|
في كلّ مرة
يطرح فيها مشروع تسوية للقضية الفلسطينية تنطلق الاتهامات بحق قوى
المقاومة الفلسطينية تحملها المسؤولية عن فشل هذه المشاريع ، و أنها
تسعى من خلال مقاومتها إلى إفشال الجهود المبذولة لتحقيق السلام
المزعوم ، و تتبع هذه الاتهامات بدعوات تطالب بملاحقة المقاومين ، و
تهيّئ لذلك السجون و العيون ضد المقاومين بالرصد و الاعتقال ، و أن
لا مجال لمن يرفض هذه المشاريع المجحفة و يصرّ على حقوقه التي سلبت
منه قصراً .
و رغم تعاقب هذه
المشاريع و الفشل الذي تمنى به باستمرار ، و وضوح أسباب هذا الفشل
الملازم لها ، و التي في غالبيتها العظمى تشير إلى أن المضمون لهذه
المشاريع و مواقف و ممارسات الأطراف التي تعلنها و تؤيّدها لا سيما
الممارسات الصهيونية هي وراء هذا الفشل المتواصل ، إلا أن ذلك لم يحدّ من
اتهام قوى المقاومة و تحميلها أسباب الفشل ، بل أكثر من ذلك أننا نرى
أنهم يجعلون من قوى المقاومة كبش فداء لتغطية أسباب الفشل الحقيقية حتى
قبل إعلان هذه المشاريع ، الأمر الذي يدلّل بوضوح حقيقة النوايا ، و
يدلّل على إدراك من يدور في فلكها بأنها مشاريع محمّلة بعناصر فشلها ،
فهم أكثر من يعلم حقيقة الدافع لطرحها ، و السم الذي أشبعت به لتجريعه
للشعب الفلسطيني الضحية لينعم الصهاينة بالعسل الصافي .
و اليوم ذات
الصورة تتكرّر مع خطة خارطة الطريق ، فها هي الاتهامات التي وجّهت
للمقاومة حتى قبل إعلان الخطة تتواصل اليوم و بصورة أشد و أوسع ، و رغم
المبادرة الفلسطينية بتعليق العمل العسكري و الالتزام شبه الكامل بها ،
مقابل تواصل الجرائم الصهيونية اليومية ضد الشعب الفلسطيني ، و المماطلة
و الاشتراطات غير المنتهية من قبلهم مقابل المرونة التي لا حدود لها من
المفاوض الفلسطيني ، رغم كلّ ذلك يسود البياض في أعين أصحاب الخطة و
حلفائهم و المتجاوبين معهم فلا يرون سوى ما تقرّر أن يروه سلفاً بأن
المقاومة هي السبب ، أما ممارسات الاحتلال فعلّق عليها الخرزة الزرقاء
حتى لا يلتفت إليها أحد .
و الحقيقة
الساطعة تقول إن المقاومة لا تتحمّل ذلك ، رغم أنه من حقّها أن تعمل على
إفشال هذه المشاريع التي تتجاوز حقوق الشعب الفلسطيني ، و على رأسها حقّه
بالحرية و الاستقلال و السيادة الكاملة على أرضه و مقدراته و مقدساته ، و
حقّه بعودة أبناء الشعب الفلسطيني إلى بيوتهم و ممتلكاتهم التي هجّروا
منها قصراً ، و حق مجاهديه بالحرية و العودة إلى ذويهم لا أن يبقوا في
السجون ليستخدم الصهاينة قضيتهم للمساومة و الابتزاز .
