأرض فهناك
الآن 190 مستعمرة منتشرة فى الضفة وغزة
، تؤكد السيطرة على مصادر المياه
وتخدم أهداف الاحتلال، إضافة إلى 25
بؤرة استعمارية تم إنشاؤها منذ بداية
وصول المجرم شارون إلى رئاسة الوزراء
فى الكيان الصهيونى الغاصب .
الانتفاضة
الفلسطينية الباسلة والممتدة على مدى
تسعة شهور وتوشك دخولها شهرها العاشر
، تحول دون تحقيق الكيان الصهيونى
الغاصب لأهدافه وغاياته ، فهى تؤكد
هوية الضفة وغزة ، وهى خطوة فى نفس
الوقت لتأكيد هوية أراضى 1948، وهى كذلك
تحول دون ابتلاع الضفة وغزة ، من خلال
التصدى فى صبر وجلد وتحمل للقصف
والحصار والتشبث بالأرض والديار ،
كما أنها فى نفس الوقت تعوق سعى
الكيان الصهيونى لتحقيق الامتداد
والنفوذ فيما هو حول فلسطين، وذلك
يعنى بالطبع تأكيد الحفاظ على الهوية
، ومن ثم فالانتفاضة تنهض بدورها
الفلسطينى ودورها العربى والإسلامى ،
ومن أجل هذا يسعى الكيان الصهيونى
الغاصب والولايات المتحدة الأمريكية
لوأد الانتفاضة ، ولا يفتأ الصهاينة
والأمريكيون يرددون وصفها بالعنف
والإرهاب وضرورة وقف العنف والإرهاب
كشرط لإعادة النظر فى أمر الحصار ،
والقصف وحمامات الدم والمجازر التى
يجرى نصبها لتصفية الشعب الفلسطينى ،
كسبيل لعودة المباحثات وجولات
التفاوض .
يلفت
النظر والذهن أن الكيان الصهيونى
يملك شتى أنواع أسلحة الإبادة
الأمريكية الصنع ، ويتواصل دعم
أمريكا له ، بينما الشعب الفلسطينى قد
جرد من كافة الأسلحة .
يلفت
النظر والذهن أيضا أن الانتفاضة
متواصلة ومستمرة على مدى تسعة شهور
تحيط بها ظروف وأجواء بالغة القسوة
والصعوبة :
ويأتى
الموقف السلبى للحكومات العربية
والإسلامية من الانتفاضة على راس
الصعوبات والمشاكل التى تواجه
الانتفاضة، ويكفى أن القمة العربية
فى أكتوبر 2000 ثم فى مارس 2001 أكدت على
مجموعة من القرارات جاء فى مقدمتها
ضرورة دعم الانتفاضة ودعم القدس من
خلال إنشاء صندوقين تساهم الدول
العربية فى تمويلهما ، ورغم ذلك فإنه
بعد تسعة أشهر من عمر الانتفاضة ،
وظروف وأجواء الحصار الخانق المحكم
حول المدن والقرى الفلسطينية ، فإن
دولا عربية لم تنهض بمسئولياتها إزاء
الدعم المطلوب ، كما أن أموال الدعم
لم تصل إلى المحاصرين .
كما
أن القمة الإسلامية التى عقدت فى قطر
لم يتمخض عنها سوى بيانات الشجب
والاستنكار وتشكيل الوفود للدعاية
للقضية وإقناع القوى الدولية
بالعدالة ودعم الحقوق العربية .
وفى
ظل هذه الظروف القاسية، وتقصير
الحكومات العربية والإسلامية يبعث
عرفات فى الثلاثين من يونيو الماضى
برسالة لأمين عام الجامعة العربية
يسأله استنهاض همم الدول العربية
وتحفيزها على دفع نصيبها فى صندوقى
دعم القدس والانتفاضة، ولا يجد مفرا
من الإعلان عن المشاق والصعوبات
الحياتية التى يعيشها الأشقاء
الفلسطينيون المحاصرون فى الضفة وغزة
فيقول أنهم يواجهون قسوة الجوع
والحرمان داخل الحصار الخانق الذى
يفرضه عليهم اليهود، وحتى حرمانهم من
العلاج.
