|
لم يعد
خافيا أن اليهود – بدعم من الولايات المتحدة الأمريكية
يلتزمون سياسة تسعى لإهلاك أو تدمير
الشعب الفلسطينى أو دفعه للهجرة خارج
دياره ، وصولا لتفريغ أرضه من وجوده ،
ثم تعميق جذور الاحتلال فيها ، وإغلاق
ملف القضية الفلسطينية .
ولجأ ويلجأ
اليهود إلى كافة السبل والوسائل
وصولا لتحقيق أهدافهم من خلال
التفاوض وعبر الاتفاقيات حتى كانت
مباحثات كامب ديفيد تحت رعاية الرئيس
الأمريكى السابق حيث أسفر اليهود عن
الأطماع وأبانوا عن الخفايا ، حين
أكدوا أنه القدس وفيها الأقصى .. قبلة
المسلمين الأولى عاصمة موحدة أبدية
يهودية ، وأن المستوطنات فى الضفة
وغزة أراض يهودية ، ماض فيها التوسع
والانتشار ، أما السلطة الفلسطينية
فلا تعدو فى مهامها إطار الحكم المحلى
، وأولى مهامها الحفاظ على أمن الكيان
الصهيونى .
وحين كان
الرفض الفلسطينى لما عرضه اليهود
وتبناه الأمريكيون فى كامب ديفيد ،
كان الحصار اليهودى للضفة وغزة،
والقصف الوحشى بكافة أنواع الأسلحة
الأمريكية للشعب الفلسطينى الأعزل ،
حتى يركع ويستسلم .
وحين واجه
الأشقاء الفلسطينيون الحصار والقصف
بانتفاضة شعبية أكدت رفض الاحتلال ،
والإصرار على قيام دولة عاصمتها
القدس ، وأظهروا بل وأكدوا الاستعداد
العظيم للتضحية بالنفس والروح ،
وقدموا على درب الجهاد وعلى مدى
ثمانية شهور ستمائة شهيد ، وأكثر من
خمسة وعشرين ألف جريح ، دون أن تلين
لهم قناة أو يهن لهم عزم ضاعف الكيان
الصهيونى من ممارساته الإجرامية
وعدوانه الوحشى الغاشم ليطال الأطفال
والنساء والشباب الأمر الذى أدى إلى
إقدام الشباب الفلسطينى على القيام
بعمليات استشهادية لعل العدو
الصهيونى وهو يتجرع من نفس الكأس ،
يدرك أبعاد ممارساته الوحشية فى حق
الشعب الفلسطينى .
ومن أعظم
الإنجازات التى حققتها الانتفاضة
الباسلة ، أنها وحدت كافة الفصائل
والقوى الفلسطينية فى مواجهة العدو
الصهيونى ، ووقف الجميع اليوم جنبا
إلى جنب فى مواجهة جيش الاحتلال، كما
أنها أفشلت كافة المخططات التى كان
الكيان الصهيونى وأمريكا يسعيان
لتحقيقها حيث التقى الفلسطينيون على
حتمية رحيل الاحتلال ، وحتمية
الاستقلال واسترداد القدس وتفكيك
المستوطنات كخطوة ، لتحرير كامل
الأرض .
العملية
الاستشهادية الأخيرة بقدر ما بثت
الرعب فى قلوب اليهود الغاصبين فإنها
دفعتهم ومعهم الأمريكيون والدول
الأوربية لحشد الجهود لوقف فورى
للانتفاضة خاصة وقد باءت كل
الممارسات التى بذلتها أمريكا
والصهاينة على مدى الشهور الثمانية
بالفشل ، ومن ثم كانت التهديدات
الصهيونية المصحوبة بالإنذار بتوسيع
وتركيز الضربات الانتقامية ، مع
اتهام سلطة الحكم الذاتى بالإرهاب
ودعم الإرهابيين ، ووضعها فى خانة
الممارسين للإرهاب المشجعين على
العنف ، كما كانت التهديدات
الأمريكية بقطع الاتصالات ، ووقف
المعونات وحض الخلفاء على وقف أى دعم
لها .
