الصفحة الرئيسة

من نحن؟

للاتصال بنا

خريطة الموقع

Home Page

 

إرشيف مقالات الأستاذ رأفت ناصيف

عودة

 

منحدرات النهج الخاطئ

 

  بقلم / رأفت ناصيف - حركة حماس – طولكرم

 

في خطوة مفاجئة تم الإعلان عن حالة الطوارئ في الأراضي الفلسطينية التابعة للسلطة لتعود الساحة الفلسطينية مرة أخرى لحالة الجدل و القلق و التخوّف بعدما انحسرت باستقالة حكومة أبي مازن ، و وجه المفاجئة و الغرابة في هذه الخطوة أنها تأتي في الوقت التي تنادي فيه كلّ الأصوات للاحتكام للمؤسسة و القانون في جميع الإجراءات و القرارات و السياسات ، و تأتي بعدما رفض فكرة حكومة الطوارئ عندما عزم عليها السيد أحمد قريع إبان قبوله للتكليف ، كما تأتي بتوقيت غريبٍ ؛ فالشعب الفلسطيني منذ سنوات يتعرّض للعدوان الذي وصل لحدّ المذابح ، و شهد أوسع عملية نهب للأرض و أبشع عملية تدمير و تخريب و لم تعلن حالة الطوارئ رغم ذلك .

 

يعود الجدل للساحة الفلسطينية عبر العديد من التساؤلات حول هذا القرار ، من مدى قانونيته و تماشيه مع القوانين ، و ما دواعيه بهذا الوقت ؟! و ما الدور المناط بحكومة الطوارئ ؟! و هل هذا الإعلان جاء لمواجهة العدوان أم أنه تلبية لاشتراطات وقف الانتفاضة و مواجهة قوى المقاومة ؟! و تتعزّز المخاوف و التساؤلات عند سماع تصريحات رئيس الحكومة أبو العلاء حول أولويات حكومته بأنها ضبط ما أسماه الفوضى و فوضى السلاح و العمل لتحقيق وقف شامل لإطلاق النار . مما يعني أن حالة الطوارئ موجّهة للداخل الفلسطيني و ليس لمواجهة الأخطار الموجّهة نحو الشعب الفلسطيني كما هو المفروض بمثل هذه الحالة و هذا الواقع .

 

ثم إننا نعيش هذا الواقع و نتساءل عن الفوضى المقصودة أين هي و ما مظاهرها ، و إن قصد بها تلك الإشكاليات التي تحدث فهي نادرة و لا تتجاوز أن تكون فردية و هي أقلّ بكثير مما يحدث في كلّ دول العالم ، و نحن نطالب بعلاجها و لكن هل تستدعي إعلان حالة طوارئ ؟ أم المقصود بالفوضى شئ آخر يصعب التصريح به ؟!! ..

 

و مع كلّ هذه المخاوف و التساؤلات المشروعة و المبرّرة حول هذا القرار و مراميه و المهام المراد للحكومة القيام بها فإننا و من باب الموضوعية "السكر زيادة" سوف نتريّث بالحكم على الحكومة تاركين الأمر لما ستقوم به هذه الحكومة من أعمال و تنفّذه من إجراءات لنرى إن كانت هذه المخاوف في مكانها أم لا .

 

و سنتناول هذا القرار في إطار نهج و سياسة السلطة لتحقيق المكاسب السياسية حيث إنه بنظرنا يأتي كنتيجة لهذا النهج . فمن الواضح أن السلطة قد اختارت لنفسها سياسة و نهجاً مخالفاً لما يجمِع عليه غالبية الشعب الفلسطيني و قواه الذي اختار نهج المقاومة لتحقيق الحقوق في حين أن السلطة لجأت لنهج التسويات و التفاوض لذلك ، و ذلك رغم ثبوت فشل هذا النهج و عدم جدارته و جلبه للكوارث على الشعب الفلسطيني و قضيّته خلاف ما كانت ترجوه ، و مع ذلك تصرّ السلطة عليه كخيارٍ وحيد و استراتيجيّ لها ، و ذهبت أبعد من ذلك بتمسّكها بالتسويات السابقة التي باتت عوراتها مكشوفة لا تخفى على أحد ، أعلن الصهاينة صراحة بإلغائها بالقول و الفعل بعدما حصلوا من خلالها على ما خطّطوا له ، و اعترف العالم بفشلها و بادروا بتقديم المبادرات البديلة لها ، رغم كلّ ذلك تصرّ السلطة على التمسك بها ؟!! ..

