|
|
عودة
|
|
أرشيف مقالات المرشد العام |
|
|
من وحي الحج : بين
عالمية الإسلام وخطايا العولمة
9/2/2002م
|
|
بقلم
:
فضيلة المرشد
العام لجماعة الإخوان المسلمين
الأستاذ
مصطفى مشهور
|
|
بقلوبنا وأرواحنا نعيش مع موكب المنطلقين صوب البيت العتيق تلبية وإجابة
لدعوة الله الدائمة على مر القرون التي أمر بها الخليل عليه السلام فقال له
(وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ
ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) (الحج:27) .. وإن هذا الشوق
والسعي والحنين إلى بيت الله العتيق قديم قدم الإنسان نفسه ، فقد روى
الإمام أحمد والبيهقي عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه
وسلم مر بوادي عسفان فقال "يا أبا بكر ، لقد مر بهذا الوادي هود وصالح
عليهما السلام ، على بكرات خطمهما الليف يحجون هذا البيت العتيق ".
وروى أبو يعلى والطبراني عن أنس قال ... قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
"لقد مر بالروحاء سبعون نبيا ، فيهم نبي الله موسى ، يؤمون هذا البيت
العتيق".
أمة واحدة :
فرض الله الحج على القادرين من أمة الإسلام لأغراض سامية ، فهو يجمع
المسلمين على اختلاف ألوانهم وتباعد ديارهم في مؤتمر عالمي عظيم ، فيه
تلتئم الصفوف وتتوحد الكلمة ، ويصبح المسلمون فيه قوة يقدرها الآخرون ،
خاصة يهود ومن يعاونهم ويقف وراءهم ويمدهم بالسلاح ويشجعهم على العدوان ،
يجب على القادرين من أمة الإسلام في موسم الحج أن يتعرفوا على أحوال
إخوانهم في شتى الأقطار ، وأن يتحقق فيهم الشعور بالأمة الواحدة ، والوطن
الواحد ، بل والجسد الواحد ، وأن تتحرك في نفوسهم جميعا معاني التضحية وحق
إخوانهم في كل مكان في نصرتهم ومعونتهم ، والدفاع عنهم ، فهذا حق المسلم
على المسلم في هذا الدين .
إن اتجاه المسلمين جميعا في كل أنحاء الأرض في صلاتهم إلى قبلة واحدة
يدعوهم إلى توحيد وجهتهم ، وتوحيد مواقفهم ، وتوحيد نظرتهم إلى القضايا
الخطيرة التي تعصف بمستقبل الأمة كلها ، وتكاد تدمرها عن آخرها .
إننا ندعو المسلمين جميعا إلى النهوض و إلى العمل الجاد والمخلص للتخلص من
جميع التراكمات والسلبيات التي حلت بهم في ظل تسلط أعداء الإسلام عليهم ،
ندعوهم لتلبية نداء الله لهم (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً
وَلا تَفَرَّقُوا )(آل عمران: الآية103) ندعوهم إلى الألفة والمحبة والأخوة
والوحدة ، وأن يكونوا كما وصفهم الله في كتابه ( رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ
)(الفتح: من الآية29) ) (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى
الْكَافِرِينَ )(المائدة: من الآية54) .
وإنه لما يأسى له القلب أن نرى بعض المسلمين أعزة على المسلمين يسومون
الدعاة إلى الله سوء العذاب ، ويتفننون في آذاهم ، ويضيقون عليهم كل طريق،
ونراهم أذلة للكافرين ، ينفذون رغباتهم تقربا وزلفى إليهم ، ولا حول ولا
قوة إلا بالله.
ماذا ينتظر المسلمون وحكامهم ، بعد وضوح الخطر اليهودي والعدوان الأمريكي
الغاشم ، والتهديد بالسحق والقتل ليل نهار، إن الخطر اليوم لم يعد يتهدد
الشعب الفلسطيني ولا الأفغاني ولا العراقي فحسب وإنما يتهدد أقطارا إسلامية
وشعوبا إسلامية بأكملها ، إن التصريحات من هنا وهناك بتجفيف المنابع ،
وحصار المساجد ومنع كلمة الحق أن تقال فيها ، ومنع التبرع والصدقات وتعطيل
فعل الخير وتجريم كل تصرف إسلامي ، ومطاردة كل ما هو إسلامي، ووصفه بالتطرف
وجلب اليهود من روسيا وغيرها ، ومحاولة سحق الانتفاضة ، وتدمير البنية
التحتية لأهل فلسطين ، وتمكين الهنود السيخ من ضرب المسلمين في كشمير ، تم
تدمير أفغانستان بأكملها ، ومعاملة الشباب المسلم معاملة أقل من الدواب ،
حتى أصبح دم المسلم من أرخص الدماء لهو من الأمور المصيرية في تاريخ الأمة
.
واجب علينا جميعا :
فلا يجوز لمسلم يسمع بهذا أو يعلم بما يحدث لإخوانه ، ثم يسكن أو يسكت ، أو
يهدأ باله ، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ، وحديث رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاونهم كمثل الجسد
الواحد إذا اشتكى منه عضو ، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى".
يا زوار بيت الله :
علينا جميعا أن نصلح أنفسنا ، وأن نعمل على إيقاظ غيرنا ، كي نعيش قضايا
إخواننا وما يتعرضون له ، وأن نعمل على تنبيه غيرنا ، ليكونوا ضد هذه
الهجمة الشرسة ، وأن نطالب حكومات العالم العربي والإسلامي بأن تفيق من
غفلتها – قبل فوات الأوان – وأن تقف الوقفة التي يمليها علينا جميعا
الإسلام إزاء هذه الحملات الضاربة .