أيضا
يشكل الموقف الأمريكى المنحاز إلى
ابعد الحدود للكيان الصهيونى ضد
الشعب الفلسطينى صاحب الديار والأرض
المصادرة ، إضافة إلى الحصار السياسى
الأمريكى المفروض على القضية
الفلسطينية والمدعوم بأسباب القوة
وآلة الحرب الأمريكية ضغوطا حياتية
أكثر من خطيرة على الشعب الفلسطينى
الأعزل ، فإلى جانب الدعم الأمريكى
غير المحدود للكيان الصهيونى ،
عسكريا وسياسيا واقتصاديا ، وإطلاق
أيدى اليهود فى ممارسة حرب إجرامية ضد
الأشقاء الفلسطينيين تهدف إلى
تصفيتهم أو دفعهم للهجرة من أرضهم ،
فإنها تحول دون صدور أى قرار من
الهيئات الدولية بإرسال مراقبين
دوليين كخطوة لتوفير بعض الأمن لشعب
أعزل محاصر ، يواجه الإبادة والتصفية
.
كما
أنه فى ظل التقاعس العربى ، والانحياز
الأمريكى السافر لليهود والهيمنة
الأمريكية على المنظمات الدولية
يواصل الكيان الصهيونى مجازره
ومذابحه ، ضد الشعب الفلسطينى فى
الضفة وغزة ، دون وازع من ضمير ، أو
أدنى مراعاة للقيم الإنسانية ،
فإضافة إلى حرب التصفية وإزهاق
الأرواح وإسالة الدماء يجرى اليهود
حرب إبادة ضد كافة مظاهر الحياة فى
الضفة وغزة ، فيحرقون المزارع
ويقتلعون الأشجار ، لتجفيف كافة
منابع وأسباب الحياة سعيا لإهلاك
الشعب الفلسطينى بالجوع والعطش
والمرض ، أو دفعه قهرا للهجرة وترك
الأرض والديار .
الانتفاضة
علامة على الأصالة والهوية
من
أجل ذلك تبقى الانتفاضة أملا وعلامة
على صمود شعب عربى مسلم وتشبثه بأرضه
ودياره وإصراره على موقفه العادل ،
كما تبقى فى نفس الوقت علامة على صمود
أمة عربية مسلمة ورفضها للاستسلام
ورفعها لرايات الجهاد والتضحية
ودفعها ومواصلة ضغوطها على حكوماتها
لتعديل المواقف ونبذ سياسة التراجع ،
وحشد كافة الإمكانات والطاقات لدعم
الشعب الفلسطينى ، والوقوف إلى جانبه
بالقول والعمل .
إن
تجسيد الانتفاضة الفلسطينية الباسلة
لوحدة الشعب الفلسطينى ورفعها لرايات
الجهاد ، وتأكيدها من خلال العمليات
الإستشهادية على عظيم الاستعداد
للتضحية بالأرواح والدماء ، والمال
والبنين ، هو فى نفس الوقت تجسيد لحرص
الشعوب العربية والإسلامية على
الوحدة ، وإصرارها على الجهاد سبيلا
لتحرير كامل الأرض والديار ، واقتلاع
جذور الكيان الصهيونى الغاصب .
من
أجل ذلك كانت المحاولات المحمومة
الأمريكية واليهودية لوأد الانتفاضة
وتفريغ طاقات الجهاد والتضحية ، على
الأرض الفلسطينية ، وعلى صعيد الشعب
الفلسطينى ، وأيضا كانت المحاولات
المحمومة لتفريغ طاقات الجهاد ،
والتضحية على صعيد الشعوب الإسلامية
، وممارسة كافة الضغوط لوأد أو وقف
انحيازها ودعمها للشعب الفلسطينى
العربى المسلم الشقيق .
من
أجل ذلك فلا عجب ولا غرابة حين يواكب
الحصار الصهيونى الخانق والمفروض على
الضفة وغزة والمصحوب بقصف إجرامى
بكافة أشكال السلاح الأمريكى والذى
يحظى بدعم واشنطن ، حصار آخر مفروض
على الشعوب العربية والإسلامية،
إضافة إلى عديد من الإجراءات القهرية
والممارسات القمعية التى تستهدف
الإسلام ودعاته على الخريطة الممتدة
من المحيط إلى المحيط .
من
المعروف أن الشعوب العربية
والإسلامية حريصة غاية الحرص على
الوحدة ساعية فى إخلاص وإيمان لتحقيق
هذه الوحدة ، متمسكة أشد التمسك
بشريعة ربها ، منحازة تمام الانحياز
لإسلامها ودعاته، وأنهم لن يتخلوا عن
دينهم مهما كانت الضغوط .
إلا
أنه على الصعيد الرسمى هناك
الخلافات والصراعات والتقاعس الذى
يحول دون تنفيذ القرارات التى تجسد
هذه الوحدة ، ويحول دون تحويل الآمال
والأمانى والرغبات والإرادات إلى
حقيقة على أرض الواقع العربى
والإسلامى .
