|
من الإنصاف القول
بأن حركة فتح تعرضت في الآونة الأخيرة لعاصفتين لم يكن سهلا أن لا تتأثر
بهما، بل إن تأثرها وانعكاساتهما عليها كان حتميا. . . فاستشهاد الرئيس
ياسر عرفات الذي كان حتى أيامه الأخيرة يمسك بكل أوراق الحركة وتفاصيلها
بمفرده وبأسلوبه الشخصي وقدرته على الإمساك بمفاتيح الحفاظ على الحركة
دون الانهيار على الأقل ولو بالحد الأدنى من خلال إمساكه بمفاتيح ولمسات
لكل أقطاب الحركة ومحاورها الداخلية ... ثم بعد ذلك تجد الحركة نفسها
أمام أمر عظيم آخر عندما وجدت أنها بلا رصيد شعبي يؤهلها للفوز
بالانتخابات التشريعية لتمنى بهزيمة قاسية أمام من تعتبرها خصمها اللدود
ومنافسها الأول حركة حماس .
هذا الذي تعرضت
له حركة فتح وبعيدا عن الخوض في تفاصيله جعل الحركة تعيش في حالة من
التخبط أفقدها البوصلة الضابطة لخطواتها وقراراتها وحتى لأساليبها
ووسائلها سواء على المستوى التنظيمي الفتحاوي الداخلي ، أم على مستوى
الساحة الفلسطينية عموما وعلاقاتها مع الآخر لا سيما القوى الفلسطينية
والمواطن الفلسطيني وفي المقدمة حماس التي حظيت بالرصيد الشعبي الأوفر .
هنا برز التساؤل عن وجهة حركة فتح والى أين تسير ؟! سؤال أوجبته الحالة
الفتحاوية ذاتها.
ولربما كان النظر
لاجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح بالأمس القريب في عمان يحظى بأهمية
للاعتقاد أنه ربما يسفر عن إجابة شافية عن هذا السؤال ،... إلا أن البيان
الختامي لاجتماعات اللجنة وما صدر من تصريحات عن أعضائها من جهة وما صدر
عن بعض قيادات الحركة وكوادرها من استياء مما آل إليه اجتماع مركزية فتح
من جهة أخرى تدلل أن السؤال لم يحظى إجابة واضحة شافية وعملية بعد.
لذلك سوف نسعى
للإجابة عن هذا السؤال من خلال رصد دقيق للواقع والمشهد الفتحاوي
لاستقراء الإجابة وتحديد وجهة فتح على المستوى التنظيمي الداخلي وعلى
المستوى الفلسطيني العام.
فعلى المستوى
التنظيمي الفتحاوي الداخلي:
منذ الأيام
الأخيرة للرئيس الراحل أبو عمار بدأت معالم حركة داخل فتح يقودها عدد من
قياداتها ذوي الحظوة الأمريكية وصلت لدرجة أن يسهم هؤلاء بتشديد الحصار
المفروض على الرئيس والتحريض عليه وبعضهم تمادى بخروجه على الإعلام ليوجه
للرئيس وقيادات الحركة التاريخية الاتهامات بشأن تدهور الأمور داخل
الحركة ووصل بعضهم لدرجة أن يضع نفسه ندا للرئيس ولكل مركزية فتح في
الشارع عبر مسيرات موجهه من قبله وفريقه.وكل ذلك كان تحت عنوان الدعوات
الإصلاحية لحركة فتح وإنهاء احتكار الرئيس ثم اللجنة المركزية لأمور
الحركة وتفردهم بأمورها أو الدعوات لدمج الجيل الشاب بالمؤسسات وإعادة
ترتيب صفوف الحركة وعقد مؤتمرها السادس.....الخ.