 

و لعلّ من أبرز مخاطر هذا النهج فضلاً عما عاد به من سلبيات على قضية الشعب الفلسطيني ، أن السلطة الفلسطينية و من خلال نهجها هذا ألزمت نفسها و قيدتها بمجموعة من الالتزامات و القيود الشديدة ، و بدلاً من أن تقوم السلطة باستغلال تنصلّ الصهاينة و النظام الدولي من هذه الاتفاقيات لتحرّر نفسها من تلك القيود و الالتزامات ، و لتنطلق من جديد مستفيدة من كلّ تجاربها و أخطائها السابقة في تصويب نهجها ذهبت السلطة بذات النهج دون أي مراجعة أو كشف حساب ، فهي لا ترى سوى أن هذه الاتفاقيات حقّقت عودة الآلاف للوطن (و هو ما رحّبنا به) و لكنها لا ترى أن الملايين ما زالوا يعانون في الشتات دون أن تعيرهم تلك الاتفاقات أيّ أهمية ، و ترى أنها حقّقت انسحاباً من بعض المناطق (و هو ما نرحب به أيضاً) و لكنها تناست أن المقابل كان التنازل عن 78 % من أرض فلسطين ، و تناست كذلك أن الجنود الصهاينة و جرافاتهم تحيط بهذه المناطق مما يشير إلى هشاشة ذلك ، و لعلّ إعادة احتلالها اليوم برهان . و ليت الأمر توقّف إلى هنا بل إنه تجاوز ذلك بقبول السلطة لكلّ ما يطرح من تسويات لحلّ القضية دون أي تحفَظ لما فيها من سموم و المزيد من القيود و الالتزامات لتقع بالفخ من جديد بقبولها بالمبادرة الأمنية المسمّاة خارطة الطريق لتضع بقبولها لها القيود حول عنقها ، فلا هي قادرة على تنفيذ الالتزامات و لا هي قادرة على الاستمرار بالتسوية بسبب الاشتراطات الصهيونية .

 

إنه من الطبيعي أن يجلب هذا النهج المصائب على الشعب الفلسطيني ، و كيف لا و هو نهج لم يعتمد على أي أساس سليم ، نهج من شروطه جلد الذات بالإعلان عن المقاومة أنها إرهاب و إدانتها ، و نهج يجرّد السلطة من كلّ عناصر قوتها ، و يعتمد على حسن نوايا الصهاينة الذين يثبت ماضيهم و حاضرهم على أنهم لا يضمرون سوى الخداع و الشر و الكذب ، و يراهن على الموقف الأمريكي الذي لم نعرِفه إلا شريكاً كاملاً للاحتلال في جرائمه ، و يحرِص على الرأي العام و لو على حساب السيادة و الكرامة رغم أن هذا العالم لا يملك أن يبدي موقفاً ملزماً واحداً ، هذا إن لم يكن منحازاً أو شريكاً للصهاينة .

 

لهذا كانت نتائج هذا النهج خلافاً لما سعت له السلطة حيث حقّق هذا النهج للاحتلال الكثير بدلاً من أن يحقّق للفلسطينيين كما توقّعت السلطة ، فحقّق الاحتلال شرعية كاملة له على 78 %من فلسطين ، و شرعية لاحتلاله ، و كسب بأن أصبح ما تبقّى من فلسطين خاضعاً للتفاوض ، و جعل الأسرى ورقة للمساومة و الابتزاز ، و أخذ شرعية لعدوانه و جرائمه بحق الشعب الفلسطيني ...

 

و ختاماً ؛ فإن قرار إعلان حالة الطوارئ ما هو إلا نتيجة لتلك القيود التي قيّدت السلطة نفسها بها ، و لكن ما زال أمام السلطة خياراً قوياً إن أرادت التحرّر من قيودها ، فأمامها خيار شعبها الذي يعطيها الضمانة الأكيدة لتحقيق أهدافها المشروعة و تحقيق الحرية لشعبها ، فليس أمام السلطة سوى أن تعود لهذا الشعب العظيم و تعمل معه بكلّ أطيافه من أجل التحرير ، و بدون ذلك ستبقى رهينة للقيود الأمر الذي لا ينذِر بخير .