|
أرشيف مقالات المرشد العام |
عودة
|
|
|
|
|
خطاب الرئيس الأمريكي بوش .. انحياز تام للكيان
الصهيوني
6/7/2002م
|
|
بقلم
:
فضيلة المرشد
العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأستاذ
مصطفى مشهور
|
|
الأخبار الواردة من الضفة الغربية وغزة تقول إنه بعد أن
أدلى الرئيس الأمريكي بخطابه الذي أكد فيه الانحياز الأمريكي التام لليهود
الغاصبين والعداء الأمريكي الكامل للعرب أصحاب الأرض والديار المغتصبة، فإن
الكيان الصهيوني كثف من حصاره حول المدن والقرى الفلسطينية في الضفة، وضاعف
من قصفه وعدوانه البشع على السكان العزل الأبرياء، إضافة إلى عمليات التوغل
بالدبابات والمجنزرات داخل المدن والقرى واعتقال وتعذيب الشباب وفرض حظر
التجول ومنع الناس من قضاء حوائجهم وأكثر من ذلك، ثم نسف ودمر مقر السلطة
الفلسطينية في الخليل فوق رؤوس من فيه إمعانا في الاستخفاف بحق الشعب
الفلسطيني الشقيق ... في الحياة وفي الأمن.
وفي الوقت نفسه حمل وزير الخارجية الأمريكي باول الرئيس
الفلسطيني ياسر عرفات مسئولية ما وصلت إليه الأوضاع الفلسطينية، متهما
الشعب الفلسطيني الأعزل والمحاصر بالإرهاب وهو يقول: "إن عملية السلام في
الشرق الأوسط عملية صعبة ويجب أن تبدأ باعتراف جميع الأطراف بضرورة وضع حد
للإرهاب، وأن أمريكا ستبذل قصارى جهدها لمساعدة الفلسطينيين في إقامة
دولتهم في غضون ثلاث سنوات إذا ساروا في الاتجاه الصحيح" خاصة وأن معظم
العرب أصدروا بيانا يعربون فيه عن احترامهم للرؤية التي تضمنها خطاب بوش.
العدو الصهيوني يزداد تبجحا وإجراما في عدوانه .. وخطاب
بوش يشجع العدو على المضي في التبجح والإجرام، كما يدفع باول إلى ترديد
وترويج الاتهامات والإهانات التي حفل بها الخطاب للعرب عامة والفلسطينيين
خاصة، وأيضا ترديد الوعود الجوفاء للفلسطينيين بدولة مؤقتة، دون تحديد
رقعتها أو حدودها .. أو جدول زمني لخطوات جادة تؤدي إلى قيامها، أو آليات
تنفي الإحساس بأن الأمر لا يخلو من الوعود الجوفاء، لتضييع الوقت أو تخدير
المشاعر، حتى ينتهي العدو الصهيوني من ابتلاع الضفة .. ثم إعداد العدة
ليمارس نفس الدور مع غزة، ويسدل الستار على أراضي 1967 .. كما أسدل الستار
على أراضي 1948، وأمامنا حقيقتان على أرض الواقع المأساوي تفضحان المخطط
الصهيوني، وتلقيان الضوء كافيا على خطاب الرئيس بوش ليعرف الداني والقاصي
أن الخطاب لم يحمل للفلسطينيين الأشقاء العزل غير السراب والسباب والاتهام
والإهانة ودفعهم لمحاربة بعضهم البعض، وتسخير أجهزة أمنهم لضرب أي مقاومة
أو رفض للاحتلال الصهيوني وحماية أمن الكيان الصهيوني، ولم يحمل للعرب إلا
التهديد .. والإنذارات .. وصيحات الوعد والوعيد.
مجرد وعد بالدولة المؤقتة
الحقيقة الأولى تتمثل في قول الخطاب: أمريكا لن تؤيد
قيام دولة ما لم يشن زعماؤها حربا متواصلة على الإرهابيين ويدمروا بنيتهم
التحتية، وهذا يستلزم جهدا خاضعا لإشراف خارجي لإعادة بناء وإصلاح الأمن
الفلسطيني، ولكن هذه الخطوات في النهاية تعتمد على الشعب الفلسطيني
وزعمائه، فإذا ساروا في طريق الإصلاح فإن المكافأة قد تأتي سريعا، وإذا
اعتنق الفلسطينيون الديمقراطية وتصدوا للفساد ورفضوا الإرهاب بثبات فإن
بوسعهم الاعتماد على الدعم الأمريكي لقيام دولة مؤقتة.
