|
في خطوة مفاجئة
تم الإعلان عن حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة لتعود
الساحة الفلسطينية مرة أخرى لحالة الجدل و القلق و التخوّف بعدما انحسرت
باستقالة حكومة أبي مازن ، و وجه المفاجئة و الغرابة في هذه الخطوة أنها
تأتي في الوقت التي تنادي فيه كلّ الأصوات للاحتكام للمؤسسة و القانون في
جميع الإجراءات و القرارات و السياسات ، و تأتي بعدما رفض فكرة حكومة
الطوارئ عندما عزم عليها السيد أحمد قريع إبان قبوله للتكليف ، كما تأتي
بتوقيت غريبٍ ؛ فالشعب الفلسطيني منذ سنوات يتعرّض للعدوان الذي وصل لحدّ
المذابح ، و شهد أوسع عملية نهب للأرض و أبشع عملية تدمير و تخريب و لم
تعلن حالة الطوارئ رغم ذلك .
يعود الجدل
للساحة الفلسطينية عبر العديد من التساؤلات حول هذا القرار ، من مدى
قانونيته و تماشيه مع القوانين ، و ما دواعيه بهذا الوقت ؟! و ما الدور
المناط بحكومة الطوارئ ؟! و هل هذا الإعلان جاء لمواجهة العدوان أم أنه
تلبية لاشتراطات وقف الانتفاضة و مواجهة قوى المقاومة ؟! و تتعزّز
المخاوف و التساؤلات عند سماع تصريحات رئيس الحكومة أبو العلاء حول
أولويات حكومته بأنها ضبط ما أسماه الفوضى و فوضى السلاح و العمل لتحقيق
وقف شامل لإطلاق النار . مما يعني أن حالة الطوارئ موجّهة للداخل
الفلسطيني و ليس لمواجهة الأخطار الموجّهة نحو الشعب الفلسطيني كما هو
المفروض بمثل هذه الحالة و هذا الواقع .
ثم إننا نعيش هذا
الواقع و نتساءل عن الفوضى المقصودة أين هي و ما مظاهرها ، و إن قصد بها
تلك الإشكاليات التي تحدث فهي نادرة و لا تتجاوز أن تكون فردية و هي أقلّ
بكثير مما يحدث في كلّ دول العالم ، و نحن نطالب بعلاجها و لكن هل تستدعي
إعلان حالة طوارئ ؟ أم المقصود بالفوضى شئ آخر يصعب التصريح به ؟!! ..
و مع كلّ هذه
المخاوف و التساؤلات المشروعة و المبرّرة حول هذا القرار و مراميه و
المهام المراد للحكومة القيام بها فإننا و من باب الموضوعية "السكر
زيادة" سوف نتريّث بالحكم على الحكومة تاركين الأمر لما ستقوم به هذه
الحكومة من أعمال و تنفّذه من إجراءات لنرى إن كانت هذه المخاوف في
مكانها أم لا .
و سنتناول هذا
القرار في إطار نهج و سياسة السلطة لتحقيق المكاسب السياسية حيث إنه
بنظرنا يأتي كنتيجة لهذا النهج . فمن الواضح أن السلطة قد اختارت لنفسها
سياسة و نهجاً مخالفاً لما يجمِع عليه غالبية الشعب الفلسطيني و قواه
الذي اختار نهج المقاومة لتحقيق الحقوق في حين أن السلطة لجأت لنهج
التسويات و التفاوض لذلك ، و ذلك رغم ثبوت فشل هذا النهج و عدم جدارته و
جلبه للكوارث على الشعب الفلسطيني و قضيّته خلاف ما كانت ترجوه ، و مع
ذلك تصرّ السلطة عليه كخيارٍ وحيد و استراتيجيّ لها ، و ذهبت أبعد من ذلك
بتمسّكها بالتسويات السابقة التي باتت عوراتها مكشوفة لا تخفى على أحد ،
أعلن الصهاينة صراحة بإلغائها بالقول و الفعل بعدما حصلوا من خلالها على
ما خطّطوا له ، و اعترف العالم بفشلها و بادروا بتقديم المبادرات البديلة
لها ، رغم كلّ ذلك تصرّ السلطة على التمسك بها ؟!! ..
