|
هذا العنوان
مقتبس من صاحب المعالم وراسم الظلال الشهيد القرآني الأستاذ سيد قطب –
عليه رحمات الله – حيث كان الفصل الأول في كتابه العظيم الذي أعدم على
إثره، وهذا الكتاب هو: معالم في الطريق، وعنوان الفصل الأول هو: جيل
قراني فريد، والمقصود-طبعا- بالجيل القرآني الفريد جيل الصحابة الكرام –
رضوان الله عليهم - ، وفي نظري أن الإنسان القرآني مبدع في كل ميدان: في
ميدان عمارة الآخرة، فهو الذي لا تلهيه تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام
الصلاة، وإن جن عليه الليل خلى بمولاه يقوم فيه من الليل حتى تتورم
قدماه.
وكذلك أرى أن
الإنسان القرآني مبدع أيضا في عمارة الدنيا، فعمارة الحياة الدنيا مطلب
إلهيٌ يتقرب فيه إلى الله بإتقان صناعة الحياة، ألم يقل الله تعالى في
سورة هود الآية 61: "وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما
لكم من اله عيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا
إليه إن ربي قريب مجيب"، ومعنى استعمركم : أي طلب منكم عمارتها.
ولقد حقق جيل
الصحابة الكرام قصب السبق في كل ميدان، والميدان الذي أحب أن أتكلم فيه:
هو ميدان تثميرهم للأموال، وسنتبين من خلال غيض من فيض من قصصهم ما كانوا
يتحلون به من فكر استثماري يدل على أنهم قد جمعوا الكمالات كلها الدينية
والدنيوية على حد سواء.
أولا: روت لنا
كتب السيرة أن المصطفى صلوات ربي وسلاماته عليه لما وصل المدينة المنورة
مهاجرا، سارع إلى إرساء قواعد دولة راسخة البنيان، وعظيمة الشأن.
و كان من جملة
تلك القواعد: عقد المآخاة بين الأنصار والمهاجرين على آصرة العقيدة
والدين.
ومن تلك القواعد
أيضا: تنظيم العلاقات لبيان الحقوق والواجبات بين مواطني هذه الدولة
المتعددة الثقافات والمعتقدات، حيث نظم الرسول الأعظم دستورا سياسيا
يعتبر الأول في تاريخ البشرية، عرف باسم الصحيفة.
وكذلك من تلك
القواعد مسارعته صلى الله عليه وسلم في بناء مسجده ليكون مصدرا للتعبئة
الروحية. وأيضا – وهذا هو موضع الشاهد - رأينا النبي المصطفى يسحب
البساط من تحت أقدام محتكري اقتصاد وأقوات الناس في هذه المدينة، وهم
اليهود، وذلك بالمبادرة لجعل موضع في المدينة سوقا للمسلمين عرف في
السيرة باسم : سوق المناخة – من إناخة الجمال لأحمالها وأثقالها ومن ثم
لبيعها في هذا المكان – وقد قال فيه المصطفى مخاطبا المسلمين : (هذا
سوقكم يا أهل المدينة لا يتّجر فيه يهود ). وبقي صلى الله عليه وسلم
يتعهد هذا السوق، ويراقب سير البيع والشراء فيه، وحديث: (من غش فليس منا
) كان على إثر رؤية النبي صلى الله عليه وسلم كومة قمح، فأدخل فيها
الحبيب يده فإذا بالقمح مبتلا، فقال الرسول : ما هذا يا صاحب الطعام؟
فقال البائع: أصابته السماء يا رسول الله. فقال له: هلا أظهرته حتى يراه
الناس، من غش فليس منا.
وكذلك استمر
الخلفاء الراشدون بعد المصطفى صلى الله عليه وسلم في تعهد هذه السوق
النبوية، فعين فيها سيدنا عمر بن الخطاء صحابية جليلة محتسبة في هذا
السوق تقوم المعوج، وتصوب الخطأ، وهذه الصحابية الجليلة هي: الشفاء بنت
عبد الله رضي الله عنها.
ثانيا: كان
الصحابي الجليل الزبير بن العوام – رضي الله عنه – صاحب عقلية اقتصادية
عظيمة، وكان صاحب ثراء مميز، لذا كان الكثير من أصحاب رؤوس الأموال
الصغيرة والمتوسطة يخافون عليها السرقة إن هي بقيت في بيوتهم، لذا كانوا
يذهبون بها للزبير حتى يحفظها لهم، ومتى رغبوا في استرجاعها فلهم ذلك،
ولم تكن للزبير حاجة إلى هذه الأموال ليجعلهم شركاء معه في تجارته، وكان
الزبير – وهذا من عظيم فقهه – يتقبل منهم هذه الأموال قائلا لهم : آخذها
منكم قرضا لا وديعة، ولا شركة.
ومن المعروف فقها
أن القرض من حق المقترض أن يشغله، ويستثمره، فان عاد بالربح فهو للمقترض
فقط، وان خسر، فعلى المقترض، وكذلك المال في القرض مضمون لصاحبه على كل
حال، سواء تلف في يد المقترض بتقصير وتعد أم بغير ذلك.
وشاهدنا في هذا
الكلام أن الصحابة الكرام كانوا يدفعون مدخراتهم لمن يحركها ويستثمرها
على قاعدة:" انفع صاحبك بشيء لا يضرك"، ولا يجيزون كنزها وتعطيلها عن
القيام بالوظيفة التي خلقت لها، حتى ولو أديت زكاتها.