لقد غضت
أمريكا البصر عن ستمائة شهيد فلسطينى
راحوا ضحية القصف الصهيونى الغاشم
دون جريرة ارتكبوها ، وأقامت الدنيا
ولم تقعدها حين دفع الغضب شابا
فلسطينيا فثأر لأرواح ودماء مئات
الشهداء وألوف الجرحى والمعوقين ،
وكأن لسان الانحياز الأمريكى الجارف
لإسرائيل يقول إن قتل شعب فلسطينى
بأسره مسألة لا تستحق النظر ، أما قتل
صهيونى فى ثأر فمسألة لا تغتفر ، وإن
كان ليس ثمة عجب فقد سارع الرئيس
الأمريكى بوش بإصدار بيان شديد
اللهجة فور وقوع الحادث يدين فيه
الفلسطينيين ويصف العملية بأنها هجوم
إرهابى حاقد ويتوعد عرفات طالبا منه
إدانة العملية وإعلان الوقف الفورى
لإطلاق النار ، ثم يسارع بالاتصال
بالسفاح الصهيونى شارون تليفونيا
معلنا عن غضبه واستيائه وتقززه
وليبلغه "أنه يتفهم الرد
الإسرائيلى الحازم والعاقل والمحدود
على عملية تل أبيب" الأمر الذى
اعتبره اليهود الغاصبون ضوءا أخضر
لشن عدوان أوسع وأشرس على الشعب
الفلسطينى الأعزل ، فصدرت قرارات
السفاح شارون ومجلس وزرائه الأمنى
بإحكام الحصار حول مدن وقرى الضفة
وغزة مع عزلها عن بعضها البعض مع
الإعداد لرد عسكرى غير عادى هو بمثابة
عمليات موجعة لم يسبق استخدامها
وتعزيز جيش الاحتلال فى الضفة وغزة
وحولهما وعزل سلطة الحكم الذاتى
وعرفات واتهامه بالمشاركة فى
العمليات الإرهابية وإدارتها
ومعرفته بالعمليات الاستشهادية
ودعمه لها، مع التنسيق التام مع
الإدارة الأمريكية حتى توفر للعدو
الصهيونى الغطاء العالمى الذى تتطلبه
العمليات العسكرية التى يقوم بها ضد
الشعب الفلسطينى الأعزل .
غياب عربى
وتحرك أمريكى أوربى
لا شك أن
القضية تمر بلحظة تاريخية أكثر من
خطيرة ، يمكن إدراك أبعاد خطورتها من
خلال حقائق صارت أكثر من ملموسة منها :
أن العدو
الصهيونى يعد العدة للقيام بعدوان
واسع وشرس على الأشقاء الفلسطينيين
فى الضفة وغزة ، وهو ينتهز الفرصة
فيهدد السلطة ويتوعدها بأن يشملها
العدوان إن لم تؤكد على أرض الواقع
وقف إطلاق النار الفورى الذى أعلنته ،
مصحوبا بإيقاف كافة أشكال التحريض
الإعلامى ، والحيلولة دون وقوع أى
عمليات استشهادية واعتقال عناصر حماس
والجهاد ، وتسليم المشتركين فى عملية
تل أبيب للكيان الصهيونى .
أن هناك
دعما أمريكيا واضحا بل وسافرا للسفاح
شارون مع تحريض له للقيام بعدوانه ،
كما أن هناك ضغوطا أمريكيا شديدة على
السلطة الفلسطينية لدفعها للاستجابة
لشارون .