مع هذا الحق
الشرعي للمقاومة إلا أن قوى المقاومة بوعيها و فهمها لحقيقة الأمور و
لإدراكها لدوافع طرح هذه المشاريع ، و حقيقة عدم الجدية في طرحها ، و
إدراكها بأن هذه المشاريع لا تحمِل سوى عناصر فشلها و يقينها بأن بعض
الحركات التي يتم تسويقها كأنها ثمار كبيرة لهذه الخطة ما هي إلا حركات
تجميلية بعيدة كلّ البعد عن آلية النهج الصحيح للحل العادل ، فما هي إلا
ورقة توت سرعان ما ستسقط لتكشف حقيقة هذه الخطة ، تماماً عندما صوّروا
لنا مثل هذه الحركات في أعقاب أوسلو و ما إن سقطت حتى انكشفت حقيقة
الدمار الذي جلبته أوسلو على الشعب الفلسطيني و قضيته ، هذا الدمار الذي
لم يجد أمامه أصحاب أوسلو إلا أن يعترفوا به بصورة أو بأخرى .
إن هذا الإدراك و
الوعي من قبل قوى المقاومة جعلها تنأى بنفسها عن هذه المشاريع ، و أن لا
تنشغل بالعمل لإفشالها فهي بذاتها تتجه نحو الفشل . فواصلت المقاومة
طريقها الذي رسمته لنفسها لتحقيق الحرية و إنهاء الاحتلال ، الأمر الذي
لم يرق للماكرين فشدّدوا هجمتهم على قوى المقاومة ، و لجأوا إلى أسلوب
فرّق تسد لتصبح كل اشتراطاتهم و مساوماتهم و ضغوطهم تهدف إلى دبّ الفرقة
بين أبناء الشعب الفلسطيني ، إلا أن المقاومة مرة أخرى تفوّت عليهم ذلك
بمبادرتها المنطلقة من حرصها على الوحدة الفلسطينية .
و هنا يتضح أن من
يتحمّل فشل مشاريع التسوية هم أنفسهم الذين يدّعون حرصهم عليها ، إنهم
الأمريكيون ، و الأوروبيون ، و الأمم المتحدة ، و الكيان الصهيوني ، و
الرأي العام الذي تمثّله الدول إقليمية و دولية ، كما أن السلطة
الفلسطينية و حكومتها لها دورٌ بالفشل و لو كان بحسن نية . و بصورة سريعة
نوضّح دور كلّ منهم بفشل الخطة .
الأمريكيون :
ساهموا بفشل
الخطة بانحيازهم التام و الواضح للكيان الصهيوني و الذي انعكس على الخطة
التي هي خطتهم بالأصل ، و بتحميلهم الضحية المسؤولية رغم أنها تعلم أنهم
ضحية يدافعون عن أنفسهم و حقوقهم ، و تجاوزها لحقوق الشعب الفلسطيني ، بل
إنها تمارس الضغوط على العديد من الأطراف ليعملوا على الضغط على
الفلسطينيين ليتنازلوا عن حقوقهم و ثوابتهم ، و بسكوتها عما يمارَس من
جرائم بحق الشعب الفلسطيني بأسلحة أمريكية . و مقابل كلّ ذلك التجاوب مع
ما يطرحه الصهاينة أياً كان و دعم ادعاءاتهم و تبرير جرائمهم ، و القبول
باشتراطاتهم ، و غض الطرف عن تجاوزاتهم و عدم احترامهم لما جاءت به الخطة
، و عدم الاستعداد لممارسة أي ضغط عليهم لتتقيّد التزاماتهم ....
الأوروبيون :
أسهموا بالفشل
لقبولهم بالدور المحدّد لهم و الذي لا يتجاوز كونه ديكور تجميل للخطة و
شرعية لها ، بجانب تنفيذ بند الضغط على الضحية دون الجلاد للتنازل عن
حقوقه ، و عدم ممارستهم لأيّ دورٍ يحفظ العدالة و لو النسبية ، بل إنهم
قبِلوا بأن يكونوا أداة التطويع للجانب الفلسطيني دون أن يسمح لهم بأي
دور على الجانب الصهيوني ، الذي بدوره يرفض أن يكونوا مراقبين على
التفنيد . إنهم بقبولهم أن يكونوا غطاءاً لخطة تتجاوز حقوق الشعب الضحية
و عدم تدخّلهم في تصويب الأمور أسهم بفشل الخطة .