النظام العالمي الجديد :
وفd
موسم الحج نذكر المسلمين جميعا بأن يثقوا بدينهم وإسلامهم وأن يطمئنوا إلى
وعد الله ، ولا يخافوا من التهديد الرخيص والتهريج الذي يصدر من البعض ،
فالنظام العالمي الجديد ولد ميتا ، لأنه عقلا وتاريخا لا يمكن بل يستحيل أن
يسيطر نظام فرد واحد أو مجموعة من الناس ، أو دولة ، على العالم كله ، لأن
هذا مخالف لسنن الله بل هو خروج عليها ، ومبعث هذا الأمر التعالي
والاستكبار والغرور وحب الهيمنة والسيطرة ، وقد حاول هذا من قبل فرعون
وقارون وعاد وثمود وغيرهم ، فاندفعوا كما تندفع أمريكا اليوم ، فحسبوا أنهم
أصبحوا قادرين على هذه الأرض ، ومالكي ناصيتها ، وبيدهم وحدهم قرارها ،
ففرعون لعنه الله يقول (.... مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ
غَيْرِي)(القصص: من الآية38) وقارون يقول وقد خرج على قومه في أبهة وكبرياء
وزينة ( إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي )(القصص: من الآية78)
وقوم عاد استطالوا وقالوا (.... مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ
يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً
وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ)(فصلت: من الآية15).
فكان الإغراق لفرعون وقومه ، والخسف لقارون وماله ، والهلاك لعاد وثمود
واليوم يوجد في عالمنا من يزعم لنفسه أنه القوة الوحيدة المسيطرة في العالم
، وأن مصير العالم كله بيده ، نرى ذلك واضحا فيما زعم البعض بأنه نظام جديد
للعالم ، وهذا تنازع صريح فيما هو من اختصاص الحق سبحانه وتعالى ، فالله هو
المتفرد بالملك والجبروت ، والذي يحاول هذا من البشر سوف يجرى عليه ما جرى
للدب الشيوعي ، الذي خمدت فيه للأبد جذوة الصراع الوهمي ، وانتهت الدعاوى
العريضة في لحظات .
الأمل مع العمل :
إن تصورات المؤمنين الصادقين للموقف في الفترات العصبية لها طابعها الواضح
يقول الحق سبحانه (وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا
هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ
وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً) (الأحزاب:22) قالوا هذا
حين تظاهرت الجزيرة العربية كلها ضد الإسلام والمسلمين وأقبلت قريش في عشرة
آلاف مقاتل وحاصروا المدينة ، والمسلمون في داخلها لا يزيد عددهم عن ثلاثة
آلاف .
إن قول المؤمنين هذا لا ينطبق على الذين عاصروا هذا الحادث وشاهدوه وحدهم ،
ولكنه نزل نصا خالدا للعمل به في كل وسط بعد ذلك ، وفى كل تاريخ ، بنفس
القوى التي عمل بها في الأمة الإسلامية الأولى، ونسمع عن مدى الجهد الذي
تحمله الصحابة طوال هذه الأزمة يقول الصحابي محمد بن مسلمة "كان ليلنا
بالخندق نهارا ، حتى عظم البلاء وخاف الناس خوفا شديدا".
وحتى شغلوا المسلمين عن الصلاة فدعا عليهم صلى الله عليهم وسلم يومئذ فقال
: "شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقلوبهم
نارا".
لقد كان صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة ، فعلى الرغم من هذه الأهوال ،
والضيق ، كان مثابة الأمان للمسلمين ، ومصدر الثقة والرجاء والاطمئنان.
وهاهو سلمان الفارسي يقول ضربت في ناحية من نواحي الخندق فغلظت عليّ صخرة ،
ورسول الله قريب منd
، فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان
عليّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ، قال : ثم
ضرب به ضربة أخرى ، فلمعت تحته برقة أخرى، قال ثم ضرب به الثالثة ، فلمعت
تحته برقة أخرى .. قلت : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، ما هذا الذي رأيت،
لمع وأنت تضرب؟ .. قال : أو قد رأيت ذلك يا سلمان، قال : قلت نعم .. قال :
أما الأولى فإن الله فتح على بها اليمن .. وأما الثانية ، فإن الله فتح على
بها الشام ، والمغرب .. وأما الثالثة، فإن الله فتح علىّ بها المشرق" .
يجب أن يقع هذا القول موقعه في قلوب المسلمين والخطر يحدق بهم في كل مكان
اليوم .. وإن كل ما يحدث رغم مرارته وشدته ، لن ينال من عزيمتنا أبدا ، ولن
يضعف الأمل في النصر في نفوسنا ، لأن النصر جزء من إيماننا ، بل كلما اشتدت
ضراوة العدوان ، تضاعف الجهد ونحرص على التضحية مع الصبر والمصابرة ، ومن
الثقة في تأييد الله ونصره ، فهو سبحانه القائل (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا
نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)(الروم: من الآية4) وسنة الله سبحانه التي لا تتبدل
أن يضرب الحق والباطل (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا
يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ )(الرعد: من الآية17)
(يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى
اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ + هُوَ
الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ
عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33).
ونستطيع أن نقول : إن المستقبل للإسلام بإذن الله ، ولكن من خلال عمل وجهد
وجهاد وعرق ، بعد التسلح بالإيمان والأخذ بكل أسباب القوة ، فإلى الإيمان
الصادق ، وإلى الأخوة والوحدة والعزة والثقة في وعد الله .
)وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ
وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ).
|