فعلى مدى
الشهور التى مارست فيها الإدارة
الأمريكية السلطة فى واشنطن لم يتوقف
الأمريكيون المسئولون عن مطالبة
عرفات بوقف الانتفاضة تحت مسمى وقف
العنف ، مما يعنى أن كافة أشكال القمع
والتنكيل الصهيونى بالفلسطينيين فى
الضفة وغزة والتى وصلت إلى مستوى
استخدام الطائرات الأمريكية
والصواريخ الأمريكية لا تعد عدوانا
ولا عنفا فى المفهوم الأمريكى ، كما
أكد الأمريكيون حرصهم البالغ على
عودة اللقاءات الأمنية الفلسطينية
اليهودية بحضور المخابرات الأمريكية
والمقصود منها بالطبع نهوض أجهزة
الأمن الفلسطينى بالحفاظ على أمن
الكيان الصهيونى ومنع الفلسطينيين من
القيام بأى عمل يدفعون به عن أنفسهم
العدوان والقهر الصهيونى .
ولعل
السفير الأمريكى فى الكيان الصهيونى
مارتن أنديك قد عبر بدقة عن الموقف
الأمريكى الداعم للكيان الصهيونى
المناهض للحقوق العربية حين قال فى
محاضرة له فى تل أبيب "إن المصلحة
الأمريكية والإسرائيلية متطابقة ،
والولايات المتحدة الأمريكية مصممة
على أن يطبق عرفات الوقف الفورى
لإطلاق النار والغير مشروط وستحكم
عليه واشنطن من خلال سلوكه على الأرض
، وإن سياسة إدارة الرئيس بوش الحالية
ليست التركيز على السلام كما فعل
كلينتون ، ولكن تحقيق الاستقرار
الإقليمى"
والاستقرار
الإقليمى الذى تنشده أمريكا ، كما
يبدو من كلام أنديك هو فى تحقيق
الأهداف والغايات الصهيونية على حساب
الحقوق الفلسطينية ، لأن المصالح
الأمريكية متطابقة على المصالح
الصهيونية …
وكما أن
هناك دعما أمريكيا أكثر من سافر للعدو
الصهيونى فإن هناك أيضا دعما أوربيا
للكيان الصهيونى ، ففى باريس أعلن
وزير الخارجية أنه فى هذه الساعات
تبدو هناك بادرتا أمل تتمثلان فى ضبط
النفس الذى تبديه الحكومة
الإسرائيلية بعد الاعتداء المروع فى
تل أبيب والإعلان الواضح الصادر من
عرفات بوقف القتال" أما الرئيس
الفرنسى شيراك فقد أعلن أنه اتصل
بعرفات مستنكرا الحادث وليوبخه
مطالبا إياه بوقف فورى للقتال دون
شروط .
أما فى
موسكو فإن وزير الخارجية إيفانوف قد
أعلن أنه اتصل ببيريز ليدين الأعمال
الإجرامية الإرهابية ودعا عرفات
للقيام بكل الأعمال الضرورية من أجل
وقف الإرهابيين والمتطرفين الذين
تتعارض نشاطاتهم مع المصالح المشروعة
للشعب الفلسطينى ، وأن هناك اتفاقا
أمريكيا روسيا وثيقا حول تنسيق
الجهود المشتركة .
هذا يعنى أن
الدول الأوربية قد أعلنت انحيازها
للكيان الصهيونى الغاصب وتغاضت عن
كافة ممارساته الإجرامية وعن احتلاله
للضفة وغزة وسفكه لدماء الفلسطينيين
الأبرياء واعتبرت أصحاب الحق المغتصب
، إرهابيين متطرفين .