الأمم المتحدة :
يكفي أن نذكر
أنها بمشاركتها الاسمية في الخطة شرّعت الاحتلال و ممارساته ، و شطبت كلّ
القرارات التي ربما يأتي يوم تكون مفيدة للشعوب الضحية ، و فقدت قوتها و
قوة ما يمكن أن يصدر عنها مستقبلاً من قرارات لردع العدوان الأمر الذي
يطلق اليد الصهيونية بحرية تامة ، و هذا ما يجري على الأرض و يفشل الخطة
.
و ما ينطبق على
الأوروبيين و الأمم المتحدة ينطبق على الرأي العام الذي تمثّله دول
إقليمية و دولية .
الصهاينة :
لو لم يكن لدى
الصهاينة أي ذريعة لإفشال الخطة لكفاهم المواقف الأمريكية و الأوروبية و
الأمم المتحدة كعوامل تشجيع و ذريعة لإفشالها ، و لكنهم أيضاً معنيّون
بفشلها لأنها رغم انحيازها لهم إلا أنها تحوي في هوامشها ما من شأنه أن
يعيق تنفيذ مشروعهم الكبير دون أن يمنع تنفيذه و هم يرون أنهم بغنى عن
ذلك ، فهم من أجل ذلك مستمرّون في جرائمهم و عدوانهم ضد الشعب الفلسطيني
و ممتلكاته ، و كذلك هم مستمرّون في مماطلاتهم و استخفافهم بالمفاوض
الفلسطيني ، و اشتراطاتهم التي لا حدود لها و المتجدّدة باستمرار .
السلطة الفلسطينية :
إن تجاهل الحقائق
و عدم الاستفادة من التجارب و الانخداع بالوعود و الاهتمام بالقشور على
حساب الجوهر أوقع السلطة في الفخ المرة تلو الأخرى . و من هنا فإن
التهافت الكبير على الخطة و القبول بها من دون أيّ تحفّظ و رغم ما فيها
من تعدٍّ على الشعب الفلسطيني و قضيته ، و الاستعداد لتنفيذ كلّ ما فيها
من اشتراطات تمسّ الكرامة و التضحيات من تجريم الذات و مقاومة الشعب
الفلسطيني ، إلى الصمت المهين الذي نشاهده بالمؤتمرات الصحافية عندما يقف
المسؤول الفلسطيني في المؤتمر الصحافي يستمع للآخر و هو يصف المقاومة
الفلسطينية بالإرهاب و يدعو للاقتتال الداخلي بحجة مواجهة الإرهاب
الفلسطيني و يؤكّد حمايته للعدو الصهيوني و يبرّر جرائمه … كل ذلك و
المسؤول الفلسطيني يهزّ الرأس و يوزّع الابتسامات و كأن المعنيّ ليس شعبه
، و كأنه يعلن براءته من اليوم الذي كان فيه جزءاً من المقاومة … هذا
الموقف للسلطة حتى لو كان بحسن نية أو بأمل أن يحقّق خيراً ما إلا أنه
فهم صهيونياً كما عبّر عنه شكله على أنه استسلام كامل يهيّئ لفرض المزيد
من الشروط و الإملاءات ، و إذا أضفنا لذلك الـ ( لا ) الفلسطينية التي
سرعان ما تتحوّل إلى نعم مؤكّدة بمجرد تصريح أو تلويح من هنا أو هناك فإن
المماطلة و التسويف و التعزّز و التعنّت الصهيوني تعرف غايته و هي المزيد
من النعم الفلسطينية.
هذه هي حقيقة
الصورة و المشاريع المطروحة ، إنها للاستهلاك المصلحي لهذا أو ذاك ، و
ليست لحلّ الصراع . و الفشل جزء أساسي منها ، و بالتالي لا دخل لقوى
المقاومة فيه رغم كونه من حقّها كما أسلفنا .
|