واليوم ها نحن نشهد أن اجتماع هيئات فتح القيادية والتي كان آخرها اجتماع
اللجنة المركزية بكامل أعضائها في عمان قبل أيام دون أن تخرج بجديد يصب
في إنتاج عملية تصويب وإصلاح جدي وعملي في الحركة ، ورغم تغيب الرئيس أبو
عمار الذي كان يعتبر من قبل هؤلاء العقبة أمام أي عملية اصلاح لحركة فتح
لم نشهد أي تغيير، بل إننا نلاحظ محاولات لعلية استنساخ لأسلوب قيادة
عرفات لفتح وتعامله مع المحاور الفتحاوية الداعية للتغيير أو
المتمردة،وباختصار فإننا بعد كل ذلك لا نرى تقدم فالمؤتمر السادس لم يعقد
بعد وليس له موعد محدد حتى الآن،والشخصيات التي اتهمت بالإفساد والفساد
وطالبت اطر فتح إقصاءها ومحاسبتها ما زال العديد منها في مكانه يحافظ
عليه ويتربع على كرسيه، بل إننا نشهد تراجع عن خطوات أخذت بحق آحاد من
الفاسدين وتركهم وشأنهم على مستوى إفراز قيادات شابة وإبعاد أسلوب
الابتزاز والهيمنة في الانتخابات الداخلية لم يتحقق فها هم المتنفذون
يجيرون الانتخابات في المحافظات والأقاليم لصالحهم على مستوى الإسهام في
الفلتان الأمني والفوضى في الشارع الفلسطيني نراها تزداد ولعل عمليات
تخريب المؤسسات الرسمية في الفترة الأخيرة يشير إلى ذلك المستوى الذي
وصلت إليه بعض كوادر فتح وأكثر من ذلك إننا نرى أن أولئك انقلبوا على ما
كانوا يطالبون به الرئيس الراحل، فبعدما شنوا الحرب على الرئيس أبو عمار
لنزع الصلاحيات منه لصالح الحكومة نراهم هم يشنون حربا ضروس على الحكومة
الفلسطينية بهدف توسيع صلاحيات الرئيس الذي جعل من منصب الرئيس مؤسسه
رئاسية تضم حكومة موازية للحكومة الشرعية فالأمن والإعلام والشؤون
الخارجية والمعابر و.. و.. أصبحت من مسؤولية الرئيس الذي عين لها أولئك
الذين فشلوا في صندوق الانتخابات ، أمام هذه الصورة نقول أن فتح على
مستواها الداخلي ذاهبة إلى مزيد من التراجع والانهيار والى مزيد من
الصراعات على المراكز صراع مصالح شخصية وصراع أجيال وصراع نفوذ ... وهذا
ما بشر به عقب اجتماع اللجنة المركزية الأخير أحد قيادات فتح عندما طالب
أعضاء المركزية بالتقاعد ولوح بنزول القواعد للشارع كما مارس هذا الدور
ضد الرئيس الراحل .
أما على المستوى
الفلسطيني العام :
فمنذ الانتخابات
الأخيرة وفتح تسعى لإفشال الحومة الفلسطينية ... وها هي اليوم لم تكتفي
بما مارسته ضد الحكومة ومساهمتها في الحصار السياسي والاقتصادي ...
وممارساتها اللادستورية بسحب صلاحيات الحكومة وتفريغ مهام الحكومة من
مضمونها لصالح الرئيس الذي بات مؤسسة كما بينا أعلاه . كل ذلك بجانب
رفضها المساهمة في حكومة وحده وطنية تلبية لدعوات حركة حماس ، ها هي
اليوم فجأة نراها تعود لتنادي بما سبق ورفضته هي وذلك عندما فشلت على
إجبار حماس على رفع الراية البيضاء والاستسلام سواء بالتخلي عن الحكومة
وعدم القيام بما يمليه الواجب الشعبي عليها أو بتجاوز ثوابتها وبرنامجها
والاعتراف بالكيان الصهيوني وكل التسويات التي تتجاوز الحقوق الفلسطينية
... فمرة أخرى عادت فتح تحت ستار الأسرى تحاول ابتزاز حماس وطرحت تلك
الورقة المقترحة من مجموعة من الأسرى مستخدمة إياها كالسيف على الحكومة
وحماس ، إلا أنها عندما رأت حماس جادة بالتوصل معها إلى وفاق وهو ما تحقق
بالوصول إلى وثيقة وفاق وطني شكلت ورقة الأسرى أرضيتها ونالت رضى الكل
الفلسطيني عادت فتح لتنقلب على ذاتها وتعلن بصورة غير مباشرة رفضها
لوثيقة الوفاق ولحكومة الوحدة ما لم تلبي الاشتراطات الخارجية من اعتراف
بالكيان والإقرار بالتسويات ... دون أن تحرك في المقابل ساكنا بشأن عملية
إصلاح م.ت.ف تنفيذا للتوافق الوطني .
وبدأت منذ أيام
وبالتزامن مع انعقاد لجنتها المركزية بحملة جديدة ضد الحكومة الفلسطينية
لابتزاز الواقف السياسية منها . ونرى تلك الفئة من فتح التي لا تريد
استقرارا في الساحة الفلسطينية وتأبى إلا أن تطبق الأجندة الأمريكية تبدأ
بحملة جديدة ضد الحكومة غير مكتفية بما قامت به من عمليات تخريب وفوضى
على أكثر من صعيد فها هي تحرك المرتزقة لبث روح الفرقة والخلاف في الشارع
ولعل نزال وعبد ربه المثال الفاقع على ذلك .
عبر هذه الصورة يمكننا رؤية فتح ذاهبة نحو المجهول من خلال عملية
انقلابية ضد الإرادة الشعبية الوطنية معتمده على دعم خارجي وموظفة
لعذابات الشعب المحاصر وأنات الأسرى.
|