وللتدليل على
ضخامة ثروة الزبير وكثرة المودعين أموالهم لديه بقي ابن عبد الله بن
الزبير بعد استشهاد أبيه في موقعة الجمل أربع سنين ينادي على الناس في
موسم الحج :" من كان له عند الزبير مال فياتينا لنرده عليه ثم بعد ذلك
استجاز عبد الله بن الزبير أن يقسم تركة أبيه، مما يعني وجود آلاف
المودعين إن لم يكن أكثر من ذلك عند الزبير والذي يضارع اليوم أضخم
المؤسسات المالية المصرفية التي تفتح أرقام حسابات للعملاء والمودعين.
ثالثا : كان عبد
الله وعبيد الله ابنا عمر بن الخطاب في غزو ارمينيا، فلما فرغا، وقررا
العودة إلى المدينة المنورة، مرا على أبي موسى الأشعري وكان واليا على
البصرة يومها، فعرض عليهما أبو موسى أن يرسل معهما مبلغا من المال لعاصمة
الخلافة، واقترح عليهما أن يشتريا بهذا المال متاعا وبضائع من أسواق
البصرة، تحتاجها أسواق المدينة، وهناك يبيعان ما معهما، ويرجعان رأس
المال لخزينة الدولة.
وفعلا : جلبا
معهما للمدينة البضائع والمتاع بدل الدراهم والدنانير وباعاها وربحا وردا
رأس المال لامين بيت المال، فلما علم عمر بذلك أمرهما برد الربح أيضا
بالإضافة إلى رأس المال، وبقي عبيد الله يراجع أباه بان له الحق في
الربح، لان المال لو تلف لكانا له ضامنين، وحكم الصحابة في هذا الخلاف
بجعل العقد مضاربة بين المال والعمل، والربح بينهما، وفعلا هذا الذي
كان.وشاهدنا الاقتصادي في هذا المثال : هو أن الصحابة بدل حمل الدراهم
والدنانير من البصرة، استبدلوها بالسلع التي تنفع أهل المدينة لان الجالب
مرزوق، وهكذا يتحقق الرفاه الاقتصادي في المدينة لساكنيها وترخص الأسعار
لوفرة العرض في هذه الحالة.
رابعا : كان
العباس بن عبد المطلب من أصحاب العقول الاقتصادية التي تبتعد عن المخاطرة
في شراكتها مع المضاربين، فقد كان العباس يشترط على من يدفع له ماله
مضاربة أن لا يركب فيه بحرا ولا ينزل فيه واديا ولا يتجر فيه بذوات
الأكباد الرطبة لأنها سريعة العطب وقابلة للنفق بسرعة.
وكل هذه
الاشتراطات بين الشركاء جائزة في الفقه الإسلامي وهي تدل على حنكة
العباس، وخبرته التي اكتسبها من طول الميراث في تثمير أمواله.
وقد كان صاحب
ثراء واسع حيث استلف منه النبي صلى الله عليه وسلم زكاة سنتين قادمتين،
وذلك لتجهيز غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة بعد فتح مكة بأسبوعين.
خامسا : من
ضرورات الحياة، والتي لا يستغنى عنها : الضرب في الأرض، والانتقال من
مكان إلى آخر. وفي هذه الحالة لا غنى للمسافر عن اصطحاب الأموال معه
لنفقات معيشته، أو لشراء السلع من الأماكن التي ينوي الذهاب إليها، وقد
هدى التفكير الراشد جيل الصحابة الكرام إلى إيجاد آلية تغني عن حمل
الأموال الكثيرة أثناء السفر والترحال إلى البلد المقصود، وذلك كما
تحدثنا كتب تراجم الصحابة عن وجود مؤسسة مالية كانت موجودة في مكة
المكرمة يرأسها الصحابي ابن الصحابي ابن عمة رسول الله عبد الله بن
الزبير، ووجود أخ شقيق له في البصرة اسمه مصعب، فكان الذي يريد السفر من
البصرة إلى مكة أو من العراق إلى مكة، لا يحمل معه من النقود أثناء السفر
إلا القليل والمبلغ الأكبر يودعه عند مصعب بن الزبير، ويأخذ من مصعب
وثيقة موجهة لأخيه عبد الله بن الزبير في مكة بإعطاء حامل هذه الوثيقة
المبلغ المرقوم من المال فيها، وكذا الحال مع من يريد السفر من مكة إلى
العراق أو البصرة، يودع المال عند عبد الله، ويأخذ منه وثيقة موجهة إلى
مصعب ليعطي حامل هذه الوثيقة المبلغ المرقوم فيها، وقد أطلق الفقهاء لفظة
:" السفتجة " على هذه الوثيقة.
وهكذا نجد
الآليات التي تسهل انتقال حركة الأموال من قطر إلى آخر دون أن يتعرض حامل
هذه الأموال إلى مخاطر الطريق ومفاجأته، وهذا يساعد على ازدهار حركة
التجارة والتنقل بين ممالك وأمصار الوطن الإسلامي العريض الممتد مما يكون
له اكبر الأثر في ازدهار وتقدم الأمة اقتصاديا وفكريا أيضا.
وفي الختام أنصح
القراء الكرام بقراءة كتاب الدكتور سامي حسن حمود المعنون بعنوان " تطوير
الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية والذي هو عبارة عن أطروحة
نال بها المؤلف شهادة الدكتوراه في الاقتصاد والشريعة والقانون من جامعة
القاهرة عام 76 من القرن الماضي ففيه كنز مما ذكرنا من الشواهد على العقل
الاقتصادي المبدع عند جيل الصحابة الكرام وأسلافنا العظام فالتاريخ
الإسلامي منجم لا يفنى من الدرر والجواهر يحتاج إلى تنقيب وتهذيب.
|