ويوجه بوش الإنذارات والتحذيرات والتهديدات للحكومات
العربية فيقول: قلت في الماضي أن الدول إما أن تكون معنا أو علينا في الحرب
على الإرهاب، ولكي تحسب الدول على حساب السلام فإن عليها أن تتحرك، وكل
زعيم ملتزم فعليا بالسلام سيدين علنا العمليات الانتحارية، كل دولة ملتزمة
فعليا بالسلام ستوقف تدفق الأموال والمعدات وعمليات التجنيد في الجماعات
الإرهابية الساعية لتدمير إسرائيل بما في ذلك حماس والجهاد وحزب الله" "ومع
تحركنا نحو حل سلمي فمن المتوقع من الدول العربية أن تقوم بالتطبيع مع
إسرائيل".
ماذا تبقى من الضفة ؟!!
الحقيقة الثانية تتمثل في استحالة قيام دولة فلسطينية
في ظل المخطط الصهيوني الذي ينهض به السفاح شارون بدعم أمريكي.
فالمساحة الكلية للضفة الغربية 5870 كم اقتطعت منها
للمستعمرات الصهيونية ولبناء الجدران الأمنية ما قلص مساحتها إلى 1888 كم2
، هي المساحة التي تشغلها التجمعات البشرية الفلسطينية المتمثلة في المدن
والقرى الفلسطينية في الضفة، فإذا كان العدو الصهيوني قد جرف الأراضي
الزارعية، وضم مساحات واسعة منها إلى أراضي 1948، وبنى المستعمرات المنتشرة
في الضفة فوق مخازن المياه الجوفية، فإن معنى ذلك أن المدن الفلسطينية في
الضفة والتي يجري حصارها .. واقتحامها وهدم منازلها واعتقال شبابها
واستذلال أبنائها، وعزلها عن بعضها البعض قد فقدت مقومات الحياة وموارد
العيش، وبالتالي فقدت مقومات الدولة، من أجل هذا يقول أحد الأساتذة في
جامعة غزة الإسلامية ... لو نظرنا لخريطة التجمعات الاستعمارية الصهيونية
في الضفة وغزة لوجدنا دون عناء استحالة قيام دولة فلسطينية، ويصبح الحديث
عن دولة فلسطينية مؤقتة أو غير مؤقتة، ليس إلا تبريدا للنزاع، ومحاولة لصرف
أو التحايل على الغضب العربي، وأهم من ذلك تضييع الوقت حتى ينتهي الصهاينة
من التهام الضفة، وفي هذا الإطار يأتي الضغط على الرئيس الفلسطيني عرفات
لدفعه لمزيد من التنازلات، أو السعي لإبعاده والبحث عن كرزاي فلسطيني يتمم
المرحلة .. أو الفصل الأخير في القضية.
لقد جاء خطاب بوش وعودا فارغة، وتهديدات للعرب سافرة،
واتهامات للشعب الفلسطيني الأعزل تجافي العدل والإنصاف وحديث عن دولة غير
واضحة الحدود أو المعالم .. غير واضحة الموقع، مع ربط الأمن الفلسطيني
بالأمن الصهيوني ومتطلباته بأمن الشرق الأوسط وأدان مقاومة أو رفض الشعب
الفلسطيني للاحتلال الصهيوني وطالب العرب بإدانتها وعدم دعمها لأنها تمثل
الإرهاب ... بينما الممارسات الوحشية اليهودية إزاء الفلسطينيين .. وحصار
المدن .. وتدمير المخيمات .. وتشريد الآلاف واعتقال الألوف من الشباب ..