و لعلّ من أبرز
مخاطر هذا النهج فضلاً عما عاد به من سلبيات على قضية الشعب الفلسطيني ،
أن السلطة الفلسطينية و من خلال نهجها هذا ألزمت نفسها و قيدتها بمجموعة
من الالتزامات و القيود الشديدة ، و بدلاً من أن تقوم السلطة باستغلال
تنصلّ الصهاينة و النظام الدولي من هذه الاتفاقيات لتحرّر نفسها من تلك
القيود و الالتزامات ، و لتنطلق من جديد مستفيدة من كلّ تجاربها و
أخطائها السابقة في تصويب نهجها ذهبت السلطة بذات النهج دون أي مراجعة أو
كشف حساب ، فهي لا ترى سوى أن هذه الاتفاقيات حقّقت عودة الآلاف للوطن (و
هو ما رحّبنا به) و لكنها لا ترى أن الملايين ما زالوا يعانون في الشتات
دون أن تعيرهم تلك الاتفاقات أيّ أهمية ، و ترى أنها حقّقت انسحاباً من
بعض المناطق (و هو ما نرحب به أيضاً) و لكنها تناست أن المقابل كان
التنازل عن 78 % من أرض فلسطين ، و تناست كذلك أن الجنود الصهاينة و
جرافاتهم تحيط بهذه المناطق مما يشير إلى هشاشة ذلك ، و لعلّ إعادة
احتلالها اليوم برهان . و ليت الأمر توقّف إلى هنا بل إنه تجاوز ذلك
بقبول السلطة لكلّ ما يطرح من تسويات لحلّ القضية دون أي تحفَظ لما فيها
من سموم و المزيد من القيود و الالتزامات لتقع بالفخ من جديد بقبولها
بالمبادرة الأمنية المسمّاة خارطة الطريق لتضع بقبولها لها القيود حول
عنقها ، فلا هي قادرة على تنفيذ الالتزامات و لا هي قادرة على الاستمرار
بالتسوية بسبب الاشتراطات الصهيونية .
إنه من الطبيعي
أن يجلب هذا النهج المصائب على الشعب الفلسطيني ، و كيف لا و هو نهج لم
يعتمد على أي أساس سليم ، نهج من شروطه جلد الذات بالإعلان عن المقاومة
أنها إرهاب و إدانتها ، و نهج يجرّد السلطة من كلّ عناصر قوتها ، و يعتمد
على حسن نوايا الصهاينة الذين يثبت ماضيهم و حاضرهم على أنهم لا يضمرون
سوى الخداع و الشر و الكذب ، و يراهن على الموقف الأمريكي الذي لم نعرِفه
إلا شريكاً كاملاً للاحتلال في جرائمه ، و يحرِص على الرأي العام و لو
على حساب السيادة و الكرامة رغم أن هذا العالم لا يملك أن يبدي موقفاً
ملزماً واحداً ، هذا إن لم يكن منحازاً أو شريكاً للصهاينة .
لهذا كانت نتائج
هذا النهج خلافاً لما سعت له السلطة حيث حقّق هذا النهج للاحتلال الكثير
بدلاً من أن يحقّق للفلسطينيين كما توقّعت السلطة ، فحقّق الاحتلال شرعية
كاملة له على 78 %من فلسطين ، و شرعية لاحتلاله ، و كسب بأن أصبح ما
تبقّى من فلسطين خاضعاً للتفاوض ، و جعل الأسرى ورقة للمساومة و الابتزاز
، و أخذ شرعية لعدوانه و جرائمه بحق الشعب الفلسطيني ...
و ختاماً ؛ فإن
قرار إعلان حالة الطوارئ ما هو إلا نتيجة لتلك القيود التي قيّدت السلطة
نفسها بها ، و لكن ما زال أمام السلطة خياراً قوياً إن أرادت التحرّر من
قيودها ، فأمامها خيار شعبها الذي يعطيها الضمانة الأكيدة لتحقيق أهدافها
المشروعة و تحقيق الحرية لشعبها ، فليس أمام السلطة سوى أن تعود لهذا
الشعب العظيم و تعمل معه بكلّ أطيافه من أجل التحرير ، و بدون ذلك ستبقى
رهينة للقيود الأمر الذي لا ينذِر بخير . |