|
ما يجري في لبنان
وفلسطين يجعل الإنسان يقف طويلاً أمامه ليمعن النظر فيه ويطلق العنان
للفكر حوله؛ هل فعلا أن التقتيل والتهديم اللذان يجريان بحق لبنان
وفلسطين فقط بسبب عملية الأسر للصهاينة الثلاثة، أم أن الأمر يتجاوز ذلك؟
.
لا شك من أنه
بفعل عمليات أسر الجنود الصهاينة بعمليات نوعية للمقاومة قد هزَّت ذاك
الكيان وجيشه الذي كان يحقق الإنجازات بالوهم الذي جعله وصفاً بنفسه بأنه
الجيش الذي لا يقهر والقوة التي لا قبيل لها في المنطقة، ولا يوجد من
يغامر بتحدِّيها، ومن الطبيعي أن تكون هناك ردة فعل على عمليات الأسر..
ردة فعل تتناسب والحدث ولا تصل إلى درجة المغامرة بمزيد من الخسائر
وانعدام الأمن، وجَرَت العادة في مثل هذه الأحداث أن تمنح السياسة الوقت
بأن تأخذ الدبلوماسية مداها، ولكنَّ الصورة لم تكن كذلك، وإنما كان
الإسراع نحو الاحتكام للسلاح والحرب والدمار هو سيِّد الموقف.
وفي نظرنا أنَّ
ما يجري يعود إلى عدة أمور على رأسها:-
· أولاً: عدم
السماح بنجاح أيِّ تجربة إسلامية في إثبات قدرتها على تحقيق إنجازات
وتوفير حياةٍ أكثر أمناً ورخاءً واستقراراً ونظافة؛ لأن شأن ذلك أن يدعم
هذا الاتجاه في العالمين العربي والإسلامي الذي يُستغل اليوم من قبل
الغرب بنهب ثرواته، وهو ما لن يدوم في حال امتداد هذه التجربة، ولعلَّ
التركيز على فلسطين ولبنان كونهما التجربتين اللتين استطاعتا تحقيق
الإنجازات في أكثر من اتجاه على المستوى المقاوم، وقد حققتا لأول مرة
انتصارات للأمة العربية والإسلامية تمثلا بالاندحار من الجنوب اللبناني
ثم من قطاع غزة، وكذلك نجحتا على المستوى السياسي وحققتا نتائج ملموسة في
وصولها إلى السلطة التنفيذية.
· ثانياً: السعي
بتحقيق الأطماع الاستعمارية الاحتلالية في المنطقة وتهيئة الأجواء
لاستيعاب الكيان الصهيوني كعنصر أساسي فيها عبر تسويات وتطبيع وهو ما
يشكِّل كل من حزب الله وحركة حماس عقبةً أمامه تحول دون الوصول إليه
وتحقيقه مما استدعى الانقضاض عليهما في سعي لاستئصالهما، ولعل الصمت الذي
نراه حول ما يجري من جرائم هو الدعم الصريح الدولي والعربي للكيان ما
يشير بذلك.
· ثالثاً:
التغطية على الفشل الذي مُنِيَت به الإدارة الأمريكية وتابعتها
البريطانية في العراق وأفغانستان وبحثهما عمّا من شأنه أن يصرف الأنظار
عن ما يواجهانه هناك من فشل متصاعد ولذلك عما يرتكبانه من جرائم بحق
الأبرياء في العراق وأفغانستان ليجدا ضالتهما في الكيان الصهيوني المتعطش
دوما للدمار والخراب، وهو ما كان فعلاً فمصالح الكيان الصهيوني تتحقق
اليوم في غطاء دولي توفره له أمريكا وبريطانيا تحديداً مقابل أن تنحرف
الكاميرا عما يجري في العراق وأفغانستان.
· رابعاً:
محاولة إثبات الذات من قبل أقزام السياسة والعسكرة أولمرت وبيرتس اللذين
وجدا نفسيهما أمام هذه الصفعات من قبل المقاومة والكل وجه أنظاره إليهما
ليرى كيف يتصرفا، كيف يتعرف من لم يعرف العسكرية وفنونها بالأمس وأمام
عجز هؤلاء كان لا بد من سلوك ذلك الطريق الذي يعشقه المجتمع الصهيوني
ويقدمه على أي صفقة أخرى عند الحكم على أي مسؤول كان هذا الطريق هو طريق
الإرهاب والجريمة وطرق القتل والهدم والتخريب والحصار.
· خامساً:
محاولة رد الاعتبار لصورة الجيش الذي طالما تغطى بها العدو؛ بأنه الذي لا
يقهر بعدما هزت قوى المقاومة بعملياتها النوعية تلك الصورة رغم الفارق
الكبير في الإمكانات والقدرات المادية والبشرية والتضحية، خاصة وأن
عمليات الأسر تمت بعمليات عسكرية ضد قوات عسكرية في عمقها المحصن.
· سادساً:
محاولة لعدم ترسيخ قاعدة جديدة في الصراع وهي أن عمليات الأسر وسيلة
ناجعة مع الاحتلال لتحقيق مكاسب خاصة في فلسطين، لأنها ستكون مصدر قلق
وإزعاج دائم للعدو، لذلك فهو بهذه الجرائم يحاول إيصال رسالة مفادها أن
هذه العمليات ستكون مكلفة جداً للشعب الفلسطيني وفاتورتها عالية؛ وهي
كمثل ما يقوم به الاحتلال حالياً.
· سابعاً: وآخر
ما قد يكون خلف هذه الجرائم هي محاولة كسب الوقت على أمل الوصول للأسرى
الصهاينة وإنهاء عملية الأسر دون النجاح للمقاومة في هذا الملف أو على
أقل تعديل هو خفض مستوى التوقعات أو خفض الثمن الممكن تقديمه إلى أدنى
درجة ممكنة.
أمام هذه
المعطيات يتضح أن الكيان الصهيوني في جرائمه هذه، إنما يقوم بها ليس
تحقيقاًً لمصالحه وإنما نيابة عن شرقي العالم الجديد والأنظمة الرسمية
كذلك، وهذا ربما يوضح حقيقة خلفيات المواقف الأمريكية والأوروبية
والعربية الرسمية.
|