واغتيال القيادات ليس إلا عملا من أعمال الدفاع عن النفس، ويخير الرئيس
الأمريكي الحكومات العربية بين الانخراط في حلفه ضد الإرهاب .. أو أن تحسب
نفسها في معسكر الإرهاب ويجري عليها ما يجري على أفغانستان، وغير
أفغانستان، فيجري تهديد العروش وكراسي السلطان، بالتقويض والتبديل
والتغيير، كما يتواصل التهديد بضرب شعب العراق بل يأخذ شكل الإجراءات
العملية وإقامة القواعد المتقدمة لتنفيذ الضربات على قاعدة أن ما حدث في
أفغانستان قد مر وسط صمت عربي وإسلامي رسمي بل وبمشاركة البعض، مما يشجع
على ضرب العراق اليوم .. وغير العراق في الغد.
ونحسب أن أمريكا لو كانت صادقة ومنصفة لما أقامت
العراقيل في مجلس الأمن أمام إرسال قوات دولية تفصل بين الفلسطينيين العزل
في الضفة وغزة وبين قوات الاحتلال اليهودي، أو لفرقت بين المقاومة المشروعة
لقوات غاصبة محتلة وبين الإرهاب أو لأدانت الإرهاب الصهيوني واستنكرته ..
أو انحازت إلى جانب قرارات دولية استنكرت الاستعمار والمستعمرات اليهودية،
واستنكرت ما جرى ويجري في القدس أو لحالت دون استخدام السلاح الأمريكي في
قتل الضحايا وهدم المدن والقرى الفلسطينية وحصارها وعزلها أو لحالت دون
تحطيم شارون لكافة المؤسسات الفلسطينية الأمنية والاقتصادية والتعليمية
والاجتماعية .. إلا أن خطاب الرئيس الأمريكي صور الفلسطينيين بأنهم
الإرهابيون القتلة، وأن محاولتهم المتواضعة للدفاع عن حرماتهم وحياتهم لا
تعدو الإرهاب، وأن انتفاضتهم ضد الاحتلال وممارساته البشعة هي العنف، وأن
واجب العرب أن يدينوه .. ويشاركوا في فرض الحصار على الشعب الفلسطيني
وينخرطوا في ترتيبات أمنية تشمل منطقة الشرق الأوسط، الهدف منها ضمان الأمن
اليهودي، وحماية المصالح الأمريكية، وتأكيد تبعية العرب والمسلمين للسياسة
الأمريكية، والتطبيع الكامل مع العدو الذي احتل ديارهم وأرضهم وقتل وشرد
شعبا شقيقا، ويعد العدة لقتل وتشريد شعوب عربية وإسلامية أخرى في الغد.
لقد طالب المخلصون المهمومون بهموم الأمة وسيظلوا
يطالبون بإعادة ترتيب البيت العربي والإسلامي، ونادوا وسيظلوا ينادون بأن
الأمة تملك الإمكانات والقدرات الكفيلة برد العدوان، وتحرير كامل الأرض،
وتحقيق العدل والأمان والحرية وقالوا وسيظلوا يقولون أن وحدة الأمة على
أساس من إيمانها بالله وكتابه وسنة رسوله .. هي أهم وأمضى سلاح في المواجهة
المفروضة عليها اليوم.
لا عذر لحاكم يعرقل وحدة
الأمة
وليس ثمة عذر لهذه الجهة أو تلك أو هذا الحاكم أو ذاك
في عرقلة هذه الوحدة .. أو السعي لتعويقها .. أو إعلان رفضها بالقول أو
العمل .. وقلنا عن إيمان راسخ وسنظل نقول أن قول الله عز وجل مخاطبا هذه
الأمة (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً
فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) ..
(آل عمران: من الآية 103) .. هو نداء يجب أن يقابل بالامتثال .. والعمل
والتنفيذ.
ومقومات هذه الوحدة ومعالمها ودعائمها .. معروفة .. وفي
مقدمتها .. الحكم والاحتكام إلى كتاب الله عز وجل .. وسنة نبيه مصداقا لقول
الرسول عليه الصلاة والسلام .. إمام هذه الأمة .. وخاتم الأنبياء والرسل :
"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي".
وكتاب الله سبحانه الذي ألزم المسلمين بالجهاد من أجل
فلسطين بالمال والنفس، لم يدع مجالا لمجادل أو مغرض أو غافل أن يقول أن
الفلسطينيين يدافعون عن أنفسهم وأرضهم وديارهم، في حين أنهم يدافعون عن
أرضهم وديارهم وأرض وديار المسلمين، ومن ثم فوحدة الأمة وانخراط أبنائها في
الجهاد هو الكفيل ... برد الهجمة .. وهو وحده مفتاح الفرج والنصر.