من
المعروف أيضا أن الشعوب العربية
والإسلامية حريصة على العيش فى أجواء
الحرية ، وتأكيد حقها فى المشاركة
وإصدار القرار ، إلا أنه على المستوى
الرسمى تجرى مصادرة الحريات ، كما
يجرى تهميش الشعوب ويحال بينها وبين
ممارسة دورها فى المشاركة ، واختيار
ممثليها ومسئوليها ومحاسبتهم أمام
مجالس نيابية تعبر عن ضمير وإرادة
الأمة .
من
المعروف كذلك أن كافة الشعوب العربية
والإسلامية قد هبت ثائرة ضد
الممارسات الصهيونية فى الضفة وغزة ،
وضد الوجود الصهيونى الغاصب فى
الأراضى الفلسطينية التى جرى
احتلالها فى 1948 ، وأعلنت وطالبت
بضرورة دعم الشعب الفلسطينى ، وفتح
كافة الحدود والجبهات حتى يصل إليه
الدعم بشتى أشكاله ، تأكيدا لعلاقات
وروابط الأخوة ، ونهوضا بواجب الجهاد
الذى جعله الله فرض عين على كل مسلم
ومسلمة .
إلا
أنه على المستوى الرسمى العربى
والإسلامى ، يحال بين الشعوب ومجرد
الإعلان عن دعمها وتأييدها للشعب
الفلسطينى ، ولا يستجاب لمطالبها ،
بدعم الأشقاء المحاصرين ، الذين تجرى
إبادتهم وتصفيتهم .
وفى
هذا الإطار، وفى هذا المناخ يجرى حشد
أكثر من ثمانين ليبيا من ألمع وأنجب
أبناء الشعب الليبى أمام محكمة
استثنائية بعد 4 سنوات من التعذيب فى
غياهب السجون الليبية بتهمة الانتماء
لجماعة الإخوان المسلمين .
المؤسف
والمحزن أن الشعب الليبى الشقيق
والشعوب العربية الإسلامية الشقيقة
هى التى تدفع الثمن غاليا من وراء
تغييب هذه الكوكبة من أساتذة
الجامعات والأطباء والمتخصصين فى
ليبيا وغير ليبيا وراء جدران السجون
والمعتقلات ، وتعريضهم للبطش والهلاك
، ثم لإصدار أحكام الإعدام ، فى وقت
تحتاج الأمة فيه لكافة العقول
المتميزة ، ولكافة التخصصات النادرة
، كما يحتاج الشعب الفلسطينى الأعزل
المحاصر لدعمهم، ووقوفهم إلى جانبه .
فى
هذا الإطار أيضا يطلع علينا نفر من
أهل السودان ونفر من بنى العرب ،
يطالبون بالفصل بين الدين والدولة
لأن هناك فى القطر الشقيق تلويح
برايات الإسلام ومحاولة للربط بين
الدين والدولة ، الأمر الذى يثير
حفيظة جرانج والقوى التى تقف خلف
جرانج وعلى رأسها الولايات المتحدة
الأمريكية .
إن
الحرب الأمريكية اليهودية المعلنة ضد
الانتفاضة الفلسطينية الباسلة ،
لأنها وحدت الشعب الفلسطينى، وعبرت
عن هويته والتزمت أصالته ورفعت رايات
الجهاد ، تواكبها حرب على الإسلام
ودعاته ، فى كثير من أقطار العرب
والمسلمين للحيلولة بينها وبين
الوحدة ، وبينها وبين دعمها للشعب
الشقيق الفلسطينى ، وأيضا للحيلولة
بينها وبين رفعها لرايات الجهاد،
وسعيها لتطبيق شريعة ربها .
وإذا
كان صمود وثبات أصحاب الانتفاضة
العزل المحاصرين فى الضفة وغزة هو
عنوان لصمود وثبات الشعب الفلسطينى
فى كل فلسطين ، وخارج فلسطين ، فإن
صمود وثبات الشعوب العربية
والإسلامية ، وإصرارها على إسلامها
العقيدة والشريعة ونظام الحياة ،
يفتح الأبواب واسعة أمام الآمال
العريضة ، فى تحقيق النصر والانتصار ،
والعزة والتمكين ، أمام شعوب تدرك
وتلتزم فى إيمان عميق قول ربها العلى
القدير : "إن تنصروا الله ينصركم
ويثبت أقدامكم"
|