الغياب
العربى والإسلامى
ومن ثم يصبح
التساؤل المطروح ، بإلحاح وقلق ، أين
الدور العربى والإسلامى ، فى مواجهة
الحصار الصهيونى الأمريكى والمدعوم
أوربيا ، والمفروض بإحكام حول
الأشقاء الفلسطينيين العزل فى الضفة
وغزة ، أين التحرك العربى والإسلامى
المطلوب من كافة الدول العربية
والإسلامية لنصرة أشقائنا فى الضفة
وغزة ، فى مواجهة عدوان أكثر من بشع
يوشك أن يطبق عليهم ، بعد أن تم عزلهم
عن العالم ، وحظى برضا وتأييد العواصم
الكبرى ، ومهدت وتمهد له حملات
إعلامية يهودية واسعة على كافة
الساحات إضافة إلى تغطية أمريكية
صارت مهيأة لتبريره بل والترويج له؟
إن
الفلسطينيين على لسان كافة مسئوليهم
وقياداتهم قد أعلنوا أنهم ينتظرون
إجراءات عربية عملية لدعمهم ، إنهم
يطلبون الرجال والمال والسلاح
والتحرك السياسى الضاغط ، وهذا حق لهم
أكده الإسلام وأوجبه على كافة العرب
والمسلمين ، إنهم فى حاجة إلى إجراءات
لمواجهة إرهاب الكيان الصهيونى
الغاصب ، إن ما يحدث هو حرب يستخدم
فيها اليهود كافة الأسلحة الأمريكية
المتطورة ، فى وقت يعيش فيه الشعب
الفلسطينى الآن فى سجن كبير ، داخله
سجون صغيرة ، وقد أغلقت فى وجهة كل
المنافذ والممرات والمعابر مع الدول
المجاورة والسيناريو الذى يريد
اليهود تنفيذه هو ضم الأراضى
الفلسطينية فى الضفة وغزة ، وتهجير
الفلسطينيين خارج فلسطين وبناء
المستوطنات لاستيعاب المزيد من
اليهود ، وفرض الأمر الواقع على العرب
والمسلمين .
إن ما يجرى
الآن فى الضفة وغزة ، إضافة إلى
التحركات الأمريكية والأوربية يضع
كثيرا من النقاط على كثير من الحروف ،
أن الوضع الآن فى ظل الحصار الذى
ازداد إحكاما وتعددت حلقاته فى
الداخل ، وفى ظل عدوان خطير قادم يحظى
بدعم وتأييد أمريكى أوربى سافر،
يواجهه شعب أعزل ، يعنى فى ظل الغياب
العربى والإسلامى ، هلاك شعب عربى
مسلم ، وضياع ما تبقى من دياره وأرضه ،
كما أنه يعنى فى الغد ، ضياع شعوب
وحكومات وممالك وسلطنات حوله ، إن لم
يتحرك الجميع حركة فاعلة مؤثرة فى
وحدة شاملة ، لردع العدوان ، والدفع
بمن يدعمونه ليعيدوا النظر فى
السياسات والمواقف ، إنقاذا اليوم
لشعب شقيق ، وإنقاذا فى الغد لكافة
الشعوب فى كافة الديار والأقطار .
إن الأمر
يتطلب المسارعة بدعم الأشقاء
الفلسطينيين المحاصرين بشتى أشكال
وأنماط الدعم ، وممارسة كافة الضغوط
العملية على واشنطن والدول الأوربية
، والتنفيذ العملى والسريع لقرارات
مقاطعة الكيان الصهيونى ، وإحكام
الحصار حوله، وإعداد الأمة لمواجهة
صارت حتمية تحرير كامل الأرض
الفلسطينيين من البحر إلى النهر ،
وتطهر القدس والمسجد الأقصى من دنس
الصهاينة ، ففلسطين والأقصى حق عربى
إسلامى ، ومسئولية كافة الشعوب
والحكومات العربية والإسلامية ، لا
تهاون فيها ولا تراجع عنها ، بل زود
عنها وتضحية من أجلها ، وحين تخلص
النيات ، وتستقيم الوجهات وتتحد
الكلمة ، تكون القرارات الحاسمة ،
ويكون النصر بإذن الله حليف أصحاب
الحق المجاهدين من أجله .. "وما
النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم"
|