وإذا كان الإيمان بالله أساس وحدة الأمة، وإذا كان
العمل بكتابه وسنة رسوله هو دعامتها .. وطريق خلاصها .. فإن من مقتضيات ذلك
ومن أهم معالمه، حرية أبنائها، ومشاركتهم في الرأي والقرار .. وصدق أبو بكر
رضي الله عنه حين قال "لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم
نسمعها" وهو يستنهض الأمة أن تدلي برأيها وقولها وتطرح رؤياها، وتشارك في
قرارها.
ويزداد العجب ويتضاعف الألم مع الإصرار على التشتت
والإعراض عن التوحد .. رغم أن الجميع يعرف أن الذئب لا يأكل إلا الغنم
القاصية .. وأن التقريع من جانب الرئيس الأمريكي .. أو التبجح من جانب
اليهود الغاصبين المعتدين ما كانا ليجدا المجال والفرصة لو كانت الأمة قد
اتحد صفها وتوحدت كلمتها وأزال الجميع ما بينهم من خلافات واختلافات وقطيعة
واتهامات، ورفع هذا النظام الحاكم أو ذاك قبضته الأمنية عن أعناق شعبه، ورد
لمواطنيه حقوقهم في الأمن والحرية، ولم يسلط محاكم أمن الدولة لتجرد
المواطنين من كرامتهم، أو تلقي بهم خلف جدران السجون .. لمجرد رأي أبدوه أو
نقد زاولوه، أو سلط جيوش أمنه لتزوير وطبخ الانتخابات الرئاسية
والبرلمانية، لتصبح البرلمانات ديكورا .. يزين الواجهات، بينما يزداد مرجل
الغضب والكراهية غليانا ... وتأتي الانتخابات الفرعية في مدينة الإسكندرية
بما شابها من تزوير فاضح .. وإلغاء لحقوق الناس وتطاول على كرامتهم
واستهانة بحقهم في المشاركة في القرار .. كما يأتي الاستفتاء على تعديلات
الدستور في تونس للسماح لرئيس الجمهورية بمواصلة الحكم من غير حدود أو قيود
... مثالا لمصادرة وجود الشعوب وإلغاء حقوقها وإحكام القبضة الحديدية حول
الأعناق .. في وقت الأمة أحوج ما تكون فيه إلى إطلاق الحريات وتأكيد
الشراكة بين الحكام والشعوب.
إن الأمة الواحدة .. الحرة .. الأبية .. هي التي تستطيع
أن تجيش الجيوش تحت أعلام الجهاد .. وتحشد الإمكانات والطاقات وتغير مناهج
التعليم .. وخطط الإعلام والثقافة لتثبت وجودها، وتروج لقضيتها، وحقها
وتنتظر الفرج والنصر من ربها فقد آمنت وعملت بقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)
(محمد:7).
إن الشعب الفلسطيني الأبي رغم المحنة التي يعيشها وهي
أكثر من قاسبة .. أعلن رفضه الرضوخ وأكد إباءه وإصراره على عزته .. وهو
ينتظر من الأمة حكاما ومحكومين أن يكونوا على المستوى من المسئولية والنهوض
بالأمانة، ولا يعقل أن ننصرف عن مفاتيح النصر والعزة .. ونتلهف على خطاب
للرئيس الأمريكي بوش .. لا يحمل لنا إلا الإهانات والوعود الجوفاء ..
والتحذيرات والتهديدات.
كما لا يعقل أن نغفل أو ننصرف عن أسلحة هي في أيدينا
اليوم ونلمس فاعليتها وأثرها .. وفي مقدمتها مقاطعة العدو وإحكام الحصار
حوله .. وتفعيل مكاتب المقاطعة التي تنهض بهذه المهمة .. أو أن نتصرف أو
نغفل عن دعم الشعب الفلسطيني .. بالمال .. وغير المال تأكيدا لحقوق الجسد
الواحد وتعزيزا لأواصر التراحم والتآخي .. واستجابة لقوله سبحانه: (وَمَا
لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ
الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا
أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا
مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً)
(النساء:75) .. وقوله سبحانه:(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا
بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ
وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ)
(الحجرات:15).
|